في إطار عملها على توثيق الحياة القانونية في لبنان، تخصص "المفكرة" جزءا هاما من عملها لرصد الحراكات الحقوقية وتوثيقها في لبنان. ولهذا الرصد، أهداف عدة.

أولا، أنه يشكل شرطا للإحاطة بالحياة القانونية في لبنان، بحيث لا تقتصر هذه الحياة على ما تنتجه السلطات والمؤسسات العامة، إنما تشمل أيضا الحراكات والمطالب الاجتماعية، ومنها ما تعبر عنه المنظمات الحقوقية والعديد من الفئات الاجتماعية. والرصد يضمن من هذه الناحية قياس درجة الوعي أو الاهتمام الاجتماعي بحق معين في فترة معينة،

ثانيا، أنه يسمح بمقارنة الأولويات التي تعبّر عنها الحراكات الاجتماعية بأولويات السلطات والمؤسسات العامة. فهل تتشابه هذه الأولويات أم أنها تتباين فيما بينها؟ وفي حال التباين، أي دروس يمكن إذ ذاك أن نستنتجها على صعيد الحياة الديمقراطية ككل، وبخاصة على صعيد التشاركية وصحة التمثيل الانتخابي؟

ثالثا، أنه يسمح بمقارنة أولويات هذه المرحلة بمراحل أخرى من تاريخ لبنان، أو أيضا بأولويات مجتمعات أخرى وبخاصة في المنطقة التي نعيش فيها.

وقد شهدت سنة 2018 حراكات عدة. وفيما ارتبط بعضها بمواكبة الانتخابات النيابية، الحاصلة للمرة الأولى بعد 2009، أو الاستفادة منها (وهذا ما أسمته المفكرة "مقتحمو الانتخابات")، جاء بعضها من قبيل الحراك الذاتي الناشئ عن الحاجات الاجتماعية الملحة، كما هي المطالب المتصلة بالبيئة والعمران أو استقلال القضاء. كما برزت عدد من الحراكات المهنية على نحو غير مألوف ولا سيما في أوساط المهن القانونية، وفي مقدمتها القضاة الذين نجحوا في إنشاء ناد والمحامون الذين باشروا حراكا غير اعتيادي في مواجهة نقابتهم.

ولفهم هذه الأولويات، سعينا إلى تصنيف مضامين الحراكات على أساس نوع الحق موضوع الحراك، على نحو يسمح لنا باستخلاص أنواع الحقوق التي حظيت بالاهتمام الأوسع في هذه الحراكات. نشرنا أمس الحلقة الأولى. ننشر هنا الحلقة الثانية بشأن الحراكات المتصلة بحرية التعبير وقمع الحريات.


 

تميزت هذه السنة بإطلاق حملة "ضد القمع". ورغم حضور الحق بالوصول إلى المعلومات ومكافحة الفساد في الخطاب العام واستمرار محاكمة ناشطي حراك 2015، فإن هذه الحملة لم ترتبط بشكل أساسي بقضايا فضح فساد. كما يلحظ أن قمع حرية التعبير استهدف أيضا التحركات المتعلقة بحقوق الفئات المهمشة، لا سيما حقوق العاملات المهاجرات والمثليين. هذا ما سنحاول عرضه تباعا.

 

"#ضد_القمع"

التحرك الأكثر بروزا في هذه السنة جاء تحت عنوان "ضد القمع". بتاريخ 24 تموز 2018 امتلأت ساحة سمير قصير، وسط مدينة بيروت، بأشخاص تجمّعوا للتعبير عن رفضهم لسياسة القمع وملاحقة الناشطين على خلفية إبداء رأيهم عبر مواقع التواصل الإجتماعي.

