وافق مجلس النواب المصري يوم 16-04-2019[1] على مقترحًا بتعديل الدستور.[2] وذلك بعد عرض الصياغة النهائية من اللجنة التشريعية والدستورية. وأبرز ما في ذلك المقترح، هو اطالة مدة الرئاسة من أربعة سنوات إلى ستة، وتعديل النص الدستوري المتعلق بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، حيث سيتم حذف عبارة "ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة" من نص المادة 140 من الدستور"، وعوضاً عنها سيتم وإضافة عبارة "ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين."[1] وكذلك سيتم إضافة مادة جديدة للدستور سميت بمادة انتقالية تنص على أنه "تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيسا للجمهورية، ويجوز إعادة انتخابه لمرة تالية"

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الحالي تم اعادة انتخابه رئيسا للجمهورية في الأول من مايو 2018 لمدة اربعة سنوات تنتهي صيف 2022 وكان من المفترض أن تكون الأخيرة ولكن ووفقا لتلك التعديلات المقترحة سيستمر رئيساً للجمهورية حتى عام 2024 دون حاجة لخوض انتخابات رئاسية، مع السماح له بالترشح لمرة ثالثة ولمدة ستة سنوات.

الجدير بالذكر أن القاعدة الدستورية التي تحظر الترشح مجدداً على من انتخب رئيسا للجمهورية مرتين تم استفتاء الشعب المصري عليها ثلاث مرات ووافق، وذلك في مارس 2011، وديسمبر/كانون الأول 2012، وفي  استفتاء يناير/كانون الثاني 2014  والذي تم فيه إضافة نص للدستور يحظر تعديل تلك القاعدة بأي شكل مع السماح فقط بإضافة المزيد من الضمانات لها. فتنص الفقرة الأخيرة من المادة 226 من الدستور على أنه: "وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ... ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات."

قال رئيس مجلس النواب "إن ما أثير بشأن وجود مقترحات بتعديلات دستورية تخالف الحظر المنصوص عليه بالمادة 226، ليست دقيقة، خاصة أن الحظر متعلق بـ"فتح المدد الرئاسيةوأن التعديلات لم تقترب من ذلك إطلاقا " وفيما يخص النص الخاص بالرئيس السيسي قال رئيس المجلس هذا الأمر " يحدث بالعديد من دول العالم." فهل حقا لا تشكل التعديلات المقترحة انتهاكا لهذا الحظر الدستوري وهل يجوز للمجلس أن يضع نص خاص لشخص بعينه في الدستور؟  ذلك ما سيحاول هذا المقال الاجابة عنه دون  التطرق لما حوته التعديلات المقترحة من أمور عدة أخرى معيبة. 

 

التعديل بالاستثناء ومخالفة مبدأ "القاعدة العامة المجردة"

يحوي مشروع تعديل الدستور تعديلًا للقاعدة الدستورية التي تحظر على الرئيس المنتخب مرتين من الترشح مجددًا، يسمى التعديل بالاستثناء. ويقصد بالتعديل بالاستثناء أن يقرر نص ما أمرًا قانونيًا محددًا ثم يأتي نص آخر لا يمس الأول ولكن يستثني فئة من الناس أو فترة زمنية محددة أو ظروفا معينة من تطبيق أحكامه. ويأتي هنا النص الجديد على شكل مادة "انتقالية" وأيا ما كانت الصيغة التي أفرغت فيها فهي تستثني الرئيس الحالي شخصيا من تطبيق أحكام تلك القاعدة الدستورية وتفتح له باب الترشح لمرة ثالثة، بعدما كان موصدًا. وحينما حظر الدستور اقتراح تعديل القاعدة الدستورية التي لا تجيز للرئيس المنتخب مرتين من الترشح مجددًا حظر كافة أشكال التعديل بما في ذلك التعديل باستثناء شخص من تطبيق أحكامها فيكون ما يناقشه مجلس النواب الآن خارج إطار الشرعية الدستورية.

وهنا تجدر الإشارة أن القاعدة الأهم في ما يخص القانون الدستوري، أن الدستور يضع قواعد قانونية عامة ومجردة. فلكي يكون النص قاعدة قانونية من الأساس يجب أن يكون "مجردا عن الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها معينة"[3] كما أكدت المحكمة الدستورية العليا، وتضيف أنه "تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها بانتفاء التخصيص"[4] وتعيد التأكيد على أنه يجب ألا تتقيد القاعدة القانونية بـ "حالة بذاتها تستنفذ بها القاعدة القانونية مجال تطبيقها ولا بشخص معين يستغرق نطاق سريانها."[5]

