فيما تنهمك الحكومة في مناقشة الموازنة رغم مرور قرابة نصف عام على بدء السنة المالية، استلمت جهة رسمية جديدة مسؤولية تحديد سياسات الدولة للبنانية تجاه المواطنين واللاجئين السوريين، هي مجلس الدفاع الأعلى. هذا المجلس الذي يضم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وعدداً صغيراً من الوزراء (دفاع، خارجية، مالية، داخلية واقتصاد) يشبه الحكومة المصغرة ويهدف إلى تنفيذ "السياسة الدفاعية" للبلاد. لكنه قرر الآن التصدي لتوطين السوريين في لبنان، وذلك من خلال شن حرب على أضعف الضعفاء الذين يجب وفق هذا المجلس الدفاع عن لبنان بوجههم.

بالفعل، في جلسته المعقودة بتاريخ 15/4/2019، اتخذ المجلس عدداً من القرارات المتعلقة بالمواطنين السوريين التي اتّسمت بالسرية كما هي حال قرارات هذا المجلس، على عكس قرارات الحكومة. وقد برز إثنان منها لغاية اليوم: الأوّل، قرار بهدم الأسقف الإسمنتية التي تأوي اللاجئين في المخيمات، وقد أُمهل هؤلاء لغاية 10 حزيران لتنفيذ القرار أو يقوم الجيش بهدم هذه الأسقف. وكان الجيش قد سبق وهدم العديد من الخيم في مخيم الياسمين في منطقة بر الباس (البقاع) بتاريخ 24/4/2019 من دون أي انذار مسبق. والثاني، ترحيل المواطنين السوريين الداخلين إلى لبنان دون المرور بالمعابر الرسمية.

لم ينشر هذا القرار الأخير ولم يبلّغ لأحد ولم تعرف أسبابه أو بنوده، لا سيما فيما يتعلق بشروط وآليات الترحيل. بعض التسريبات الإعلامية أشارت إلى أن الهدف منه هو التصدي لحالات اللاجئين المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة الشؤون الذين يعبرون من وإلى سوريا غبر المعابر الرسمية السورية، من دون المرور عبر المعابر الرسمية اللبنانية، بهدف المحافظة على صفة اللجوء في لبنان. إلا أن البيانات الإعلامية والأمنية تؤشر إلى أن أن تطبيق آلية الترحيل هذه لا يقتصر على هذه الحالات إنما يمتد ليشمل مجمل المواطنين السوريين الذين دخلوا لبنان خلسة، من دون التحقق بشأن التهديدات المحتملة لحياتهم وحريتهم في حال إعادتهم إلى سوريا. ففي 24/5/2019، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام أنه قد تم ترحيل 301 مواطناً سورياً منذ 7/5/2019 تنفيذا لهذا القرار، وذلك من قبل الجيش (197 شخصاً) والأمن الداخلي (100 شخص) والأمن العام (4 اشخاص) دون أي إيضاحات إضافية. كما تبيّن أن المديرية العامة للأمن العام قد أصدرت قراراً يقضي بترحيل جميع المواطنين السوريين الذين دخلوا إلى لبنان دون المرور بمراكزها بعد تاريخ 24/4/2019، وذلك بناء على إشارة من النيابة العامة دون إحالتهم إلى المحاكمة. ولم يشر قرار الأمن العام إلى تطبيق هذا القرار حصرا على الخارجين من سوريا بشكل رسمي، مما يؤكد أن الترحيل يتناول جميع الداخلين إلى لبنان دون المرور بالمعابر الرسمية من دون أي استثناء، والأهم من دون أي تحقيق قضائي للتثبت من عدم تعرضهم لأي خطر على حياتهم وحريتهم في سوريا.

