خلال الأشهر الأخيرة، بات التوقيف الاحتياطي من أبرز المسائل التي تطغو على النقاش العام في لبنان. وبعد إعلان قضاة لبنان أن اعتكافهم المحق قد يطال قضايا الموقوفين أيضاً، أصبح السؤال حول مدى احترام القضاء اللبناني للحرية الشخصية ولمبدأ استثنائية التوقيف الاحتياطي أكثر الحاحاً. وفي هذه الظروف، تنشر "المفكرة القانونية" دراسة أعدتها في العام 2018 حول التوقيف الاحتياطي في سعي منها للمساهمة في عقلنة النقاش حوله.

مؤخراً، أدّى التوقيف الاحتياطي في قضايا المخدرات إلى مقتل المخلص الجمركي حسان الضيقة بسبب التعذيب وفقاً لأهله أو بسبب تفاقم وضعه الصحي وفقاً للرواية الرسمية الحالية، وذلك في ظل تخوّف العديد من القضاة من إصدار قرارات لإنهاء التوقيف الاحتياطي في هذه القضايا بعدما أدّى هكذا قرار إلى فتح تحقيقات بما عرف ب "ملف الفساد القضائي". وفي قضايا الرأي، أصبح التوقيف الاحتياطي أداة لتكريس نظام المقامات بعد أن لجأ بعض القضاة الى توقيف العديد من منتقدي رموز السلطة، وآخرهم عدنان فرحات ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، استجابة لمطالب سياسية تحت ذريعة "تخفيف احتقان الشارع" الذي لا يتحمل انتقاد رموزه.

ورغم أن التوقيف الاحتياطي هو إجراء لا يجوز اللجوء إليه إلا استثنائياً وفي حالات الضرورة، استناداً إلى قرينة البراءة وإلى الموجب الدستوري بحماية الحرية الشخصية (المادة 8 من الدستور)، إلا أن هذه القضايا كما الأزمة الدائمة لاكتظاظ السجون تشير إلى عكس ذلك. يبلغ حالياً عدد النزلاء في سجون الأمن الداخلي 6913 شخصاً في سجون تصلح لاستقبال ما يقارب 4800 سجينا كحد أقصى. وفي حزيران 2018، تجاوز عدد الموقوفين احتياطياً 48% من مجموع هؤلاء، علماً أن هذه النسبة هي في الحقيقة أعلى بكثير كون أرقام مديرية السجون في وزارة العدل تقتصر على الموقوفين في السجون ولا تشمل الموقوفين في المخافر ومراكز التوقيف الأخرى التابعة لقوى الأمن الداخلي أو الأجهزة الأمنية والعسكرية الأخرى، والذين تُقدّر أعدادهم بالآلاف.

أمام هذا الواقع وهذه التساؤلات، تبحث "المفكرة" في كيفية استخدام القضاء اللبناني للتوقيف الاحتياطي. وتمثلت الخطوة الأولى بدراسة لاستخدام التوقيف الاحتياطي في قضايا الجنح في بيروت وبعبدا. تركّز الدراسة بشكل خاص على التوقيف الاحتياطي لأجل قصير لا يتجاوز الشهر، علماً أن أكثر من ثلث الموقوفين احتياطياً في لبنان في السنوات الأخيرة، احتجزوا لمدة شهر تقريباً أو أقل. وفي حين قد يرى البعض أن ليس لهذا التوقيف أهمية بالغة نظراً لقصر أجله، فإن آثاره على ذوي الدخل المحدود تتجاوز فقدان الحرية لمدة قصيرة لتصل غالباً إلى فقدان المسكن والعمل والرزق.

وأهمّ ما يخرج من هذه الدراسة هو مخالفة القضاء لأصول المحاكمات الجزائية بشكل صارخ على نحو يبرز استخفافاً في قدسية الحرية الشخصية. ومن أهم هذه المخالفات: مخالفة القواعد المتعلّقة بالمهل الزمنية وبآماد التوقيف القصوى حيث غالباً ما يتجاوز القضاة المهل المنصوص عليها في القانون، ومخالفة موجب تعليل مذكرات التوقيف من أجل التثبت من ضرورته. فالقضاة يوقفون المدعى عليهم لآماد تتجاوز القانون ودون تحديد السبب من التوقيف. كما تبيّن أن التوقيف الاحتياطي يستخدم كعقوبة مسبقة خلافاً لمبدأ قرينة البراءة، وهو ما حملنا على عنونة الدراسة: "التوقيف الاحتياطي في لبنان: عقوبة مسبقة أم إجراء ضروري؟"

قد تكون خلاصات هذه الدراسة معروفة للعديد من العاملين في مجال العدالة الجزائية، خاصة المحامين الذين يكافحون لضمان حرية موكليهم. إلا أن هذه الدراسة تهدف إلى تقديم دليل علمي (وتقني) يوثّق المخالفات القانونية، خاصة في ظل غياب الدراسات الرسمية وضعف الإرادة القضائية في رسم سياسات واضحة تحمي الحرية الشخصية.

 

للاطلاع على الفيديو: التوقيف الاحتياطي في لبنان

للاطلاع على الدراسة باللغة العربية: 

التوقيف الاحتياطي في لبنان: عقوبة مسبقة أم إجراء ضروري؟

للطلاع على الدراسة باللغة الإنكليزية:

Pre-Trial Detention in Lebanon: Punishment Prior to Conviction or a Necessary Measure?