يمتدّ الخط الساحلي اللبناني على 240 كلم من الشمال إلى الجنوب ويعتبر أكثر المناطق حساسيّةً إذ يشمل معظم الأنشطة الإقتصاديّة ويحوي ثروة إيكولوجيّة هامّة. فتزايد الكثافة السكانية على الساحل مع ما ينتجه ذلك من تمدّد عمراني عشوائي يتآكله تدريجيًّا يشكّل ضغطًا على الموارد البيئية ويهدّد توازن النظام الإيكولوجي[1]. من جهة أخرى، إضافةً إلى دورها كمركز للتبادل التجاري وقطاعات الصيد المنتجة، ترتدي المنطقة الساحليّة أهميّة اقتصاديّة بارزة ترتكز على السياحة البحريّة والخدمات، ما يرفع الطلب على الأراضي الواقعة مقابل البحر بسبب إمكانيّة الإستثمار في منتجعات سياحيّة كبرى على الشاطئ مباشرةً. نتيجةً لذلك، تفاقم الضغط على الأملاك البحريّة بشكل خاص، وهو يتجلّى في مشاريع الردم والمرافئ وبناء المجمّعات الترفيهيّة من جهة، وفي طفرة التعدّيات على الأملاك العامّة البحريّة من جهة أخرى.[2] أدّى ذلك، إضافةً إلى الأضرار البيئيّة، إلى تغيير الدور الإجتماعي للشاطئ اللبناني كحيّز عام ومساحة تلاقٍ متاحة للجميع بعد أن شيّدت العوائق التي تمنع الوصول الحر والمجّاني إليه.

في ظل هذا الوضع المستمرّ منذ نهاية الحرب، تقدّمت وزارة البيئة في عام 2017 بمشروع قانون الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة الذي يضع أسسا لإدارة مستدامة للساحل ويعيد الأمل بإعادة التوازن بين حماية البيئة وتحفيز الإقتصاد كما ويضمن تواصل الشاطئ ويكرّس حق الوصول الحر إليه. تأتي هذه الخطوة  بعد التزام لبنان ببروتوكول الإدارة المتكاملة للمناطق الساحليّة في حوض البحر المتوسّط الموقّع في مدريد في 21/01/2008 والذي أصبح نافذًا في لبنان منذ 31 آب 2017 .

فما هو بروتوكول مدريد وما أهمّيّة إقرار مشروع القانون المنبثق منه اليوم؟

 

الإطار العام لمشروع قانون الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة (ICZM)

بدأت وزارة البيئة العمل على اقتراح مشروع القانون عام 2008 حين انضمّ لبنان إلى الإتّفاقيّة لحماية البيئة البحريّة والمنطقة الساحليّة للبحر المتوسّط[3]، وهي التعديلات التي طرأت على إتّفاقيّة حماية البحر المتوسّط من التلوّث الموقّعة في برشلونة بتاريخ 16/2/1976. وتكريسًا لإلتزامه بالإتفاقية، إنضمّ لبنان تباعًا إلىبروتوكول مدريد للإدارة المتكاملة للمناطق الساحليّة في حوض البحر المتوسّط[4] الذي أصبح نافذًا منذ 31 آب 2017 وهي خطوة مهمّة في مسار التشريع لحماية البيئة البحريّة في لبنان. فهذا البروتوكول يهدف إلى تعزيز الإدارة المتكاملة والمستدامة لهذه المناطق ليوفّق بين القيمة السياحية والإقتصاديّة للساحل وقيمته البيئية، عبر اعتماد خطّة عمل تأخذ بعين الإعتبار حماية المناطق ذات الأهمّية الإيكولوجيّة والمناظر الطبيعيّة والإستعمال الرّشيد للموارد. بمعنى آخر، يوسّع البروتوكول نطاق الحماية لتتخطّى حدود الأملاك العامّة البحريّة وتشمل كل المناطق الساحليّة التي تشكّل بطبيعتها النطاق الحيوي للشاطئ.

