تعيش عدد من المحاكم المغربية على وقع خصاص في عدد القضاة، بعد إحالة عدد منهم على التقاعد، وإلحاق قضاة آخرين بالإدارة المركزية، وبعدد من المحاكم المستحدثة أخيراً في إطار الخريطة القضائية الجديدة، والتأخر في تعيين الفوج 42 من الملحقين القضائيين الذين أنهوا فترة التدريب بالمعهد العالي للقضاء مند عدة شهور، فضلا عن تأخر الإعلان عن مباريات جديدة لتوظيف قضاة.

 

إقبال القضاة على طلب الإلحاق بالإدارات المركزية بسبب غياب تحفيزات

مند تنصيب المؤسسات القضائية الجديدة، ارتفعت وتيرة إلحاق القضاة بها بناء على طلبهم. وبحسب مصادر صحفية، فقد احتلت رئاسة النيابة العامة الرتبة الأولى بشأن المؤسسات التي يطلب القضاة الإلحاق بها، بالنظر إلى طريقة تسييرها، تأتي بعدها وزارة العدل، ثم المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وقد أرجعت مصادر مطلعة سرّ إقبال القضاة على الالتحاق بالعمل الإداري إلى عبء التحرير وضغط الملفات وسيادة ثقافة الكمّ والإنتاجية على حساب الكيف، وغياب ظروف ملائمة للعمل داخل المحاكم وغياب الأمن المهني خاصة مع ارتفاع نسبة الاستدعاءات إلى المفتشية العامة بسبب أخطاء مهنية، إلى جانب غياب تعويضات عن الأعمال الإضافية، وانعدام عناصر التحفيز.

 

تأخر إعلان نتائج المجلس الأعلى للسلطة القضائية

من بين الأسباب التي ساهمت في إيجاد مشكل الخصاص داخل المحاكم المغربية، تأخّر المجلس الأعلى للسلطة القضائية في الإفراج عن نتائج أشغاله في الشق المتعلق بالتعيينات والانتقالات. فرغم أن المجلس نشر بتاريخ 21/10/2018، لائحة الخصاص الموجود بمختلف المحاكم، والذي بلغ 160 منصبا شاغرا، وأعلن عن افتتاح دورته العادية الأولى برسم سنة 2019، بتاريخ 28/01/2019، وحدد ضمن جدول أعماله تعيين الملحقين القضائيين من الفوج 42، الذين أنهوا فترة التمرين بالمعهد العالي للقضاء مند يناير 2019، إلا أن التأخر في إعلان نتائج تعيينات القضاة الجدد أدى إلى تفاقم مشكل الخصاص نظرا لغياب الخلف لا سيما في المحاكم التي أحيل فيها قضاة إلى التقاعد أو تم إلحاقهم للعمل في الإدارة المركزية أو في عدد من المحاكم المستحدثة مؤخرا.

 

التأخر في الإعلان عن مباراة توظيف القضاة

أشار قانون المالية لسنة 2019 إلى أن وزارة العدل تعتزم تنظيم مباراة لتوظيف 200 ملحقا قضائيا استجابة لطلب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومساهمة لتقليص الخصاص المسجل في عدد القضاة العاملين بالمحاكم.

وقد سبق لدراسة أنجزت في إطار الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، أن قدّرت حاجة المحاكم إلى توظيف ما بين 200 و250 قاض جديد كل سنة، للوصول إلى العدد الكافي من القضاة1 وهو المطلب الذي اعترضته عدة صعوبات بسبب عدم توفر المناصب المالية اللازمة. كما لوحظ تأخير في الإعلان عن موعد إجراء مباراة الولوج إلى القضاء، أرجعته مصادر مطلعة إلى التأخير في الحسم في وضعية المؤسسة التي تتولى تكوين القضاة وهي المعهد العالي للقضاء، وما إذا كانت ستبقى تابعة لوزارة العدل أم ستصبح تابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وذلك في انتظار مراجعة القانون المنظم لهذه المؤسسة ومراجعة شروط الالتحاق بها والشهادة العلمية المتطلبة، ومدة التكوين بها.

