في عددها رقم 59 الصادر في نيسان 2019 المخصص لعرض مجمل الأعمال والمستجدات القانونية والحقوقية خلال سنة 2018، نشرنا تعليقات على أبرز القوانين الصادرة خلال هذه السنة. ومن بين القوانين التي تناولناها في هذا السياق قانون حماية نوعية الهواء.
 

تسهم عوامل عدة في ارتفاع نسبة تلوث الهواء في لبنان، أبرزها النقل والطاقة والصناعة ، بحسب ما جاء في الاستراتيجية الوطنية لإدارة نوعية الهواء التي أُطلقت في أواخر العام 2017.

تلحظ الاستراتيجية تخطي لبنان لإرشادات منظمة الصحة العالمية في نسب تلوث الهواء ونسبة الغبار الموجودة فيه، والتي تزيد 100 إلى 200 مرة عن الحد المسموح فيه بحسب إرشادات المنظمة. وفيما اكتفت الاستراتيجية بالمرور بشكل سريع على مسألة حرائق النفايات، والتي تصاعدت حدتها خلال العام 2015 بعد إغلاق مطمر الناعمة، فإن منظمة "هيومن رايتس ووتش" كشفت في تقرير مفصل بعنوان "كأنك تتنشق موتك" في كانون الأول من العام 2017، عن ارتفاع معدل الإصابات بالأمراض الناتجة عن حرائق النفايات، كما ارتفاع البلاغات لدى الدفاع المدني عن حرائق النفايات إلى 330% مقارنة مع الحال ما قبل أزمة العام 2015. هذا الأمر استدعى صرخة من وزير الصحة غسان حاصباني في 5 شباط 2018، الذي عرض خلال مؤتمر صحافي مشترك مع "هيومن رايتس ووتش" المعطيات التي جاءت في التقرير التي وضعته الأخيرة، وطالب الحكومة باتخاذ قرارات سريعة لأجل تنفيذ خطة معالجة النفايات. ولم يستثنِِِ حاصباني مسألة أخرى، وهي ضرورة رصد موازنة إضافية لعلاج مرضى السرطانات والأمراض المزمنة. في السياق نفسه، يذهب تقرير أعدته وزارة البيئة في العام 2011، إلى تبيان أن التكلفة التي تتكبدها الدولة سنوياً على صحة المواطنين تلامس الـ 170 مليون دولار أميركي.

من هنا يغدو ضرورياً وضع التشريعات القادرة على تقويم الوضع وإعادة المسار إلى السكة السليمة منعاً لاستكمال تدهور الوضع البيئي والصحي الذي بات ينذر بالإنفجار.

وبالفعل، صدر قانون حماية نوعية الهواء في 13 نيسان 2018، إلا أنه يستدعي العديد من الملاحظات، أبرزها بشأن فعاليته في مواجهة تفاقم الضرر البيئي والصحي (المحرر).


صدر قانون حماية نوعية الهواء في 13 نيسان 2018، بعدما تنقل بين اللجان النيابية لمدة 18 عاماً منذ طرحه للمرة الأولى في 2002. وبالتزامن مع مناقشته في مجلس النواب، عمدت وزارة البيئة إلى تفعيل إثنين من بنوده قبل صدوره، حيث أطلقت الشبكة الوطنية لإدارة نوعية الهواء في عام 2013، كما أطلقت الاستراتيجية الوطنية لرصد نوعية الهواء.

استبقت إذاً وزارة البيئة صدور القانون بوضعها، بتمويل من الاتحاد الأوروبي استراتيجية أُطلقت عام 2017، تتراوح أهدافها بين قصيرة الأمد لغاية 2020، وطويلة الأمد حتى 2030. وما زالت هذه الإستراتيجية عبارة عن مسودة تنتظر توقيع رئيس الحكومة عليها. واستندت الاستراتيجية إلى الدراسات المنجزة في وزارة البيئة والجامعات والمعاهد الأكاديمية.

من جهة أخرى وضعت الوزارة الشبكة الوطنية لرصد نوعية الهواء على السكة. فأطلقت وزارة البيئة المرحلة الأولى منها في العام 2013، حيث ركّزت خمس محطات رصد للهواء، ثم أطلقت مرحلتها الثانية في الـ 2017 عبر إنشاء 10 محطات إضافية. واستعانت الشبكة هنا بالمعلومات المتوفرة من مشروع إتحاد بلديات الفيحاء الذي وضع في 2012 محطات رصد ذات مواصفات شبيهة بتلك التي وضعتها وزارة البيئة.
 