وأخطر ما تبيّن من هذا القرار هو أنه – وعلى عكس السياسة والممارسات السابقة – يقضي بترحيل المواطنين السوريين جماعياً وتسليمهم مباشرة إلى السلطات السورية حيث يحتمل أن يتعرضوا للخطر وفق أي مراقب موضوعي. وهي المرة الأولى التي تقوم السلطات اللبنانية بهذه الخطوة بعدما كان لبنان التزم بعدم ترحيل السوريين منذ العام 2012. وقد التزم الأمن العام بعدم التسليم حتى في حالات ترحيل المواطنين السوريين من مطار بيروت حيث اكتفى بنقلهم إلى الحدود اللبنانية-السورية، تاركاً لهم الخيار إما بالدخول إلى سوريا (إذا لم يكن هناك من خوف عليهم) أو الدخول إلى لبنان خلسة (في حال وجود خطر عليهم). وقد تكون الدولة اللبنانية أول دولة في العالم تستأنف عمليات الترحيل إلى سوريا رغم علمها بانتهاك السلطات السائدة هنالك لحقوق مواطنيها بشكل واسع وممنهج.

 

وانطلاقاً من ذلك، يهم المفكرة القانونية إبداء الملاحظات التالية على هذا القرار:

1- أن قرار مجلس الدفاع الأعلى يستند على اعتبارات خاطئة لدى السلطات اللبنانية ومفادها بأنه لم يعد هناك من سبب للجوء السوريين إلى لبنان وان أسباب الخوف من قمع السلطات السورية لم تعد قائمة بشكل عام، وذلك خلافاً للعديد من التقارير التي تثبت عكس ذلك. والأخطر أن هذه الاعتبارات لا تستند إلى أي أدلة أو معطيات موضوعية أو علمية عن الأوضاع في سوريا. والواقع أنه، وإن كانت أسباب اللجوء لم تعد عامة لتشمل جميع المواطنين السوريين كما كانت في السابق، فهي لا تزال قائمة بالنسبة للعديد منهم لا سيما بالنسبة للمواطنين القادمين من بعض المناطق السورية غير المستقرة أمنياً والشباب الرافضين الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية والمعارضين السياسيين والأشخاص المعرّضين للاحتجاز (والتعذيب المستشري) في السجون السورية، والذين يتوجب على الدولة اللبنانية حمايتهم.

 

2- أن القرار يتجاهل أن لبنان يفرض على المواطنين السوريين شروط دخول إلى لبنان مخالفة للقانون وللأحكام القضائية: فحتى اللحظة، لم تنفذ الحكومة ولا المديرية العامة للأمن العام الحكم القضائي الصادر عن مجلس شورى الدولة الذي أبطل شروط دخول وإقامة السوريين الصادرة في بداية العام 2015 وأعلن أنها غير قانونية لصدورها عن سلطة غير مختصة (قرار مجلس شورى الدولة رقم 421/2017-2018 تاريخ 8/2/2018)، علماً أن وزارة الداخلية قد أبلغت بهذا القرار القضائي منذ 4/6/2018. وبما أن المواطنين السوريين يدخلون إلى لبنان عبر المعابر غير الرسمية بسبب فرض شروط دخول وإقامة تعجيزية عليهم، فان من يخالف القانون ليس اللاجئ الذي يدخل إلى لبنان من دون المرور بمراكز الأمن العام، بل الدولة اللبنانية التي تفرض شروط دخول غير قانونية وتنفذ قرارات الترحيل خلافاً للأصول.

 

