ألقيت هذه الكلمة في نقابة الصحافة في إطار الندوة التي نظمها نادي قضاة لبنان بتاريخ 31 أيار 2019 نيابة عن نادي قضاة لبنان.


 

نعتذر من الشعب اللبناني الذي نحكم باسمه، لأن بعضنا لم يقم بملاحقة فاسدي هذا الوطن،

نعتذر لأن بعضنا لم يقطع دابر الهدر الفاضح في الدولة،

نعتذر لأن بعضنا استقوى بالغير ولم يستقوِ إلا على الضعيف،

نعتذر لأن لبعضنا حسابات شخصية ومساومات تعيق ارتقاء القضاء إلى حيث يجب،

نعتذر لأننا لم نستطع العمل على استرداد بعض من حقوقنا إلا بالاعتكافات،

نعتذر لأننا لم نحاسب أنفسنا كفاية،

نعتذر لأننا لم ننتزع بعد استقلاليتنا الكاملة،

نعتذر لكل ذلك ونعتذر بعد وأكثر...

لكن...

يبقي القضاء، رغم كل الصعوبات والتحديات، ركيزة أساسية للوطن بفضل الشرفاء الكثر فيه الذين هندسوا ويهندسون تصرفاتهم بشكل يتناسب وعنفوان عملهم، بفضل الذين يؤمنون برفعة ورقي مهامهم.

هذه المهام المضنية المتتابعة والمتواصلة ليلاً نهارا" وكل أيام الأسبوع والتي تتطلب جهوداً فكرية وجسدية كبيرة وحسا ً عاليا ً بالعدالة والمسؤولية، يقوم بها غالبية قضاة لبنان بكل فخر واعتزاز، في ظل ظروف وبيئة غير حاضنة لهم في معظمها، فقصور العدل لا تمت للقصور بشيء اذ ان الحد الأدنى من التجهيزات والبنى التحتية غير متوافر في معظمها، ناهيك عن انتداب القضاة الى غير محكمة في الوقت عينه.

ولتحصين استقلالية القاضي النابعة أساسا" من رحم اخلاقه وعنفوانه قبل ان تعزز باي نص، لا بد أيضا" من تحصين استقلالية السلطة القضائية ككل عبر تمكين القضاة من انتخاب مجالسهم وصدور المناقلات القضائية عن هذه المجالس دون أي تدخل للسلطة السياسية، كما وجوب اعتماد معايير موضوعية علنية لهذه التشكيلات مبنية على العلم والكفاءة والنزاهة والصلابة والأقدمية فقط.

كما أكدت المواثيق الدولية كافة على أن ضمانات القاضي المالية هي معيار أساسي لاستقلاليته كونها تشكل أمنه الاجتماعي الذي يساهم في أداء دوره اصولا"، لذا كان نضال واعتكاف عام 1982 الذي شارك فيه الرئيس السابق منيف حمدان الى جانب قضاة كبار والذي أدى الى انشاء صندوق تعاضد القضاة.

إلا انه، فضلا" عن التعرض لاستقلالية السلطة القضائية في التشكيلات القضائية العديدة، لم يتردد السياسيون كل فترة بمحاولات تقويض عمل السلطة القضائية والمس بصفتها الدستورية المستقلة سواء عام 2017 عندما جرت محاولة توحيد التقديمات الاجتماعية لكل صناديق التعاضد بما فيها صندوق تعاضد القضاة وتسببت سلسلة الرتب والرواتب بخلل بين راتب الموظف العام الذي امسى اعلى من راتب القاضي، مما استوجب دعوة مجلس القضاء الأعلى القضاة الى الاعتكاف ثم رفع الدعوة بعد فترة لوجود تطمينات لم تتحقق، مما دفع القضاة في آذار 2018 وبالرغم من معارضة مجلس القضاء، الى الاعتكاف مجددا"، ما حال دون المس بصندوق تعاضد القضاة.

أن أهم ما رشح عن اعتكافي 2017 و 2018 هو أولا"، عريضة الاستقلالية الموقعة من 352 قاض مالي واداري وعدلي طالبوا فيها السلطة السياسية بإقرار قانون استقلالية السلطة القضائية بمهلة معقولة يقضي بانتخاب القضاة مجالسهم وحصر التشكيلات القضائية بهذه المجالس وثانيا"، نشوء نادي قضاة لبنان من رحم الحراك والقناعة والاحلام وثالثا"، كتاب رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم 54/2018 تاريخ 20/3/2018 المرسل إلى وزير العدل السابق إثر تحميل هذا الأخير الأول مسؤولية عدم ضبطه الوضع القضائي، إذ تضمن صراحة أن "لا رئيس مباشر أو غير مباشر للقاضي كي يخضع له أو كي ينفذ تعليماته أو أوامره وليس هنالك قيادة وريادة في القضاء لا قانونا" ولا واقعا" وليس هنالك فصل بين مجلس القضاء الأعلى والقضاة.."