التحرك كان حاشداً، وجاء في إثر التفاعل الواسع على مواقع التواصل الإجتماعي مع إطلاق هاشتاغ #ضد_القمع قبل أيام من الوقفة الإحتجاجية، والتي تناولت بشكل أساسي ملاحقات "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، لناشطين وصحافيين على خلفية منشورات لهم على وسائل التواصل الإجتماعي، تنتقد مختلف جوانب الحياة السياسية والدينية والإقتصادية في لبنان. والحال أن المحفّز الأساسي للحراك هو أن التصريحات تدخل ضمن حرية التعبير ولا تتضمن المنشورات أي قدح أو ذم أو تحقير. وهذا الأمر يعني من وجهة نظر المنظمين أن "المكتب" (والنيابة العامة) يقومان بإستدعاء الأشخاص تعسفياً. كذا يعترض حراك "ضد القمع" على الإجراء الذي يفرضه المكتب على الأشخاص الذين يستدعيهم والمتمثل بالتعهد للرموز السياسية والدينية1.

إذن، خلفية حراك "ضد القمع" جاءت عامة، ترتبط بالحق بالتعبير على إطلاقه. وقبل إنطلاق هاشتاغ "ضد القمع"، كانت وسائل التواصل الإجتماعي ضجت بين معترض ومدافع، على ستاتوسات متعلقة بالمعتقدات الدينية بشكل خاص، لا سيما ستاتوس للشاب شربل خوري، والذي ألزمته النائب العام في جبل لبنان القاضية غادة عون بإقفال حسابه على "فايسبوك" لشهر كامل، وآخر لرئيس "المركز اللبناني لحقوق الانسان" وديع الأسمر الذي تمكّن من تحويل إستدعائه إلى فرصة للدفاع عن حقوق الموقوفين المحددة بالمادة 47 من أصول محاكمات جزائية، رافضاً الإجابة على أي سؤال وجه إليه بسبب عدم السماح لمحاميه بحضور التحقيقات وتكريسا لحق المشتبه به بالصمت.

 

ناشطو حراك 2015 أمام القضاء

استمرت في 2018 محاكمة ناشطي حراك صيف 2015. وقد شكل استمرار هذه المحاكمات مناسبة بالنسبة لوكلاء هؤلاء ليوثقوا خطاباً مدافعاً عن حرية التعبير عموماً والتعبير في زمن إلغاء الإنتخابات خصوصاً، في محاضر استجوابهم.

فقد برز خلال الاستجواب من قبل القاضية المنفردة الجزائية في بيروت عبير صفا تمسك الناشطات بتدوين موقف حقوقي سياسي مؤداه أن تحركهن هو بطبيعته يدخل ضمن إطار الحق بالتعبير، وأنه ولو لم يكن كذلك، فلا بد من أن يوضع في هذا السياق في مرحلة كان المواطن مجردا فيها من حقه بالإقتراع، كذا أن بعض النيابات العامة إستنسابية في ملاحقاتها وهي تستهدف ناشطي الحراك (2015) على خلفية آرائهم السياسية المعارضة".إلى ذلك إستند محامون عن المدعى عليهم إلى المادة 13 من الدستور، والمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، اللتين تكفلان الحق بالتعبير الحر، ليؤكد أن هذه الحرية تبقى القاعدة العامة التي لا "يحدها إلا القانون وهي حدود إستثنائية يقتضي أن يحدد إطارها بصورة ضيقة واستثنائية"2. وقد انتهت محاكمات عدة لناشطي صيف 2015 إلى أحكام بكف التعقبات. وهذا ما سنعود إليه في سياق نتائج الحراكات الحقوقية وأبرز الأحكام القضائية الصادرة في هذا العام3.

 

ملاحقات كاشفي الفساد

خلال هذه السنة، برزت أيضا ملاحقات عدة تناولت منظمات أو أشخاصا من مواقع مختلفة. وما يجمع بين هذه الملاحقات هو أن هؤلاء تعرضوا لها بنتيجة كشفهم عن أحد مواقع الفساد.

ومن أبرز هذه الحالات، استدعاء الصحافي محمد زبيب، والأستاذ المتقاعد عصام خليفة، بالإضافة إلى إستدعاء الناشط عماد بزي أمام "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية" في إثر دعوته لإستخدام تقنية الـ review على موقع منتجع "إيدن باي"، وحسابه على "فايسبوك" لإظهار المخالفات المرتكبة من قبله للمهتمين بزيارته4.