يذكر أن المحكمة الدستورية العليا عام 2017 أصدرت حكمًا هامًا يتعلق بخصائص القاعدة القانونية. فبعدما عُرض على المحكمة طعن بعدم دستورية القانون 163 لسنة 1981 والخاص بميراث الرئيس أنور السادات، وجدت المحكمة نفسها في موقف غريب. فظاهر ما هو معروض أمامها أنه قانون مقر من مجلس الشعب وفق إجراءات دستورية وقانونية سليمة وصادر ومنشور ممن له سلطة ذلك، ولكن عندما طبقت المحكمة مبادئ العمومية والتجرد على القانون انتهت إلى أنه ليس بقانون. وذهبت المحكمة إلى أن "قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنها لا تتقيد بالوصف الذي يخلعه المشرع على القواعد التي يسنها"[6]وأضافت أن "النصوص المطعون فيها وإن ألبسها مجلس الشعب ثوب القانون من حيث الشكل إلا أنها في محتواها الموضوعي تتجرد من ذلك، لكونها تتناول أعيانًا محددة تتقرر منفعتها لأشخاص بذواتهم" وانتهت المحكمة إلى أن المعروض أمامها ما هو إلا قرار فردي شخصي لا يرقى لمرتبة القانون.

وبتطبيق خاصية العمومية والتجريد على ما يحاول النظام الحاكم في مصر تمريره الآن إلى الدستور من خلال ما أسماه "مادة انتقالية"، نجد أن هذا النص منصب على شخص محدد بذاته وليس لصفته فلو مات بعد إقرار التعديلات الدستورية لمات معه نص دستوري وذلك أمر مثير للسخرية. والنص المقترح وإن ألبسه مجلس النواب ثوب الدستور من حيث الشكل فإنه في محتواه الموضوعي يتجرد عن ذلك، لأنه مرتبط بشخص معين يستغرق بمفرده نطاق سريان النص، وبحالة بذاتها يستنفذ بها مجال تطبيقه، فما يناقشه مجلس النواب الآن ما هو إلا قرار فردي لا يرقى لمرتبة القانون. فما بالنا بالدستور وهو القانون الأعلى؟ ويناقش المجلس مقترحا يهدم نظام الدولة الذي من المفترض أنه يقوم كما تقول المادة الأولى من الدستور على أساس سيادة القانون، القانون بمعناه الموضوعي، لا سيادة النصوص الشخصية التي تنافى طبيعة القاعدة القانونية ذاتها وخصائصها.

 

تعديل بالاستبدال

الشكل الثاني من أشكال التعديل هو تعديل بالاستبدال، حيث سيتم استبدال النص الدستوري المتعلق بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية بنص آخر كما سبق بيانه، ولو كان النص المقترح لا يحدث أي تغيير في أحكام إعادة انتخاب رئيس الجمهورية كما يقول السيد رئيس مجلس النواب، فلما لا يتم الإبقاء على النص القديم كما هو؟ ولماذا سوف يتم استفتاء الشعب على مقترح بتعديل مادة في الدستور لا يحدث أي تغيير في أحكامها؟ أليس ذلك هو العبث بعينه؟

يرى البعض أن هناك فارقا بين الصيغة الحالية للنص الدستوري المتعلق بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية والصيغة المقترحة بشكل يرشح عنه حصول تغيير جوهري في أحكام هذا النص. فالنص الحالي "ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة" يعني أن رئيس الجمهورية المنتخب له الحق في إعادة الترشح مرة واحدة فقط، أي يتولى الرئاسة مرتين فقط طوال حياته. أما النص  الجديد "ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين"؛ فيتيح له تولي الرئاسة مرتين متتاليتين بحد أقصى ثم فاصل زمني ومن بعدها يستطيع الترشح مجددًا لمدة جديدة لأنها لن تكون تالية[7]، وذلك يعني زيادة في عدد المرات المسموح بها لتولي الشخص لرئاسة الجمهورية طوال حياته مما يعد انتقاصًا من النص الدستوري.

 

هل يوجد إمكانية للتصدي للتعديلات؟

إن ما يحدث الآن يجعلنا نتساءل: هل تملك أي سلطة أو جهة حماية أحكام الدستور ووضع حد لمثل هذا اعتداء؟  سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات فى السطور القادمة.