للمفارقة، نستغرب صدور تعميم، اطاح بمسلمات هذا الكتاب التاريخي الذي ضاعف وقتها العنفوان في نبض القضاة الأحرار، يهدد القضاة بتحمل مسؤولية اعتكافهم ويطالبهم بالتوقيع على لائحة يحددون فيها موقفهم.

أما الآن ومجددا"، خفض مشروع الموازنة للعام الحالي 10٪ من مساهمة الدولة في صندوق تعاضد القضاة و5٪ من غرامات السير التي لا يحصلها الصندوق إلا من الأحكام القضائية وألغى كل الإعفاءات الممنوحة للقضاة على رسوم السير والتسجيل والاملاك المبنية وزاد ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وحتى على معاشات التقاعد وذلك فضلا" عن تعديلات قانونية عديدة قضمت من إيرادات الصندوق بطريقة أفرغته من مضمونه.

فلماذا اعتكف القضاة للمرة الثالثة على التوالي، مكرهين على ذلك؟

أن مشروع الموازنة بني على حملة تقشف طالت أصحاب الدخل المحدود من موظفي القطاع العام والعسكريين والقضاة،

بوقت لا يتحمل أبدا" هؤلاء العجز المخيف الذي وصلت إليه خزينة الدولة،

بوقت لم تطل حقوق ومخصصات السلطتين التشريعية والتنفيذية اللتين تتحملان وحدهما مسؤولية سياسات الوطن منذ سنوات طوال، أي تقشف يذكر،

وبوقت للوزراء والنواب موارد رزق خاصة بهم مستقلة عن مخصصاتهم العامة.

أن مشروع الموازنة لم يكافح الهدر مطلقا" ولم يضع حدا" للفساد المستشري في مفاصل الدولة كافة التي تعب اللبنانيون من ترداد مكامنها يوميا" وذلك بالرغم من رفع جميع الفرقاء السياسيين لواء معركة محاربة الفساد، فكانت المحاولة في إظهار لبنان بحلة بهية لجذب أموال سيدر، فأمست الدولة القاتل والقتيل.

أن مشروع الموازنة كما هو معروض، خالف تكرارا" أحكام المادة 5 من قانون القضاء العدلي الذي يفرض أخذ موافقة مجلس القضاء الأعلى قبل تشريع أي قانون يتعلق بالسلطة القضائية وأن ذلك يدل على مدى الاستهتار الفاضح للسلطة السياسية بالقضاء الذي استلزم كما كل مرة، مراجعات من هنا وهناك من قبل المعنيين بالشأن القضائي المعينين من السلطة التنفيذية للملمة الواقع المفروض عليهم، متسائلين عن مدى تبلغ مجلس القضاء الأعلى نسخة عن مشروع الموازنة النهائي..

أن مشروع الموازنة كما هو معروض يخالف أيضا" أحكام المادة 20 من الدستور التي تؤكد على أن القضاء سلطة مستقلة، طالما ان ضمانات القضاة المالية تشكل، وفقا" لاجتهاد المجلس الدستوري الثابت ورأي هيئة التشريع والاستشارات ودراسة البروفسور حسان رفعت لهذا الشهر، معيارا" لهذه الاستقلالية التي لا تستقيم من دونها ولا يمكن إقرار اية نصوص قانونية تعدل أخرى ضامنة للحقوق والحريات ما لم تكن تعادلها او تتفوق عليها فاعلية وضمانة.

أين نحن من دراسة ماكنزي التي تؤكد صراحة على وجوب ان تترافق عملية مكافحة الفساد مع إيجاد ضمانات اقتصادية وقانونية كافية للقضاة ولجذب الاستثمارات؟

أين نحن من شعارات مكافحة الفساد واستقلالية السلطة القضائية وبناء دولة القانون الحقيقية التي تقوم على ثوابت لا تتزعزع قوامها قضاء فاعل؟

أين نحن من الرؤية او السياسة الاقتصادية الحقيقية التي تؤسس لرفع الناتج المحلي بشكل علمي ومدروس، لا أن ترمي الى توفير ملياري ل.ل. سنويا" من الضمانات القضائية فتضرب بذلك المبادئ الدستورية وتزعزع استقلالية سلطة؟