أين أخذ القانون بالإستراتيجية الوطنية لرصد نوعية الهواء؟

يؤكد الخبراء أنه غالباً ما يسبق التشريعات البيئية وضع استراتيجية، لتوجه المشرّع في وضع قانون قادر على معالجة الخلل البيئي. غير أنه وفي حالة قانون حماية نوعية الهواء الصادر حديثاً، يؤكد مؤسس حزب البيئة حبيب معلوف ل"المفكرة القانونية"، أنه وبرغم إطلاق الاستراتيجية قبل إصداره، لم تجر مواكبة هذه الإستراتيجية من خلال تعديل مسودة القانون أثناء دراستها في اللجان النيابية لتتواءم مع نتائجها.

أبعد من ذلك، يشير معلوف إلى أن الإستراتيجية الموضوعة تعاني خللاً بحد ذاتها، حيث أنها عبارة عن تجميع دراسات ومعطيات أكثر من كونها استراتيجية قابلة للتنفيذ. ويحيل معلوف السبب إلى فقدان العنصر البشري المتخصص.

وعليه، تفتقد الإستراتيجية إلى تحديد الأولويات التي يجب بدء العمل على معالجتها، كما إلى وضع حل متكامل، فتعجز عن أن تكون أداة قادرة على توجيه الوزارات الأخرى المعنية لتغيير سياساتها بما يتناسب مع الاستراتيجية البيئية الفعّالة، بحسب معلوف. ومثال على ذلك، لا تلحظ الاستراتيجية أي تعاون مع وزارة الأشغال العامة والنقل لأجل وضع خطة نقل أكثر احتراماً للبيئة.

 

مصادر التلوث: النقل عامل رئيسي

يؤكد د. شربل عفيف – وهو باحث في كلية العلوم في الجامعة اليسوعية شارك في إعداد الاستراتيجية الوطنية – أن نسبة بعض الملوثات في لبنان تتخطى الحد الأقصى الذي وضعته منظمة الصحة العالمية والذي قاربت فيه تلوث الهواء وتأثيره على صحة الإنسان. فبالنسبة للغبارPM تتخطى نسبته في الهواء اللبناني إرشادات منظمة الصحة بين 100 إلى 200 مرة. أما ثاني أكسيد النتروجين NO2 الناتج عن حرائق محركات السيارات ومولدات الكهرباء فيتخطى بين 10 إلى 100% إرشادات منظمة الصحة العالمية، وفق كل منطقة.

كما يعتبر بأن مصادر تلوث الهواء تختلف بين منطقة وأخرى. فيُعد هواء المدن الكبرى الأكثر تلوثاً بسبب وسائل النقل. ويُضاف إلى ذلك، مولدات الكهرباء ونشاطات البناء، فيما تتأثر بيروت أيضاً بحركة المطار والمرفأ البحري. وتتنافس المناطق على نسب التلوث بسبب النقل والطاقة والصناعة جراء الانبعاثات الناتجة عن القطاعات الثلاث معاً، مثال منطقة شكا.

ويشير مصدر من وزارة البيئة أن الاستراتيجية الوطنية تلحظ مسألة النفايات لكن لا تدخل في تفاصيلها بسبب وجود استراتيجية أخرى مخصصة لإدارة النفايات في وزارة البيئة. وإنما تضمنت الاستراتيجية الأولى فقرة تحدد الإطار القانوني في قطاع النفايات المنزلية الصلبة. ويضيف، إن التأثيرات الناتجة عن الانبعاثات الكلاسيكية الصادرة عن حرائق النفايات، وكميات الانبعاثات المسرطنة هي أكبر بكثير مما يخرج عن قطاعات النقل والطاقة وباقي القطاعات. وأن حرائق النفايات لها تأثير كبير، انما لم يجرِ حتى الآن وضع بحث علمي مفصل لتأثير حرق النفايات على المياه والمزروعات في لبنان.