 

ارتفاع نسب القضاة في سن التقاعد

رغم أن المشرع لجأ إلى رفع سن تقاعد القضاة من 60 إلى 65 سنة، مع امكانية التمديد لهم لمدة سنة، أربع مرات، على ألا يتجاوز سنهم 69 سنة، إلا أن البنية الديمغرافية في الجسم القضائي بالمغرب، تشير إلى ارتفاع مهم في عدد القضاة المقبلين على التقاعد، لا سيما أمام تزايد عدد حالات القضاة الذين عبروا صراحة عن عدم موافقتهم على التمديد لهم في ظل غياب أي تحفيزات.

 

إحداث محاكم جديدة والرجوع إلى تبني القضاء الجماعي

بتاريخ 02/01/2018 دخل المرسوم الحكومي القاضي بتغيير الخريطة القضائية بالمغرب حيز التنفيذ. وبموجبه تم إحداث 14 محكمة جديدة، من بينها محكمة استئناف واحدة. إلا أن زيادة عدد المحاكم هذه لم يواكبها زيادة في عدد الموارد البشرية حيث تم اللجوء إلى التنقيل من دون طلب لحل مشكل المناصب الشاغرة بها. وهو ما ساهم في خلق خصاص جديد ببقية المحاكم. فقد سبق لرئيس النيابة العامة أن أعلن في افتتاح السنة القضائية عن حاجة هذه المحاكم إلى أزيد من 50 قاض، وقدر الاحتياجات الحقيقية للنيابات العامة بباقي المحاكم بما لا يقل عن 400 قاض. وهو ما تضمنه التقرير الأول لرئاسة النيابة العامة بخصوص تنفيذ السياسة الجنائية.

من جهة أخرى، من المنتظر أن يتفاقم مشكل الخصاص بالمحاكم بعد المصادقة على مشروع التنظيم القضائي الجديد الذي يتضمن الرجوع إلى القضاء الجماعي في المحاكم الابتدائية، بعد سنوات من تطبيق تجربة القضاء الفردي. وهو ما يتطلب بالضرورة الرفع من عدد القضاة.

 

نادي قضاة المغرب يدعو إلى خطة استعجالية لمواجهة مشكل الخصاص داخل المحاكم

أكد رئيس نادي قضاة المغرب عبد اللطيف الشنتوف، أن المحاكم بالفعل تعاني خصاصا بشكل كبير بالنظر إلى أن عدد القضاة لا يتجاوز في مجموعه 4150 قاضيا، في مقابل الكثافة السكانية للمغرب التي تتجاوز 35 مليون نسمة.

وأفاد رئيس النادي أن هناك خصاصا مهما بشأن قضاة الموضوع الشيء الذي يؤثر على مستوى ونوعية الإنتاج داخل المحاكم ويضرب المقاصد الدستورية في شأن المحاكمة العادلة والأجل المعقول.

واقترح في هذا السياق وضع مخطط استعجالي بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية في إطار آلية التنسيق المشتركة، لتدارك الأمر سواء بالتوظيف العادي عن طريق الإسراع بالإعلان عن تنظيم مباراة الولوج الى سلك الملحقين القضائيين، أو الطرق الاستثنائية المنصوص عليها قانونيا، مع التركيز على استقطاب المؤهلين للعمل في سلك القضاء، وفق مخطط وبرنامج واضحين لتجاوز الإشكال.

 

 

  • مواضيع ذات صلة:

استطلاع رأي القضاة حول معوقات تحقيق العدالة في المغرب

المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المغرب يفرج عن نتائج تعيين المسؤولين القضائيين بعد تأخر طويل

على هامش استدعاء قضاة من المفتشية في المغرب

اعتراض على حرمان قضاة المغرب حقهم بالمعلومة: المجلس الأعلى للسلطة القضائية مطالب باحترام الشفافية

الخريطة القضائية بالمغرب تدخل حيز التنفيذ: إكراهات واقعية وقانونية

جدل حول إشراف وزارة العدل على مباراة ولوج القضاء بالمغرب

مرسوم حكومي بتغيير الخريطة القضائية في المغرب: استحداث محاكم قبل تأمين الموارد الضرورية

حدث مؤسساتي هامّ في المغرب: المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية بألوان 2011

 

 

1- تصور حول العدد المفترض من القضاة على المدين القصير والمتوسط من أجل قضاء ناجع داخل آجال معقولة، دراسة من انجاز المعهد العالي للقضاء ووزارة العدل، قدمت ضمن أشغال الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، "اجتماع الهيئة العليا حول تأهيل الموارد البشرية 12 شتنبر 2012"، ص 35.