ملاحقة خليفة حصلت على خلفية الدعوى المرفوعة ضده من رئاسة الجامعة اللبنانية، في إثر مؤتمر صحافي تحدث فيه عن استغلال رئيس الجامعة فؤاد أيوب وعمداء آخرين في الجامعة اللبنانية لنفوذهم. كما طرح سلسلة أسئلة حول قضايا متعلقة بالفساد الذي يطال الجامعة اللبنانية، وتحديداً الجانب المتعلق بتزوير أيوب لشهادته. وقد استنكر المتضامنون مع خليفة استدعاءه الحاصل بتاريخ 26 تموز 2018 متمنين على القضاء استدعاء أيوب للتحقيق معه في الملفات التي سُئل عنها، بما يحقق مصلحة الجامعة اللبنانية5.

أما زبيب فقد مثل للمرة الأولى بتاريخ 22 كانون الثاني 2018 أمام القاضي المنفرد الجزائي إثر إعادة تحريك الدعوى المرفوعة ضده من قبل وزير الداخلية نهاد المشنوق في إثر نشر صورة عن شيك يعود للمشنوق صادر عن بنك المدينة رابطاً إياه بقضية إفلاس المصرف المذكور، وهو يلاحق على هذا الأساس بتهم القدح والذم والتحقير6.

 

اعتصام حول استدعاء إعلاميين نافذين

في هذه السنة أيضا، تم اعتصام أمام قصر عدل بعبدا بتاريخ 4 كانون الثاني، على خلفية إستدعاء الإعلامي مارسيل غانم أمام قاضي التحقيق في جبل لبنان، على خلفية ما أدلى به صحافيان سعوديان كان إستضافهما في 2017 بعد احتجاز رئيس الوزراء سعد الحريري في السعودية. وكان هذان الضيفان نعتا رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل بأنهم "شركاء في الإرهاب" بسبب موقفهم من "حزب الله".

وبخلاف حال الملاحقات الأخرى التي شهدت تفاعلا خجولا، استتبع استدعاء غانم تضامناً لافتاً. فقد انضم إلى الاعتصام التضامني عدد كبير من الإعلاميين من مختلف المحطات اللبنانية وعدد من السياسيين والمحامين، فضلا عن وزير الإعلام ملحم الرياشي. وكان من البيّن أن كان لموقع غانم الإعلامي دور جوهري في دفع القضية إلى موقع الصدارة، على نحو طغا على شعاري حرية الإعلام واستقلالية القضاء اللذين رفعا في الاعتصام 7.


 

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 لمن القانون في لبنان؟

 

1 "سجى مرتضى، ضد القمع": ناشطون وصحافيون يدافعون عن حقهم بالتعبير في لبنان، المفكرة القانونية، 25 تموز 2018

2 - الهام برجس ، محاكمة جديدة لناشطي الحراك: خمس جرائم لغرافيتي واحد،المفكرة القانونية، 2018-06-08

3 - - نزار صاغية، 4 قرارات للقاضية صفا بكفّ التعقبات بحق ناشطي الحراك اللبناني: الدفاع عن المجتمع يبرّر المسّ الظاهر بكرامة الحكومة ووزرائها، المفكرة القانونية، 11/12/2018

4 - إلهام برجس، مملكة "Eden Bay" تعتدي على "الفضاء العام": ملاحقة من لا يحبّ الظالم ،المفكرة القانونية، 2018-07-19

5 - مريم سيف الدين، بعد سنوات من النضال الجامعي والنقابي: إطلاق سراح عصام خليفة بسند إقامة، المفكرة القانونية، 2018-07-27

6 - إلهام برجس،"الوصول إلى المعلومات" وإلى قاعة المحكمة: حقان يثيرهما المتضامنون مع الصحافي "محمد زبيب"، المفكرة القانونية، 2018-01-23

7 -إلهام برجس، قضية مارسيل غانم: عندما تذكر الجميع أن حرية الإعلام مرهونة باستقلالية القضاء، المفكرة القانونية، 2018-01-05