في هذا السياق، انطلاقًا من المادّة الرابعة عشرة من إتّفاقيّة برشلونة التي تلزم الأطراف المتعاقدة صياغة وإعتماد تشريعات بيئيّة لتنفيذ الإتّفاقيّة والبروتوكولات، تقدّمت وزارة البيئة، بالتعاون مع معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند، بمشروع قانون الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة الذي يستعيد أحكام بروتوكول مدريد المتعلّقة بحماية الشاطئ والموارد والثروة البحرية من جهة، والذي يفرض أيضًا من جهةٍ أخرى، تشريعات تتعلّق بتنظيم الأراضي الساحليّة وتطوّرها العمراني لتكرّس مبدأ تواصل الشاطئ من دون أيّة عوائق، وأهمّها إنشاء حزام ساحلي بعرض مئة متر يمنع ضمنه البناء.

 

أبرز بنود مشروع القانون: التشدد في حماية البيئة البحريّة وضمان حق الوصول إلى الشاطئ.

يحدّد مشروع القانون الإطار العام لإدارة المنطقة الساحليّة بهدف إرساء المبادئ والآليّات التي يجب إتّباعها لتحقيق أهداف بروتوكول الـ ICZM بشقّيه: حماية البيئة والموارد والمناظر الطبيعيّة من مخاطر التلوّث والتعدّيات كما وتأمين التنسيق بين الوزارات وإدارات الدولة وكل الجهات المعنيّة المختصّة. أمّا التغطية الجغرافيّة لهذا المشروع فهي، كما سبق وأشرنا، تتخطّى الحدود المعروفة للشاطئ والأملاك العامة البحريّة[5] وتمتدّ من الحدّ الأقصى للمياه الإقليميّة[6] إلى"حدود إقليم الوحدات الساحليّة" [7]داخل الأراضي اللبنانية كما ستحدّد في الخطّة الإستراتيجية والمخطط التوجيهي للمنطقة الساحلية الذي سينبثق من هذا القانون. فالمنطقة الساحليّة، بحكم تعريفها في بروتوكول ICZM، هي "المنطقة الجيومورفولوجيّة الواقعة على كلا جانبي شاطئ البحر والتي يحدث فيها التفاعل بين الأجزاء البحريّة والبريّة على شكل نظم إيكولوجيّة وموارديّة معقّدة، مؤلّفة من عناصر أحيائيّة ولا أحيائيّة تتعايش وتتفاعل مع المجتمعات المحليّة البشريّة والأنشطة الإقتصاديّة الإجتماعيّة المعنيّة"[8] ومنها على سبيل المثال لا الحصر الصيد واستخراج الملح والصناعة والنشاطات السياحية والترفيهية وغيرها. إذًا، إنطلاقًا من هذا التعريف، تعتبر حكمًا ضمن الأراضي الساحليّة البلدات التي تقع أراضيها ولو جزئيًّا ضمن هذه الحدود إذ لديها تأثير مباشر على الموارد الطبيعيّة للساحل.

يستعيد مشروع القانون مجمل المبادئ التي نصّ عليها بروتوكول مدريد وفصّلها لضمان تواجد الآليّة الإداريّة والإطار القانوني الواضح لتحقيقه. وفي ما يأتي، أبرز طروحاته المتعلّقة بالتطوّر الحضري واستعمالات الأراضي:

  • تنظيم خطّة استراتيجيّة وطنيّة للإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة مع المخطّط التوجيهي العام والشامل للمنطقة الساحليّة بهدف تطوير الساحل بشكلٍ مستدام. وعملًا بمبادئ التنظيم المدني السليم، يعاد النظر بهما بعد خمس سنوات لتعديلهما إذا دعت الحاجة وتتم مراجعة وإعادة إصدار الخطّة تباعًا كل عشر سنوات لضمان توافق الخطّة مع التطوّر الحضري والبيئي.
  • إنشاء حزام ساحلي على امتداد الشاطئ اللبناني بعرض 100 متر إعتبارًا من خط الماء الشتوي الأعلى (أي من حدود الأملاك العامّة البحريّة ومن ضمنها مناطق المد والجزر) يمنع ضمنه البناء[9] وتفرض الإرتفاقات القانونيّة على جميع العقارات الواقعة ضمنه.
  • الحدّ من التوسّع العمراني الخطّي على طول الشاطئ بهدف صون الموائل الطبيعيّة الساحليّة والمناظر الطبيعيّة والنظم الإيكولوجيّة من جهة، وضمان إستمراريّة تواصل الشاطئ كوحدة طبيعيّة، لا تشوّهها التجمّعات الحضريّة بل تتفاعل معها.
  • توفير وصول الجمهور الحرّ والمجّاني إلى الشاطئ. ولتحقيق ذلك، يوصي مشروع القانون بتأمين إرتفاقات مرور للمشاة بصورة منتظمة وضمن مسافة محدّدة لا تتجاوز3 كلم كحدّ أقصى فيما بينها لكي تضمن حق المرور بشكلٍ سهل. وتكون هذه الممرّات المنتشرة على طول الشاطئ مخصّصة فقط للمشاة ويتراوح عرضها بين مترين وثلاثة أمتار وتحدّد أماكن تواجدها في المخطط التوجيهي الخاص بالمنطقة الساحليّة. وهنا، يستوقفنا السؤال التالي: كيف سيتمّ تحقيق ذلك في ظل الإنتشار الحالي للمؤسّسات السياحيّة والأبنية على امتداد الشاطئ التي أصبحت نتيجة وفرتها والتصاقها ببعضها تشكّل حائطًا إسمنتيًّا يمنع الولوج الحر إلى البحر؟ يتدارك مشروع القانون المقترح هذا الأمر ويوصي بمعالجة كل حالٍ على حدة، عبر وضع أنظمة خاصّة بهذه المشاريع فقط إذا كانت مرخّصة قانونًا، لتأمين حق المرور المجّاني بشكلٍ يراعي في آنٍ خصوصيّتها؛ وترتدي هذه القرارات صفة المصلحة العامّة.
  • تحديد المواقع التي تستوجب حماية خاصّة أو تطوير خاص وتحديد القيود التي يجب تطبيقها على النشاطات الصناعية والزراعية والسياحية والترفيهية.
  • إخضاع كافّة المخططات التوجيهيّة والتفصيليّة المحليّة للمدن والقرى الساحلية لتقييم الأثر البيئي الإستراتيجي (SEA) وكافّة المشاريع لتقييم الأثر البيئي (EIA) وفقًا للقوانين المرعيّة الإجراء[10] على أن تأخذ هذه الدراسات بعين الإعتبار النظام الإيكولوجي والإقتصادي والإجتماعي والتاريخي للمنطقة الساحليّة والأحواض المائية.

 

إذًا، على صعيد التنظيم المدني، سيشكّل هذا القانون، إذا أقرّ، نقطة مفصليّة في الحفاظ على الساحل وإعادة إحياء الشاطئ كحيّز عامّ أساسيّ عبر إحياء التفاعل الإجتماعي فيه. وإذا كان لبنان يناقش اليوم هذه الإشكاليّة، إلّا أنّ إعتماد قانون خاص بإدارة المنطقة الساحليّة ليس بنزعة حديثة عالميًا وقد ثبتت فعاليّته. فعلى سبيل المثال، كُرّست هذه المبادئ في فرنسا منذ عام 1986 حين اعتُمِد قانون حماية الشاطئ (Loi “Littoral”) الذي وضع إطارًا لتطوير الساحل الفرنسي بهدف حمايته من تجاوزات المضاربات العقاريّة والسّماح للمواطنين بالوصول الحرّ عبر المسارات الساحليّة (Sentier littoral). وأهمّية هذا القانون والسبب الأساس لفعاليّته تكمن في أنّ أحكامه أدخلت في قانون التنظيم المدني وأصبحت مقيّدة، أي أنّ كل ترخيص لمشروع ما عليه التقيّد بشروط هذا القانون وإذا خالف أحدها، يمكن رفضه حتّى ولو كان مطابقًا للمخطط التفصيلي المحلّي للمنطقة.

