في عددها رقم 59 الصادر في نيسان 2019 المخصص لعرض مجمل الأعمال والمستجدات القانونية والحقوقية خلال سنة 2018، نشرنا تعليقات على أبرز القوانين الصادرة خلال هذه السنة. ومن بين القوانين التي تناولناها في هذا السياق القانون التعديلي للاجراءات الضريبية في لبنان (المحرر).

 

في جلسته المنعقدة بتاريخ 12\11\2018 أقّر البرلمان اللبناني إقتراح القانون المعجل المكرر المقدم من النائب أيوب حميد في تاريخ الجلسة نفسه والمتعلق بإضافة بنود وتعديل بنود في عدد من مواد قانون الإجراءات الضريبية (أي القانون رقم 44 الصادر في 11\11\2008). وقد أخذ القانون رقم 106.

أتى هذا القانون من باب إستكمال الإجراءات التي إتخذها لبنان للإنصياع إلى المقتضيات الدولية في مجالات الشفافية الضريبية ومكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، في أواخر 2015 وأوائل 2016 من خلال رزمة القوانين المالية التي أقرها البرلمان اللبناني. وللتذكير، أقر المشرع بتاريخ 24/11/2015 كل من قانون التصريح عن نقل الأموال عبر الحدود رقم 42 وقانون تبادل المعلومات الضريبية رقم 43 (الذي ألغي بموجب القانون 55/2016) وقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 441، وفي 27/10/2016 القانون 60 الذي عدّل بعض مواد قانون الإجراءات الضريبية. وأدّت حينها هذه الإجراءات إلى انتقال لبنان إلى المرحلة الثانية من التقييم الذي يقوم به المنتدى الدولي للشفافية وتبادل المعلومات لأغراض ضريبية2، بعدما كان اعتبر غير مؤهل لذلك في العام 2012.

وبالفعل، تضمّنت الأسباب الموجبة للقانون 106/2018 أنّ المطلوب من لبنان في هذه المرحلة وتلافيّا لإدراجه على اللائحة السوداء للدول غير المتعاونة أن يشتمل نظامه الضريبي على أحكام ضريبية تتعلق بـ “صاحب الحق الإقتصادي (beneficial owner) لجهة تعريفه وكيفية تحديده وآلية الإشراف والمراقبة"، لاسيما وأنّ "صاحب الحق الإقتصادي قد لا يكون الشخص الذي يظهر للغير في قيود ومستندات المكلف".

وبالفعل أتى القانون المقرّ مؤخراً ليعدّل قانون الإجراءات الضريبية معرفاً صاحب الحق الاقتصادي ك كـ "كل شخص طبيعي، أيا تكن إقامته، يملك أو يسيطر فعلياً، في المحصلة النهائية (Ultimately) بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على نشاط يمارسه أي شخص طبيعي أو معنوي آخر على الأراضي اللبنانية". كما كرّس القانون إدراج "أصحاب الحقوق الاقتصادية" كأحد المضامين التي على المكلّف تقديم المعلومات بشأنها.

وإن كانت جميع فقرات القانون 106 تتعلّق بتعديلات تتناول مباشرة مفهوم "أصحاب الحقوق الاقتصادية"، إلا أنه من المستغرب جداً أن الفقرة الثانية منه أتت في سياق مختلف تماماً وعمدت إلى تعديل الفقرة 1 من المادة 23 من قانون الإجراءات الضريبية. وبمقارنة النص القديم بالنص المعدّل، يظهر للقارئ أنه تمّ حذف عبارة "استثناء الأشخاص الخاضعين لسرية المهنة" من الأشخاص الخاضعين لموجب التعاون مع السلطات الضريبية وإعطائها المعلومات التي تطلبها للقيام بمهامها3.