3- إن مجلس الدفاع الأعلى ليس لديه صلاحية اتخاذ قرار بترحيل الأجانب من لبنان، كما أن هذه الصلاحية لا تعود إلى الأجهزة الأمنية كالجيش والأمن الداخلي الذين نفذوا أكبر عدد من عمليات الترحيل لغاية اليوم. فالقانون اللبناني يحصر قرارات الترحيل بحق الأجانب الذين دخلوا خلسة بالقضاء الجزائي بعد حصول الأجنبي على محاكمة عادلة يتسنى له خلالها تقديم الدفاع المناسب ضد عقوبة الترحيل (المادة 32 من قانون الأجانب الصادر في 10/7/1962). كما نص القانون على صلاحية المدير العام للأمن العام بإصدار قرارات بترحيل الأجانب في حالات استثنائية حيث يشكل الأجنبي خطراً على السلامة والأمن العام (المادة 17 من قانون الأجانب). ولا يمكن أن ينطبق هذا النص بشكل جماعي على مجموعة من الأجانب لمجرد مخالفتهم أنظمة الدخول (غير القانونية أصلاً)، كون هذا الخطر يحدد بشكل فردي ويستوجب رقابة وزير الداخلية. وهذا الشرط الجوهري (رقابة وزير الداخلية) كان قد أدخل إلى القانون الصادر في 10/7/1962 بناء لاعتراضات العديد من النوّاب على إعطاء صلاحية الإخراج إلى مدير عام الأمن العام من دون أن يخضع هذا القرار إلى رقابة وزير الداخلية الذي يخضع بدوره إلى الرقابة السياسة من قبل مجلس النوّاب. وقد أكّدت اجتهادات مجلس شورى الدولة ضرورة توّفر هذا الشرط الجوهري من أجل صحة القرار الإداري بالترحيل الصادر عن المديرية العامة للأمن العام.

 

4- إن أي قرار ترحيل يستوجب منح المواطن السوري فرصة للدفاع عن نفسه: إن السلطات اللبنانية كافة ملزمة قانوناً بموجب عدم ترحيل أي مواطن سوري قسراً، وذلك استناداً إلى الدستور اللبناني ومبدأ عدم الإعادة القسرية والمادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي انضم إليها لبنان في العام 2000. وهذا المبدأ يفرض على الأقل منح أي مواطن سوري موضوع قرار ترحيل الوقت الكافي لتقديم الدفاع عن نفسه والاعتراض على قرار ترحيله وتوضيح أسباب عدم رغبته بالعودة الى سوريا ومراجعة القضاء أو البحث عن بلد آخر للانتقال اليه. وتالياً، إن أي قرار ترحيل ينفّذ من دون أن يمنح المواطن السوري فرصة للاعتراض عليه يشكل انتهاكاً صارخاً للحق الطبيعي بالدفاع وللدستور اللبناني الذي يكرّس حق اللجوء وموجب حماية أي أجنبي قد يتعرّض للاضطهاد في بلده.

 

واستناداً إلى هذه الملاحظات، وإذ تذكر "المفكرة القانونية" الحكومة اللبنانية ومختلف أجهزتها، أن كل الأحكام التي ترعى دخول وإقامة السوريين في لبنان اليوم هي أحكام غير قانونية بموجب قرار صادر عن المرجع القضائي الأعلى الذي هو مجلس شورى الدولة في قراره الصادر بتاريخ 8/2/2018، وأنه لا من مبرر لتجاوز الأصول القانونية فيما يتعلق بحياة المواطنين السوريين وحمايتهم من الترحيل القسري،

فإنها تطلب من الحكومة اللبنانية:

  • المبادرة فورا إلى تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة، ضمانا للشرعية والانتظام العام في لبنان، حيث أن عدم تنفيذ الأحكام القانونية والقضائية هو الخطر الأكبر الذي يتهدد لبنان ويقتضي أن تتوفر الإرادات للتصدي له قبل أي أمر آخر، وبالتالي الإعلان عن بطلان الإجراءات الصادرة عن الأمن العام بخصوص شروط دخول المواطنين السوريين وإقامتهم في لبنان،

  • تحمل المسؤولية في وضع سياسة عامة ترعى هذا الشأن بما يتوافق مع الدستور اللبناني والتزامات لبنان الإنسانية والدولية،

  • إعطاء التعليمات اللازمة للمديرية العامة للأمن العام ومجلس الدفاع الأعلى بالتقيد بصلاحياتها من دون تجاوز.

 

كما تطلب من النيابات العامة كافة الامتناع عن تنفيذ عقوبة الترحيل قبل إحالة المواطنين السوريين الى قضاء الحكم ومنحهم الحق بالمحاكمة العادلة.