وفقًا للمادة 226 من الدستور، فإن من حق رئيس الجمهورية أو لخمسة أعضاء مجلس النواب طلب تعديل مادة أو أكثر من الدستور. وحددت المادة إجراءات هذا التعديل والأمور التي لا بجوز تعديلها إلا لمزيد من الضمانات. ولكن لم تحدد هذه المادة أو أي مادة أخرى في الدستور، الجهة التي يمكنها مراقبة مدى احترام التعديلات لهذه المادة ولباقي مواد الدستور. وهو الأمر الذي كان لابدّ أن يوضع تحت رقابة السلطة القضائية. فبدون تلك الرقابة المسبقة، تكون المحظورات والنواهي المنصوص عليها في الدستور ليس لها قيمة، كما هي الحال في التعديل الحالي. ولكن في ظل غياب النص، هل توجد أي جهة أخرى يمكنها مراجعة التعديلات؟

يمكن، في رأي الكاتب، أن تلعب الهيئة الوطنية للانتخابات دور في هذا الأمر. فالهيئة الوطنية للانتخابات، هي هيئة مستقلة منشأة بحكم الدستور، وهي المختصة وفقا له بإجراء الاستفتاء.[8]. ووفقا لقانونها فهي المختصة بالدعوة لكافة الاستفتاءات ما لم يكون الدستور قد حدد المسؤول عن ذلك، [9]والدستور لم يحدد من يدعو للاستفتاء على تعديل الدستور[10] فتكون الهيئة هي المختصة بذلك. والهيئة من المفترض أنها ليست أداة تنفيذ صماء في يد السلطة تُأمر فتطيع ولكنها تقوم بمهمة دستورية يجب أن تكون أمينة عليها وملزمة باحترام وصيانة وتطبيق كافة أحكام الدستور مثلها مثل باقي السلطات. 

وبناءً عليه، يرى الكاتب، أن للهيئة دور في مراجعة عدم تجاوز من يتقدم بطلب تعديل الدستور لحدود ولايته واختصاصاته قبل أن تقوم بإجراء الاستفتاء. فلو تقدم المجلس الشعبي المحلي لمدينة طنطا على سبيل المثال للهيئة بطلب للدعوة للاستفتاء على مشروع تعديل للدستور قام بإعداده، فللهيئة أن ترفض القيام بذلك لأن إعداد مشروع تعديل الدستور يخرج عن ولاية ذلك المجلس. وذات الأمر ينطبق على مجلس النواب فيما يتعلق بتعديل قواعد إعادة انتخاب رئيس الجمهورية: فالدستور أعطى مجلس النواب الحق في إعداد مشروع تعديل الدستور لعرضه على الشعب، وسلب من المجلس القدرة والسلطة على إجراء تعديلات بعينها منها إجراء تعديل على قاعدة عدم جواز انتخاب نفس الشخص لمرة ثالثة تالية. وبالتالي، فمشروع تعديل الدستور -فيما تضمنه من تعديل لتلك القاعدة باستثناء أحد الاشخاص من تطبيق أحكامها كما سلف وتم توضيحه- صادر عن جهة تجاوزت حدود ولايتها ودخلت فيما ليس لها أي سلطان وولاية للقيام به، بل دخلت فيما هو محظور ومحرم عليها. فيكون مشروع التعديل منعدمًا في تلك النقطة ولا يشكل أي قيمة قانونية ولا يجوز الاستفتاء عليه، وبالتالي فعلى الهيئة أن ترفض إجراء الاستفتاء.

وفي حال، قامت الهيئة بإجراء الاستفتاء -ستقوم به بالتاكيد- يمكن لأي ناخب أن يطعن على هذا القرار أمام المحكمة الإدارية العليا ووفقاً لنص المادة 210  من الدستور،[11] والتي يحق لها إلغاء قرار الهيئة بإجراء الاستفتاء لكونه جاء على أمر منهي القيام به وفقا لأحكام الدستور، وأن من أعد مشروع الدستور المطلوب إجراء الاستفتاء عليه تعدى حدود ولايته الدستورية.

 


[1] راجع أمينة حسين "النواب يوافق على التعديلات الدستورية بأغلبية 531 عضوا"، مدى مصر، 16-04-2019

[3] - حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 72 لسنة 28 قضائية بتاريخ 6-5-2017

[4] - المصدر السابق

[5] - المصدر السابق

[6] - المصدر السابق

[8] راجع المواد 208 إلى 210 من الدستور.

[9]المادة الثالثة من القانون 198 لسنة 2018 في شأن الهيئة الوطنية للانتخابات والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 1-8-2017

[10]تنص المادة 157 من الدستور على أن "لرئيس الجمهورية أن يدعو الناخبين للاستفتاء في المسائل التي تتصل بمصالح البلاد العليا، وذلك فيما لا يخالف أحكام الدستور"وهي المادة المقابلة للمادة 74 من دستور 1971، ومن امثلة تلك الدعوة ما قام به الرئيس السابق محمد أنور السادات حينما دعى عام 1978  إلى الاستفتاء على "مبادىء حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعى" وعام 1981 على "إجراءات ومبادئ حماية الوحدة الوطنية" ولذا يخرج الاستفتاء على تعديل الدستور من هذا النص الجوازي.

[11]تنص المادة 210 من الدستور "...وتختص المحكمة الإدارية العليا بالفصل في الطعون على قرارات الهيئة المتعلقة بالاستفتاءات…"