وبالعودة إلى السياق الذي تم فيه تمرير القانون، نلحظ أنه تمّ، تحت غطاء إدخال مفهوم "أصحاب الحقوق الاقتصادية"، إلغاء السرّية المهنية، وذلك بخلاف ما اتجه إليه القانون 60/2016. وهنا تقتضي الإشارة إلى أن حماية السرية المهنية كانت السبب وراء تأخير إقرار القانون 60/2016، الذي عُرف بقانون تحديد مفهوم الإقامة في لبنان، والذي كان مطروحاً مع رزمة القوانين المالية في أواخر 2015، بضغط من نقابة المحامين.

فللتذكير، كان مشروع القانون الذي أصبح القانون رقم 60/2016 قد أتى في إطار تعزيز الشفافية المالية، والاستجابة لمقتضيات منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD. وبموجب هذه المقتضيات، برز اتجاهان: الأول، تعديل قانون التجارة وإلغاء "السندات لحامله"4، والثاني، تعديل قانون الإجراءات الضريبية لتعزيز إمكانية وزارة المالية من تتبّع هوية أصحاب هذه الأسهم وعمليات التفرّغ عنها عبر إنشاء سجل لهذه الأسهم. وقد جرت استشارة نقابة المحامين في بيروت بشأن المشروع الذي أصبح القانون رقم 60/2016 المطروح آنذاك، وقد أتى موقفها حذراً لجهة توسيع سلطة وزارة المالية الاستنسابية دون وضع قيود لها ومنحها امكانية الدخول إلى سجلات الشركات التجارية من جهة أولى، وضرب السرية المهنية من جهة ثانية.

وكان مطروحاً آنذاك الإبقاء على السرية المصرفية كقيد لسلطة وزارة المالية، وإلغاء السرية المهنية في هذا السياق. وتمّ التلويح عندها في لجنة المال والموازنة إلى ضرورة إقرار الإقتراح كما هو بأسرع وقت تحت طائلة وضع لبنان على لائحة الدول غير المتعاونة (أو "الجنات الضريبية"). وبالفعل حوّل مشروع القانون (الذي أصبح القانون رقم 60/2016) حينها إلى الهيئة العامة دون ذكر السرّية المهنية. ووضعت نقابة المحامين تقريراً – أعدّه كل من المحاميين كريم ضاهر وأنطوان شنيعي والدكتور عادل رحّال - أرفق بمشروع القانون، ينبه أولاً من خطورة عدم إدراج السرية المهنية، ويقترح ثانياً تطوير معيار "الإقامة" في قانون الإجراءات الضريبية لتعزيز السيادة الضريبية. وأدى هذا التقرير إلى إسقاط مشروع القانون الذي كان الوحيد الذي لم يقرّ مع رزمة القوانين المالية المطروحة والتي تم إقرارها بتاريخ 24/11/2015، وإعادته إلى لجنة الإدارة والعدل لإعادة درسه.

وبالفعل، أدّت إعادة درس مشروع القانون إلى تبني القانون رقم 60 الذي عدّل قانون الإجراءات الضريبة مدخلاً مفهوم "الإقامة" ومحدّداً إياه5، ومعدّلا6 البند 1 من المادة 23 من قانون الإجراءات الضريبية ليكرّس موجب التعاون مع السلطات الضريبية واضعاً الضوابط لهذا الموجب، على الشكل الآتي: "مع مراعاة أحكام القانون رقم 3 تاريخ 3/9/1956 المتعلق بالسرية المصرفية، على كل شخص، باستثناء الأشخاص الخاضعين لسرية المهنة بموجب قانون، بما فيه إدارات الدولة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات كافة وكذلك الهيئات المختلفة في القطاع الخاص والنقابات، التعاون مع السلطات الضريبية وإعطائها المعلومات التي تطلبها للقيام بمهامها (...)".