أين نحن من حديث تشرشل المردد على كل المنابر والذي يختفي فجأة من المشهدية الملحمية للقضاء حين تطبق سياسات التقشف وحين يرفع القضاة صوتهم للقول انهم ليسوا بخير؟

أين دور نقابتي المحامين المبدئي والوطني والحقوقي المترفع والمتجرد في التصدي للفساد وفي مقاربة القضايا الوطنية واجتراح الحلول للأسباب الموجبة للاعتكاف والسعي الى تطبيقها؟

ألم تضرب نقابتا المحامين في غير مرة عن حضور الجلسات في بعض المحاكم، معطلتين العدالة لأسباب كان يمكن معالجتها من خلال آليات واضحة حددها القانون؟

وهنا لا بد من توجيه تحية الى المحامين الاحرار والصادقين الذين يعون أهمية رسالة المحاماة في الدفاع عن الحق ويؤمنون بدورهم الأساسي في معركة استقلالية السلطة القضائية وهم أنفسهم انتفضوا لحقوقهم واستجابوا لإعلان نقابتهم بالإضراب المفتوح عام ٢٠١٧ لدى تعرض مشروع الموازنة لحقوقهم.

ألم يكن الاعتكاف وسيلة اعتمدتها السلطتان التشريعية والتنفيذية منذ مدة غير بعيدة ولفترة طويلة جدا"؟

ألا تخف مرارة الاعتكاف متى كان الاعتكاف الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف وطنية سامية فتتجاور حسناته الوطنية اضراره الآنية؟

لماذا التعدي على السلطة القضائية بوقت لم تتجاوز موازنة وزارة العدل ٠،٤٧٪ من موازنة الدولة العامة وهي تؤمن ثاني او ثالث مدخول لها ولا يتجاوز عدد القضاة ٥٥٠ عن قاض!

أيها الحضور الكريم، هذه هي الأسباب الحقيقية لموقف القضاة وليست ابدا" امتناعهم عن التضحية لأجل الوطن كما يدعيه البعض وان كل ذلك لم يكن ليحصل لو كانت السلطة القضائية مستقلة حقيقة، لذلك نحن نرفع الصوت:

من أجل الوطن، لتكون احدى سلطاته الثلاث فاعلة وقادرة على القيام بدورها،

من أجل المواطن ليكون له قضاء يعطي كل ذي حق حقه ويتمكن من محاسبة كل فاسد كما يجب، فنستعيد ثقته المهمشة،

من أجل القضاة أنفسهم لكيلا نقوض شعور العدالة الذاتية لديهم.

لذلك كله يطالب القضاة جميعا"، كما ورد في بيانهم الاخير في 8/5/2019عقب جمعيتهم العمومية:

1-وضع مهلة زمنية معقولة من قبل السلطة التشريعية لإقرار قانون استقلالية السلطة القضائية.

2- الشروع بمكافحة الفساد فعلا" لا قولا" وإطلاق يد القضاء في ملاحقة الفاسدين من خلال الغاء النصوص المكرسة للحصانات ورفع السرية المصرفية وتولية من هم اهل للملاحقة وتوفير ضمانات عدم نقلهم.

3- استثناء القضاة من مشروع الموازنة الراهن بموجب نص صريح فيها ولجميع الجهات وابقاء الحال على ما هو عليه، تفعيلا" لنص المادة 20 من الدستور.

أيها الحضور الكريم، نجتمع اليوم في ظرف مفصلي ممارسين حقنا في التعبير، رافعين صوت الحق والحقيقة ونحن أربابهما، لوقف تشويه مطالبنا والحراك القضائي الذي يشكل نادي قضاة لبنان جزءا" منه وأن النادي لن يستكين قبل تحقيق مطلبه الأساسي منذ نشوئه، ألا وهو إقرار قانون استقلالية السلطة القضائية ،متمنين على كل الأخيار من السياسيين والمحامين والإعلاميين والجمعيات الحقوقية والمهتمين بالشأن العام دعم المطالب بصورة فعالة، كي ننزع عنا، نحن شعب لبنان، صبغة الإنسان الخامل الذي تكلم عنه العلامة عبدالله العلايلي وننتقل إلى الإنسان العامل، غير المحايد في الأمور الأساسية للوطن، علّ قصور العدل تمسي يوما" كأكاديمية أثينا القديمة، عصية على دخول السياسيين إليها، فيستوي الملك ويتوقف القضاء عن الاعتذار.

عاش لبنان وعاش القضاء مستقلا" فعلا" لا قولا"!
وشكرا" على حسن استماعكم.