في تونس، كما في عدد من الدول العربية، غالبا ما تتحول بداية شهر رمضان إلى مناسبة يتجدد خلالها الجدل بشأن فتح المقاهي والمطاعم أبوابها في ساعات النهار والذي يتسبب، وفق البعض، باستفزاز مشاعر المسلمين. في تونس، تصدّت بعض الجمعيات والمنظمات الحقوقية، خصوصا تلك المعنية بالحريات الفردية، لتلك الممارسات من خلال حراكات مطلبية وبيانات رسمية تطالب الحكومة والأحزاب الحاكمة بتنحية المنشور الصادر سنة 1981 والذي ينص على غلق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان. فقد شهد رمضان 2018 مثلا تأييدا كبيرا لحملة "مش بالسيف" (ليس بالقوة) التي تحول اسمها إلى هاشتاغ تداوله رواد فيسبوك بشكل واسع.

هذه السنة، وقبل بداية الشهر الفضيل بقرابة اليومين، سارعت جمعيات ومنظمات الائتلاف المدني للحريات الفردية في 3 ماي 2019 بتوجيه رسالة مفتوحة إلى السلطات الثلاث، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المجلس النيابي، للمطالبة أولا بوقف الأعمال وفق منشور 1981 وتنحيته فورا.

في الواقع، يضع فصل 49 من دستور تونس 2014 والذي ينص على "حماية الحقوق والحريات من أي انتهاك" وفصل 102 الذي يضمن "علوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات"، الدولة أمام مسؤوليتها التى تقتضي "التخلي عن أي إجراءات قانونية تتعارض مع الدستور". هذا ما أشارت إليه الرسالة التي حملت توقيع ست عشرة جمعية محلية ودولية منهم الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية والشبكة الأورو-متوسطية للحقوق.

من جهتها، عبرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في بيان لها صدر في 23 ماي 2019 عن انشغالها إزاء تواتر انتهاكات الحريات الفردية من قبل السلطات العمومية. كما أشارت إلى خطورة التهديدات الأمنية التي وصلت حدّ إشهار أحد عناصر الأمن سلاحه للتعريف بصفته في مقهى بمدينة صفاقس، بعدما دخله في وقت الصيام. وقد انتقدت النقابة موقف الناطق الرسميّ في وزارة الداخلية الذي برر تلك الواقعة بأن سلاح رجل الأمن هو شكل من أشكال هويته. وقد وقّع على بيان نقابة الصحفيين العديد من الجمعيات التونسية، منها جمعية النساء التونسيات للبحث حول التنمية وجمعية بيتي. كما أن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بصدد تجميع التوقيعات من المتضامنين من المجتمع المدني لإصدار بيانه الاستنكاري الرافض لجميع مظاهر تلك التعديات.

بين عبارتي "الإسلام دينها" الواردة في الفصل الأول من دستور تونس 2014 و"تونس دولة مدنية" الواردة في الفصل الثاني منه، ضاعت وتضيع الكثير من حريات وحقوق المواطنين في ظل عودة الأساليب القمعية للأجهزة الأمنية وغياب ممنهج لتوافق سياسي يحل أزمة تشكيل محكمة دستورية تعيد ترصيص مفاهيم هذا الدستور الذي جعلته البراغماتية السياسية رخواً وحمّالا للعديد من التأويلات الممكنة حد التناقض.