وما يعزز الشعور بأنه تمت عملية "تهريب" لإلغاء السرية المهنية من القانون 106/2018، عدم دعوة نقابة المحامين أو أية جهة أخرى لإبداء رأيها في نص القانون المذكور في شقه المتعلق بعدم مراعاة السرية المهنية. وبالنتيجة، يخشى أن تكون وزارة المالية قد منحت صلاحيات واسعة تخول مراقبي الضرائب الدخول إلى مكاتب المحامين والطلب إليهم بتزويدهم بالمعلومات التي تكون بحوزتهم، مع كل ما يستتبع ذلك من تأثير على عملهم وعلى الثقة الممنوحة لهم من زبائنهم. وما يزيد الأمر خطورة، هو عدم ترافق توسيع صلاحيات مراقبي الضرائب على هذا الشكل مع تشريعات تحيط بأخلاقياتهم وتضع قواعد محاسبة واضحة لهم. وتجدر الإشارة في السياق نفسه أن قانون الإجراءات الضريبية بات فاقداً لاتساقه، إذ لم تحذف السرية المهنية من المادة 37 منه.

وللتذكير، فإن تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب7 (الذي أقرّ مع رزمة القوانين المالية في 24/11/2015) الذي كان بدوره قد وسّع دائرة الملزمين بالتعاون مع هيئة التحقيق الخاصة في هذا الشأن، شاملاً المحامين، كان تضمّن بنداً ينص على: "تُحدد أصول تطبيق هذه الموجبات (الاحتراز والإبلاغ) بموجب آلية تضعها نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس تأخذ بعين الاعتبار خصوصية مهنة المحاماة وأنظمتها" (المادة 5 والمادة 7)، يحمّل تاليّا النقابتين مسؤولية وضع الضوابط لمنع تحوّل قانون مكافحة تبييض الأموال، إلى قانون يستبيح مهنة المحامي واستقلاليته.

وكانت "المفكرة" قد دعت8 حينها إلى الإستفادة على هذا الصعيد من التجربة الفرنسية التي عمدت إلى وضع ضوابط واضحة لموجبات المحامي تتماشى والسرية المهنية. ففي فرنسا، أدخل موجب الابلاغ على عاتق بعض أصحاب المهن الحرّة، ومنهم المحامين في المادة L. 561-3 من قانون النقد والمعاملات المادية، ووُضعت ضوابط واضحة له. فمن جهة أولى، تعفي المادة المذكورة في الفقرة (II) منها من نطاقه المحامي خلال قيامه بمهمة ترتبط بإجراء قضائي وأيضاً عند تقديمه استشارة قانونية، إلاّ إذا كان الهدف من هذه الأخيرة القيام بعملية تبييض أموال أو تمويل إرهابي. فإذا يقتصر موجب المحامي على الإبلاغ عن عملية مشبوهة في الحالة التي ينظّم فيها صكوكها. ويظلّ موجب التزام المحامي بسرّ المهنة مطلقاً في ما خص حقوق الدفاع في الاجراءات القضائية، وخلال تقديم الاستشارة القانونية. وعلى الرغم من تحديد هذا الموجب بشكل ضيق، تلقّفه المحامون الفرنسيون بشكل سلبي جداً9.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى موقف "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" من المساس بالسرية المهنية إثر توجّه أحد المحامين إليها. وقد أشار في الدعوى أن موجب الإبلاغ الملقى على عاتقهم يعتبر خرقاً لمبدأ احترام الخصوصية (المادة 8 من الشرعة)، ومن ضمنها خصوصية المراسلات، والذي ينطبق بشكل خاص عليهم بسبب أهمية سرّ المهنة، وحقوق الدفاع. وأضاف في الدعوى المذكورة أن موجب الإبلاغ يُعتبر خرقاً للمحاكمة العادلة (المادة 6 من الشرعة) إذ أنه يفضي بالمحامي إلى إفشاء تفاصيل تتعلق بالمتهّم مما قد يؤدي إلى إفراغ حق هذا الأخير بعدم تجريم نفسه10. وأبدى المستدعي الخشية من أن يتحوّل المحامي إلى مساعد لسلطات التحقيق، مما يقضي على علاقة الثقة بينه وبين الموكل11. واعتبرت المحكمة أن موجب الإبلاغ وإن كان فعلاً يشكل خرقاً لمبدأ احترام الخصوصية، إلا أنه شرعي لوجود أسباب مشروعة له – حماية النظام ومكافحة الجريمة –، ولتماشيه مع مبدأ الضرورة – أي تناسب الخرق مع الهدف المشروع من ورائه. وكان مجلس شورى الدولة الفرنسي قد ذهب في الإتجاه نفسه12.