أما وسائل النقل فتعدّ المساهم الأبرز للتلوث في المدن المزدحمة، في هذا الصدد تشير رئيسة مركز حماية الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت د. نجاة صليبا أن محركات وسائل النقل القديمة هي المسبب الرئيسي للإنبعاثات الملوثة إذ أن هذه السيارات لم تصمم كي تراعي السلامة البيئية. وتلفت صليبا إلى أنه يبلغ المعدل الوسطي لعمر السيارة في لبنان نحو 20 سنة. يوافق د. عفيف على أن السيارات القديمة هي مسبب للتلوث، إنما يرى أن العدد الكبير للسيارات هو المسبب الأبرز للتلوث، بغض النظر عن مواصفات السيارة. ويشير إلى أن نسبة الإنبعاثات الأكبر ناتجة عن استخدام الفرامل بشكل متكرر، ما يسمح باحتكاك إطارات السيارات بالأرض مسبباً انتشار الغبار، مسجلاً ارتفاع نسبة التلوث خلال الزحمة. من هنا تظهر أهمية وضع خطة للنقل العام كإحدى وسائل الحد من الأثر السلبي على البيئة.

في الإتجاه نفسه، يشير التقرير الثالث لوزارة البيئة الصادر عام 2011 إلى أن معدّل السيارات الخاصة في لبنان يساوي سيارة لكل أربعة أشخاص، مما يعتبر معدلاً مرتفعاً. كما أن عدد العربات في ذلك العام كان يقدر بنحو 1.2 مليون عربة1.

ويحدّد التقرير نفسه مصادر التلوث الرئيسية الناتجة عن الأنشطة الاقتصادية الثلاث: النقل والطاقة والصناعة، إضافة إلى الزراعة والبناء والمقالع. ويظهر التقرير أنه حتى العام 2005 أسهم قطاع النقل في 59 بالمئة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين، والطاقة 28 بالمئة. بينما ينبعث ثاني اكسيد الكربون بنسبة 39 بالمئة من معامل الطاقة، و24 بالمئة من النقل و16 بالمئة من البناء.

ويشير التقرير كذلك إلى أن حرب تموز أدت إلى نتائج سيئة على صحة الناس، خصوصاً في بيروت عند قصف وإحراق خزانات الوقود في مطار بيروت، إضافة إلى الحوادث المتكررة لاندلاع الحرائق الناتجة عن مصادر طبيعية كرياح الخماسين في الغابات.

ويلفت التقرير إلى أن أضرار تلوث الهواء تسبب نمواً عصبياً ضعيفاً عند الأطفال، وأمراض في الجهاز التنفسي، وينتج عنها دخول إلى غرفة الطوارئ وزيارة المستشفى، مما يُكلف الدولة اللبنانية سنوياً 170 مليون دولار، ما يعني 1.02 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي.

أما تقرير “هيومن رايتس واتش” الصادر في 1 كانون الأول 2017، فيشرح تأثيرات حرائق النفايات في الهواء الطلق على صحة الإنسان، ويوضح أن حرائق النفايات تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب، والسرطان، والربو والأمراض الجلية التنفسية. وأبرز ما جاء في التقرير أن محارق نفايات عدة تحصل جانب المنازل السكنية والمدارس، وأن معظم المكبات حيث يتم الحرق في الهواء الطلق بانتظام موجودة في بعض أفقر المناطق في البلاد، منها البقاع والجنوب والنبطية. كما أن من أصل 941 مكبا مكشوفاً، منها 617 للنفايات الصلبة، فإن أكثر من 150 منها تُحرق في الهواء الطلق بمعدل مرة واحدة في الأسبوع على الأقل. ويلفت التقرير إلى أن الدفاع المدني اللبناني استجاب لـ 3612 بلاغ حرق نفايات في الهواء الطلق منذ بداية الأزمة حتى 30 يونيو حزيران 2017 في بيروت وجبل لبنان، و814 في باقي البلاد. وفق الدفاع المدني، ارتفع عدد حالات الحرق في الهواء الطلق في جبل لبنان 330% في 2015 ثم 250% في 2016.
 

العبرة في تطبيق القانون

على رغم وجود سلبيات في نص قانون حماية نوعية الهواء، يبقى وجوده بحد ذاته أمراً إيجابياً بحسب أراء خبراء تلوث الهواء التي استشارتهم “المفكرة”. ولكن أبعد من ذلك، يرى حبيب معلوف أن القانون رهن بإمكانية تفعيله: ف"غالباً ما يبدأ العمل على دراسات تكون ممولة، وتنتهي بانتهاء التمويل"، مثل حملة منع التدخين في الأماكن العامة التي انتهت عند نفاذ التمويل، ويبقى المنع غير مطبق في أماكن عدة.

في السياق نفسه، يقول د. عفيف، أن العبرة في "تطبيق القانون وفي محتوى المراسيم التطبيقية والقرارات التي ستلحق به". وهو يرى أن القانون مرن ويمكنه التطور مع التغيرات التي قد تطرأ على تلوث الهواء، وخصوصاً "بأنه أوصى بالعمل على خفض معدلات التلوث لتتواءم مع إرشادات منظمة الصحة العالمية".

