تبعا لجمعيتهم العمومية المنعقدة بتاريخ 8 أيار 2019، جدد القضاة قرار اعتكافهم احتجاجا على مشروع الموازنة الذي يرجح أن يمس بضماناتهم المالية، كما يرجح أن يمس بالكثير من شرائح المجتمع. وللمرة الأولى، دعا القضاة في بيانهم الشعب إلى دعمهم في معركة استقلالهم وأيضا في معركة المكافحة الحقيقية للفساد والتي لا يمكن أن تحصل أو تزدهر بغياب هذا الاستقلال. لم تلاقِ هذه الدعوة رغم أهميتها الفائقة صدًى اجتماعيا هامّا. ففيما لزم الإعلام ومنظمات المجتمع المدني الصمت بشأنها مع استثناء أصوات قليلة، فإن مجلس نقابة محامي بيروت ذهب إلى حدّ اعتبار الاعتكاف مناقضاً لقدسية رسالة القضاء السامية، ودعوتهم لمعاودة العمل فورا بعدما اعتبر الإسراع في بتّ قضايا الناس فوق كل اعتبار.

وعليه، وفي ظل أجواء كهذه، رأينا من واجبنا أن نذكر مجددا الإعلام والرأي العام بأهمية ملاقاة دعوة القضاة في منتصف الطريق. ولهذه الغاية، أحصينا 10 أسباب تحدونا على ذلك. كما سعينا إلى الرد على التساؤلات الأكثر ترددا والتي تثني كثيرين عن دعم القضاة، وذلك في محاولة للإحاطة بجميع الأسناد المؤيدة كما المعارضة لهذا الدعم.


 

3 أسباب لدعم القضاة في معركة الحفاظ على ضماناتهم المالية

المفعول المباشر الذي يسعى إليه القضاة في المعركة الحالية هو الحؤول دون الانتقاص من الضمانات المالية للقضاة بموجب مشروع الموازنة، وتحديدا دون الانتقاص من موارد صندوق تعاضد القضاة. وهنا نلقى 3 أسباب لدعم هذه المعركة:

1- الضمانات المالية تشكل ضمانات لاستقلال القضاء:

من المتفق عليه أن الضمانات المالية للقضاة تشكل ضمانات لاستقلالهم المالي الذي هو جزء لا يتجزأ من استقلالهم المضمون دستورا. وعليه، لا يجوز المس بهذه الضمانات عملا بمبدأ دستوري لا يجيز للمشرع إلغاء أي من الضمانات الدستورية من دون إيجاد بديل مواز لها. ومن المهم جدا التأكيد على هذه القاعدة، للحؤول دون نشوء سابقة تمكّن السلطة السياسية من المسّ بضمانات القضاة أو التهديد بالمس بها، بهدف استتباعهم.

2- تراجع الضمانات المالية يؤدي إلى تطهير القضاء من أفضل قضاته:

قد لا يؤثر تراجع الضمانات المالية بشكل كبير على القضاة المنخرطين في منظومة الفساد أو الذين ينجحون بتأمين مداخيل أخرى لأعمال موازية للقضاء، من أبرزها الأعمال التي قد يكلفون بها ببدل في لجان قضائية أو غير قضائية، يُكلّفون بها إلى جانب عملهم القضائي. وما عدا استثناءات قليلة، فإن أغلب المكلفين بأعمال ببدلات هامة هم من القضاة المقربين للقوى السياسية الحاكمة.

بالمقابل، سيكون لهذه الضمانات المالية أثر كبير على القضاة النزهاء الذين يلتزمون مسافة معينة إزاء القوى السياسية صونا لحياديتهم وتجردهم. ويُخشى أن يؤدي تراجع هذه الضمانات المالية إلى تهشيل هؤلاء وبكلمة أخرى إلى تطهير القضاة من أفضل قضاته.

3- تراجع الضمانات المالية يحول دون استقطاب العناصر الجيدة للقضاء:

من شأن تراجع الضمانات المالية للقضاة في موازاة تراجع مكانتهم الاجتماعية، أن يؤدي إلى إضعاف القدرة على اجتذاب العناصر الجيدة من خريجي الجامعات للقضاء، وتاليا أن يحول دون تغذية الجسم القضائي بدمّ جديد متميز. ومؤدّى هذا الأمر هو إضعاف حظوظ إصلاح القضاء مستقبلاً.