بمعنى آخر، فإن الضوابط الموضوعة13 لموجب الإبلاغ هي جوهرية في جعله متماشياً مع حقوق الإنسان، تحديداً الحق باحترام الخصوصية وحقوق الدفاع. وهذه الضوابط هي:

  • نطاق الموجب المحدد الذي لا يمس جوهر مهمة المحامي،

  • وعدم مخابرة المحامي السلطات مباشرةً بل وجوب المرور بنقيب المحامين، باعتباره خاضعأً لنفس الموجبات المهنية ومنتخباً من قبل المحامين للسهر على احترام هذه الموجبات.

من هنا، وإن نظرنا إلى إبقاء السرية المهنية مطلقة في ما خص حقوق الدفاع، حتى في الحالة التي وضع فيها بشكل صريح موجب إبلاغ على عاتق المحامي، تتجلّى خطورة إلغاء السرية المهنية كأحد ضوابط موجب التعاون في قانون الإجراءات الضريبية.

وبالنظر إلى الخطورة هذه، يبدو مستغرباً جداً الصمت المطبق الذي حافظت عليه كل من نقابتي المحامين في بيروت والشمال تجاه التعديل القانوني هذا.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 لمن القانون في لبنان؟

1 ميريم مهنا، تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال: أين قرينة البرائة؟، المفكرة القانونية العدد 33، ص.4-5.

2 وهي مثابة المرجعية الدولية لوضع معايير الشفافية الضريبية.

3 تم كذلك إلغاء البند المتعلّق بالأسهم لحامله (أي تعديل المادة 32 من القانون 44/2008)

4 وتجدر الإشارة إلى أن القانون 47/2015 عمد إلى تعديل المادة ٢٦ من قانون التجارة مضيفاً إلى البيانات اللازمة بغية تسجيل شركة في السجل التجاري: اسم وشهرة كل من المساهمين في الشركة.

5 المادة 1 من القانون 60/2016

6 المادة 2 من القانون 60/2016

7 رقم 44 تاريخ 24/11/2015 الذي عدّل القانون رقم 318/2001

8 ميريم مهنا، تعديل قانون مكافحة تبييض الأموال، المرجع المذكور أعلاه.

9 Cette obligation apparait « en rupture totale avec les droits du citoyen dans sa liberté d'accès au droit, dans son droit de se confier à un avocat sans crainte d'être dénoncé, l'exigence du secret professionnel, l'indépendance et le devoir de conscience de l'avocat » (Conseil National des Barreaux, rapport présenté par M. Beaussier, Gaz. Pal. 2004, doctr. p. 2974).

10 فقرة 64 من الحكم.

11 في هذا الاتجاه أيضاً، مطالعة معهد المحامين الأوروبيين لحقوق الانسان، فقرة 86 من الحكم.

12 اعتبر المجلس (CE, 10 avril 2008, n° 296845.) أن موجب الابلاغ، وفي ظل اعفاء المحامي منه خلال قيامه بمهمة مرتبطة بحق الدفاع أو خلال اعطاء استشارة قانونية، يشكّل بالنسبة لمبدأ الخصوصية خرقاً متناسباً مع هدف مكافحة الجريمة.

13 الفقرات 127 و128 من الحكم