ويلفت د. شربل عفيف إلى أن القانون فعّل دور وزارة البيئة والمجالس المحلية بشكل أكبر من ذي قبل. ف"المادة 18 تجيز لموظفي وزارة البيئة الكشف على مصادر التلوث وأخذ عينات من الإنبعاثات، وطلب السجلات والوثائق والمعلومات ذات صلة. فيما تعطي المادة 31 دوراً للإدارات والمجالس المحلية وللقائمقامين وللمحافظين باتخاذ تدابير، بعد إعلام وزارة البيئة أو بطلب منها، كمنع مرور الآليات مؤقتاً أو نهائياً في حالات معينة مثلاً في المناطق المخصصة للسياحية البيئية، ولها أيضاً أن توقف العمل مؤقتاً بمصادر التلوث التابعة لمؤسسات غير مصنفة”.

في السياق نفسه، فإن المؤسسات المسببة للتلوث من مصانع وغيره، أمست تحتاج لترخيص من وزارة البيئة لضبط كمية الإنبعاثات. وهو ما يعتبره عفيف من الفروقات الإيجابية، إلا أنه يستغرب إيجاز الإتجار بالانبعاثات في المادة نفسها، والذي يُمثل عملية بيع وشراء للمخصصات الفائضة من كمية الإنبعاثات المرخصة من وزارة البيئة لمصدر تلوث معين، مؤكداً أن دول كثيرة قد ألغتها.

من جهتها ترى الأخصائية في الإدارة البيئية سمر خليل أن تطبيق القانون يصطدم ب"ضعف قدرات المختبرات الوطنية على مراقبة وفحص بعض الملوثات الهوائية الخطرة مثل الديوكسين والفيوران2، كما وضعف قدرات وزارة البيئة والسلطات المحلية في مراقبة التزام المؤسسات وضبط المخالفات، فضلاً عن احتمال مواجهة عقبات مادية لتشغيل آليات الرصد وصيانتها كما حصل في الفترة السابقة”. إضافة إلى ذلك، تلفت خليل إلى عدم وضوح القانون من حيث تحديد مسؤوليات حماية الهواء (دور وزارة الطاقة ووزارة الصحة ووزارة النقل والزراعة وغيرها والسلطات المحلية)، وكذلك عدم لحظ القانون مبدأ التشارك مع القطاعات المختلفة والمجتمع المدني خاصةً في وضع الاستراتيجية الوطنية والخطط المحلية لحماية الهواء. كما أشارت إلى عدم تحديد الملوثات التي ستشملها الجردة الوطنية للانبعاثات، كما أن تواتر تحديث الجردة غير محدد.

تتحدث مصادر مراقبة لعمل وزارة البيئة عن محدودية إمكانات الأخيرة، خصوصا مع وجود 80 موظفاً فقط، لا يتعدى الخبراء النصف بينهم، فيما يعتبر الآخرون موظفين إداريين، في حين أن الوزارة تحتاج إلى أكثر من 200 موظفاً. والحال أن موظفي دائرة نوعية الهواء لا يتعدى عددهم الثلاثة فيما توصي الاستراتيجية ب توظيف 7 موظفين على الأقل. عدا عن ذلك، فإن الحكومة قيدت إمكانية تحقيق مشاريع بيئية بشكل أفضل في وزارة البيئة مع تعميمها خفض موازنة الوزارات 20 بالمئة في أول العام 2018. في السياق نفسه، يعتبر معلوف أن غالبية القوى السياسية تلجأ إلى الوزارات الخدماتية ويتم الاستخفاف بوزارة البيئة، التي تُعد من أهم الوزارات نسبة إلى دورها في حماية البيئة التي ترتبط بصحة الإنسان واستمرار الحياة والتنمية المستدامة.


 

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 لمن القانون في لبنان؟

 

1 البيئة في لبنان: الواقع والاتجاهات، صفحة 92 من التقرير الثالث: وزارة البيئة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2011، https://goo.gl/y7inP8.

2 هي ملوثات عضوية ثابتة لا تتحلل في الطبيعة تنتج عن مصانع الاسمنت ومحارق النفايات... ولها آثار صحية خطيرة مثل السرطان والتشوهات الخلقية وغيرها وهي تقع تحت اتفاقية ستوكهولم، سمر خليل.