إعلان منهاج عمل بيجين

إعلان منهاج عمل بيجين عبارة عن وثيقة صدرت من المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة: العمل من أجل المساواة والتنمية والسلام، المنعقد في بكين، الصين في سبتمبر/أيلول 1995. وقد أسهم في إصدار الإعلان 189ممثل عن بلدان العالم وأكثر من 4000 منظمة ممثلة لقوى المجتمع المدني من جميع أنحاء العالم في ضوء مراجعة نقدية للتقدم المحرز نحو المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة وفي تحديد المتطلبات اللازمة لتسريع المسار على المستوى العالمي. وقد كان المراد من الإعلان أن يجسد التزام المجتمع الدولي بالنهوض بالمرأة وتنفيذ منهاج العمل، بما يكفل انعكاس منظور المساواة بين الجنسين في جميع السياسات والبرامج على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية. هذا، ويحدد منهاج العمل تدابير للعمل الوطني والدولي في مجالات الاهتمام الحاسمة للنهوض بالمرأة في اثني عشر بعدا هي عبء الفقر المتزايد على المرأة- تعليم المرأة وتدريبها- العنف ضد المرأة- المرأة والنزاع المسلح- المرأة والاقتصاد- المرأة في مواقع السلطة وصنع القرار- المرأة والاقتصادـ الآليات المؤسسية لنهوض بالمرأة- حقوق الانسان للمرأة- المرأة ووسائط الاعلام-المرأة والبيئة- الطفلة. ومنذ صدور إعلان ومنهاج عمل بيجين، تقرر إجراء مراجعات خمسية له. وفي العام 2020، سيحتفل العالم بالذكرى الخامسة والعشرين للمؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة واعتماد إعلان ومنهاج عمل بيجين (1995) وبإنجاز المراجعة الخامسة.

 

المراجعة الخمسية

المراجعة الخمسية عملية تقييم شاملة. ينصب التقييم الذي تنسقه المنظمات الأممية على الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الخمس الماضية منذ عام 2014 تنفيذ الأهداف الاستراتيجية لإعلان ومنهاج عمل بيجين. كما تسعى المنظمات لرصد أوجه الخلل والتحديات التي واجهت الدول في تنفيذ هذه الالتزامات، في موازاة استشراف الواقع خلال السنوات الخمس المقبلة. وتركز المراجعات على أهمية التعاون بين الجهات الرسمية والقوى المجتمعية (منظمات المجتمع المدني والناشطين). هذا، ومن فوائد المراجعة الخمسية أنها تفرض مساحة للحوار بين كافة الفاعلين وبناء الشراكات مع الأجيال. وهذا أمر مهم للغاية فيما يتصل بتنفيذ أي منهاج عمل طويل المدى عابر للأجيال مثل منهاج عمل بيجين لأنه يسهم في تعزيز استدامة التنفيذ السليم وعدم انحراف مسار السفينة.

 

السياق

تأتي المراجعة الخامسة ضمن سياق خاص مختلف عن السياقات التي جرت خلالها المراجعات السابقة. هي تأتي ضمن سياق التغيرات الحادة التي ما برحت المنطقة العربية تشهدها منذ بدء التغييرات السياسية عام 1201 والتي شاركت النساء في المنطقة العربية في قيادتها بشكل فاعل وجوهري. وقد لعبت النساء أدوارا حيوية لا حصر لها في الحيز الخاص والحيز العام شملت إعالة عائلاتهن، وقيادة المجالس المحلية، وإقناع مجموعات من المسلحين بتسليم أسلحتهم، والوساطة في سبيل بناء السلام وتحقيق المصالحة المحلية والوطنية، والمشاركة الفعالة في الحوارات السياسية، والمواجهة الإعلامية والفكرية للعدوان على المجتمع والمرأة، والاجتهاد في تحقيق العدالة للنساء المتضررات، والتشغيل، وتوفير الرعاية الصحية. لكن هذه التغييرات أعقبتها نزاعات في بعض البلدان وحالات عدم استقرار في بلدان أخرى. وقد تصدرت النساء قائمة المتضررين من الحالتين. وهو ما تجسد في استمرار معاناة النساء جراء الاحتلال كما هي الحال في فلسطين والنزوح بسبب النزاعات الحديثة كما هي الحال في ليبيا واليمن وسوريا والعراق. ومع تراجع النزاعات نسبيا في بلدان وحالة عدم الاستقرار في بلدان أخرى، دخلت تلك البلدان في مرحلة انتقالية الغاية منها إكمال إحلال الأمن والسلم واستعادة الحياة الدستورية وإعادة الاعمار. واليوم تشهد المنطقة حراكا في بلدين عربيين آخرين هما الجزائر والسودان. وتشارك النساء من مختلف التوجهات في قيادة هذين الحراكين مشاركة جوهرية.

من جهة أخرى تأتي المراجعة لإعلان منهاج عمل بيجين هذه السنة بالتزامن مع مرور خمس سنوات على أجندة 2030 وأهداف التنمية المستدامة. مما يعطي الفرصة من جديد للتأكيد على أن التنمية الاقتصادية الاجتماعية لن تمر من دون ضمان المساواة بين الجنسين وعدم التمييز.