 

4 سباب لدعم استقلال القضاء بشكل عام

ثمة أسباب كثيرة، غالبها مشترك للمجتمعات الديمقراطية، تفرض دعم استقلال القضاء بشكل عامّ. هذه الأسباب تصبح أكثر إلحاحا في المجتمعات المتعددة مثل لبنان. ونعدد هنا أربعة هي الآتية:

4- أن استقلال القضاء شرط لتطبيق القانون والمساواة بين المواطنين

لا يختلف إثنان أن استقلال القضاء أساسي لضمان تطبيق القوانين وأي قاعدة قانونية من دون تمييز، وتاليا لضمان المساواة بين المواطنين أمام القانون والطابع العام للقاعدة القانونية. وعلى نقيض ذلك، يشكل التدخل في القضاء أداة فعالة لتعزيز مكانة المواطنين وفق نفوذهم، بحيث تكون حقوق النافذين محمية وزيادة، فيما تصبح حقوق الأشخاص الذين لا نفوذ لهم عرضة للاستباحة. وبالطبع، النتيجة الأولى لهذا النظام هو تطوير ممارسات الحماية أو صرف النفوذ، أي أن يُجيّر أحدهم (عموما أعيان السلطة الحاكمة) نفوذه إلى أشخاص معينين مقابل شحذ منفعة معينة، قد تكون مالية أو تأييدا سياسيا. وهكذا، بدل أن يصبح القضاء ملجأ لكل مواطن حين تتعرض حقوقه أو حريته للخطر، يصبح القضاء أداة لحكم القلة وصرف النفوذ.

5- أن استقلال القضاء شرط لأقلمة القانون مع حاجات المجتمع وحماية الحقوق والحريات

كثيرا ما تكون القوانين في حال تعارض مع حاجات المجتمع أو حقوق مواطنيه الأساسية، وأحيانا كثيرة في حال تعارض مع مواثيق حقوق الإنسان. وفيما تستجيب إجمالا السلطة السياسية لهذه الحاجات في الدول الديمقراطية، يشكل النظام التوافقي السائد أداة تعطيل كلما كانت المعالجة المطلوبة في تناقض مع مصلحة أحد أعيان هذا النظام. ومؤدى ذلك بروز ما يمكن تسميته بالمسائل الحساسة، أي التي تلقى فيتو قاطعا من فريق سياسي أو أكثر. المكان المناسب للقفز فوق هذه الفيتوات يكون عموما القضاء الذي بإمكانه أن يؤدي دوراً في تطوير القوانين عبر تفسيرها وتطبيقها بما يتوافق مع منظومة الحقوق والحريات. وهذا ما سبق اختباره في العديد من المسائل الحساسة، في مقدمتها مسألة المفقودين والمخفيين قسرا حيث كان القضاء سباقا في تكريس حقوق ذوي المفقودين بالمعرفة.

6- أن استقلال القضاء شرط لمساءلة السلطة السياسية والإدارة العامة

فيما بلغت مستويات الفساد والتعدّي على البيئة والملك العام منسوبا عاليا في لبنان، فإن ذلك يرتبط بالمستوى الذي وصل إليه عدم نفاذ القوانين. وفيما يعمل المجلس النيابي على وضع قوانين كثيرة منها قوانين لتكريس الشفافية كقانون حقّ الوصول إلى المعلومات والكشف عن الفساد أو لحماية البيئة، فإن هذه القوانين تبقى عموما حبرا على ورق، ما لم يكن القضاء قادرا على إلزام السلطات والإدارات العامة على احترامها.

وفيما يكون للإعلام طبعا دورُ أساسيّ في الكشف عن الفساد والمخالفات على أنواعها، فإن هذه الاتهامات غالبا ما تتحول إلى ضوضاء بغياب تحقيقات رصينة وجديّة بحضور الأشخاص المشتبه بهم، وهي تحقيقات يبقى القضاء حتى هذه اللحظة المرجع الوحيد لإجرائها.

وعليه، فإن أي حديث عن مكافحة الفساد أو حماية البيئة من دون إرفاقه بتعزيز ضمانات استقلال القضاء يكون بمثابة ذر رماد في العيون.

7- أن استقلال القضاء شرط لتعزيز العيش المشترك وتطوير الحياة المدنية والديمقراطية بمنأى عن الاستقطابات

يشكل استقلال القضاء ضمانة لكل مواطن، قوامها أنّ حقوقه وحريّاته مُصانة أيّا يكن انتماؤه الطائفي أو ارتباطاته أو آراؤه السياسية. بهذا المعنى، يشعر المواطن أن بإمكانه أن يطمئن إلى العيش المشترك والحياة العامة، من دون أن يكون مضطرّا للتحزّب أو التزلّم أو طلب الحماية من أحد. ومن شأن هذا الأمر أن يعزز الحياة المدنية وأن يخفف من حدة الاستقطابات وتاليا الانقسامات الطائفية. على نقيض ذلك، يشكل استمرار نظام الحمايات وصرف النفوذ أداة فعالة في تعزيز الاستقطابات في مختلف أشكالها.
 

3 أسباب تبرر الالتفاف الشعبي حول القضاء

الأسباب هنا لا تتصل بالفوائد التي قد تنجم عن احترام الحقوق المالية للقضاة أو عن استقلاليتهم، إنما بالدرجة الأولى بالفوائد التي قد تنتج عن ملاقاة القوى الاجتماعية لدعوة القضاة بدعم معركة الاستقلالية. وتاليا، هي تتصل ب "كيف ندعم القضاة؟" أكثر مما تتصل ب "لماذا ندعم القضاة؟"

8 - تأمين حضن اجتماعي حامٍ لاستقلال القضاء:

من المهم طبعا أن يطالب القضاة باستقلاليتهم وأن يتوحّدوا للقيام بذلك. لكن حظوظ النجاح في المعركة تكون أقوى بقدر ما تلقى هذه المطالب دعما شعبيا. إلا أنه من البيّن أن السلطة السياسية تتحكّم بجميع موارد الدولة وامكاناتها، بحيث يكون التوازن بين هذه السلطة والسلطة القضائية متعذرا من دون نشوء التفاف شعبي حول هذه الأخيرة. بمعنى أن أحد الآمال القليلة في تطور الحياة العامة ربما يتشكل اليوم من تلاقي الشعب والقضاء، بما قد يولده من ديناميات، للحدّ من تعسف السلطة السياسية. فبقدر ما تدعم القوى الاجتماعية القضاء، بقدر ما تزداد ضمانات استقلال القضاة وقدرتهم على الدفاع عن المجتمع، مما يحث بدوره مزيدا من القوى الاجتماعية على بذل مزيد من الجهد لدعم لقضاء، وصولا إلى نشوء ثقافة حقيقية حول استقلال القضاء. فاستقلال القضاء لا يتحقّق فقط من خلال النصوص، إنما أيضا وبشكل خاص من خلال الضمانات الواقعية التي قد توفرها القوى الاجتماعية لضمان تفعيلها وتعزيزها. بهذا المعنى، تصبح القوى الاجتماعية بمثابة الحكم الذي بإمكان القضاء أن يلتجئ إليه كلما استشعر توغلا من السلطة السياسية على حقوقه.

9- تحفيز القضاة على التحرر كأفراد وكجسم

بعيدا عن التصورات التي تجعل القاضي قديسا أو بطلا، آن للقوى الاجتماعية أن تقارب القاضي بواقعية. فعدا بعض الشخصيات القضائية البارزة والتي تتميّز بحصانات داخلية هائلة، من الطبيعي أن يكتسب القاضي قدرة على التحرر كفرد أو كجماعة بقدر ما يستشعر الدعم الشعبي حوله. على نقيض ذلك، من شأن انكفاء المجتمع عن دعم القضاة إزاء ما قد يتعرضون له، أن يضعف مناعتهم وحصانتهم وأن يؤدي بالنتيجة إلى استتباعهم.

10- تحفيز القضاة على الاجتهاد والتفاعل الإيجابي مع القضايا الاجتماعية

أخيرا، يشكل التفاف المجتمع حول القضاء بمثابة تحفيز للقضاة على التفاعل الإيجابي مع القضايا الاجتماعية. فبقدر ما يستشعر القضاة رأيا عاما قادرا على التضامن معهم في مواجهة السلطة الحاكمة، بقدر ما يكونون قادرين على التفاعل إيجابيا مع القضايا الاجتماعية، بما فيها القضايا ذات الحساسية السياسية.


 

هذه هي الأسباب التي تدعونا إلى دعم الحراك القضائي. يبقى أن نجيب في حلقة ثانية على التساؤلات الاعتراضية التي قد تشكك من أهمية هذا الدعم في الظرف الراهن.


 


 


 


 


 

إجابات على 6 تساؤلات معترضة

مقابل الحجج المؤيدة المذكورة أعلاه، ثمة تساؤلات يرددها أكثر من مواطن أو إعلامي أو محام وجدنا ضرورة في الرد عليها في محاولة للإحاطة بهذه المسألة الشائكة. وقد أمكن حصر هذه التساؤلات بستة:

  1. إرادة القضاة بالاستقلال ومكافحة الفساد مشكوك بها

  2. حجم الفساد القضائي مرتفع جدا

  3. حجم ارتباط القضاة بالقوى السياسية مرتفع جدا

  4. استمرارية المرفق العام تمنع الإعتكاف

  5. نقابة المحامين تعارض الإعتكاف

  6. المجتمع يرزح حاليا تحت ثقل هموم اجتماعية كثيرة