وبالرغم مما تحقق خلال العقدين الماضيين من تقدم ملحوظ على مستوى التشريعات وتحقيق المساواة القانونية للمرأة إلا أنه لا يزال دون الطموحات المرجوة ودون المعايير التي نصت عليها الإعلانات والاتفاقيات الدولية وما زالت الكثير من المكتسبات التي حققتها النساء تتعرض لتهديد واضح وتراجع لاسيما بعد مرحلة النزاعات وعدم الاستقرار السياسي.

 

المراجعات الوطنية ومخاوف من توسيع الفجوة بين المدن والأطراف

وتعتبر المراجعات الوطنية فرصة يجب الاستفادة منها للوقوف على الواقع ومحاولة فهمه وأخذ العبر. وفي هذا الإطار، يجب إشراك جميع الجهات على جميع المستويات لإجراء هذا التحليل سواء كان على المستوى الوطني أو المحلي. خلال العقدين الماضيين، جرى إعطاء الأولوية لتنفيذ منهاج عمل بيجين على "المستوى الوطني" دون الالتفاف وبذل الجهود على المستويات المحلية، مما أدى إلى عدم توازان في توزيع المكتسبات وتهميش مجتمعات الأطراف وتعميق الفجوة بين المدن الرئيسية والأطراف. كان التنفيذ والمراجعة على "المستوى المحلي" محدودا للغاية وفي بعض الأحيان منعدما. لكن اليوم هناك حقائق عديدة تستلزم الاستجابة على المستوى المحلي لاسيما في ظل وقائع النزوح واللجوء وتفاقم الأوضاع الإنسانية. وتبعا لذلك، برزت أهمية الأمور الثلاثة الآتية:

  • وجود مراكز على المستوى المحلي تُعنى بتقديم الخدمات والاستجابة للاحتياجات المحلية.
  • الالتفات إلى الزيادة السكانية المتسارعة تسارعا غير مسبوق في عدد من البلدان والتي يتزايد تعقيدها في ظل التغيرات الاجتماعية والثقافية لاسيما في أوقات النزاع.
  • الالتفات إلى الطاقات البشرية الهائلة في المحليات لاسيما من الشابات والشباب والتي تحتم العمل على الاستفادة منها والبناء على الحلول والمبادرات الابتكارية التي تنتجها لتنفيذ جوهر ومحاور إعلان ومنهاج عمل بيجين.
  • اعتماد منظور المحليات مما يتيح الفرصة لاستجابة أرشد للخصوصيات الاجتماعية لكل مَحِلَّة. وذلك لأن المحليات وقواها البشرية على دراية أوسع بشؤونها وحاجاتها وطبيعة الخطاب الفكري والإنساني الذي يمكن أن يستجيب له.

 

كما أن عملية المراجعات الوطنية الشاملة تستلزم تعزيز الشراكات عموما وتعزيز الشراكة مع المجتمع المدني خصوصا بمعناه الواسع الذي يشمل الجمعيات الأهلية التي لديها تواجد فعلي على أرض الواقع grassroots movements. إننا عندما نتحدث عن تعزيز الشراكة مع المجتمع المدني لا نقصد مجرد السعي لانخراط عدد أكبر من الناشطات والناشطين في ورش العمل للتوعية بماهية إعلان بيجين، أو مجرد إسناد عدد أكبر من المهام للجمعيات الأهلية فيما يتصل ببرامج تنفيذ منهاج عمل بيجين. إننا نتحدث عن السعي لإحداث انخراط عضوي كامل وشراكة حقيقية مستدامة لقوى المجتمع المدني في جميع أبعاد منظومة تنفيذ إعلان ومنهاج عمل بيجين والمراجعة والتقييم. إننا نتحدث عن دور حيوي للمجتمع المدني في المراجعات الشاملة اليوم وفي قراءة أثر سياسات الدول في تنفيذ منهاج بيجين بعد خمسة وعشرين عام والتحديات التي تواجهها مجتمعاتنا. كما نتحدث عن وضع تصور للأولويات المستقبلية لتحقيق المساواة وتمكين المرأة. ونحن على يقين أن تعزيز إشراك قوى المجتمع المدني سيسهم في توسيع نطاق اعتماد منهج تقييمي نوعي بالإضافة إلى المنهج الكمي. فلا يمكن اختزال عملية المراجعة بما تقوم به الدول من تقديم إحصاءات وقوائم بالبرامج التي تقدمها. إن عملية المراجعة الشاملة تتطلب مراجعة صادقة للنظر بشكل نقدي فيما تم إنجازه ولعله يكون فرصة لإتاحة نقاش حيوي ومباشر مع الجهات الفاعلة وبالأخص مع المجتمع المدني.

ولعل المجتمع الدولي يعيد النظر في دور المجتمع المدني في مراجعة إعلان ومنهاج عمل بيجين ويسند إليه دور أكثر فاعلية أسوة بعدد من الآليات الدولية التي وفرت للمجتمعات المدنية الفرصة في المشاركة الفاعلة. سيسهم تعزيز إشراك قوى المجتمع المدني في مراجعات تنفيذ إعلان ومنهاج بيجين في تحسين الاستجابة للتحديات الجسيمة التي تواجه مسيرة تمكين المرأة وإزالة أشكال التمييز ضدها. فالتنمية المستدامة والمساواة بحاجة إلى رؤية تنموية شاملة واستراتيجيات وطنية وقطاعية وآليات للتدخل على المستويين الوطني والمحلي وتنسيق وشركات بين الجهات الفاعلة لاسيما المجتمع المدني.