إضافةً إلى التدابير المتعلّقة بالتنظيم المدني، يطرح مشروع قانون الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة تدابير إقتصاديّة وبيئيّة متعدّدة[11]، لضمان مواءمة الإقتصاد الساحلي والبحري مع الطبيعة الهشّة للمنطقة الساحليّة وحماية موارد البحر من التلوّث، فيمنع مثلًا رمي النفايات الصلبة أو السائلة أو التخلّص منها في المياه والأراضي الساحليّة قبل معالجتها كما ويعتمد مبدأ "الملوّث يدفع".[12] وأسوةً بجميع القوانين، يفرض مشروع القانون عقوبات ماليّة وجزائيّة صارمة بحق المخالفين.

 

ما هي الآليّة المقترحة لتطبيق أحكام مشروع القانون وكيف سيتمّ التنسيق بين الوزارات والإدارات المختلفة؟

المجلس الوطني للإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة: إعتماد التشاركيّة في الإدارة والتخطيط

ينشئ مشروع القانون "المجلس الوطني للإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة" الذي سيتولّى مهام هذه الإدارة ومن أولويّاته أن يضع الخطّة الاستراتيجيّة الشاملة والمخطّط التوجيهي العام وغيرها من التدابير المتعلّقة بحماية البيئة لتحقيق أهداف بروتوكول ICZM. ويتمتّع المجلس بالشخصيّة المعنويّة والإستقلال المالي والإداري.

يرأس المجلس رئيس مجلس الوزراء ويتألّف من أعضاء دائمين هم: الوزراء المعنيين مباشرةً بإدارة الشاطئ[13] أو ممثّلين عنهم ورئيس المجلس الأعلى للتنظيم المدني ومدير عام مجلس الإنماء والإعمار و أخصّائي في الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة وممثّل عن البلديّات المعنيّة يتمّ تعيينه من قبل وزارة الداخليّة والبلديّات. واللافت في مشروع القانون أنّه، عملًا ببروتوكول مدريد، يكرّس مبدأ التشاركيّة[14]: فسيضمّ المجلس بين أعضائه الدائمين رؤساء ثلاث مجموعات جمعيّات شرط أن يضم التجمّع 20 جمعيّة بيئيّة كحد أدنى، واحدة منها على الأقل تعنى بالأمور الساحليّة والبحريّة، وهذه أوّل مرّة يُشرَك فيها المجتمع المدني بصناعة القرار في ما يخصّ الرؤية المستقبليّة للشاطئ والتطوّر المدني للساحل بشكلٍ عام. وتنعكس أيضًا التشاركيّة في دعوة أعضاء مختلفين حسب موضوع الجلسة نذكر منهم ممثّلا عن نقابة الصيّادين ونقابة المجمّعات السياحيّة البحريّة وإستشاريّين في القضايا العلميّة والقانونيّة والهندسيّة وغيرها.

وإذا كانت هذه الخطوة إيجابيّة ومرحّبًا بها، نتخوّف من تعطيل دور هذا المجلس عبر التدخّلات السياسيّة التي قد تهدّد إستقلاليّته. فبالرغم من إتّباع التشاركيّة، يتألّف المجلس من عدد كبير من الوزراء ويترأسه رئيس مجلس الوزراء. وبذلك قد يصبح هذا المجلس صورة مصغّرة عن الحكومة، خاصّة ً أنّ مشروع القانون لا يعطي أي توجيه برفض عضويّةٍ ما في حال تضارب المصالح، في الوقت الذي نعلم أنّ عددًا كبيرًا من الإستثمارات والعقارات على الشاطئ يملكها سياسيّون ونافذون في لبنان. وإن كانت البلديّات المعنيّة لها حضور دائم في المجلس، إلّا أنّ الممثّلين عنها سيكونون معيّنين وليس منتخبين، ما يعطي أيضًا وزنًا سياسيًا لهذه العضويّة قد لا يعكس تطلّعات وحاجات المجتمعات المحلّية الساحليّة خاصّةً أن لهؤلاء الممثّلين صفة المراقب الناطق بإسم البلديّات دون حق التصويت. وهذه النقطة برأينا يجدر تعديلها لإعطاء صلاحيّة أكبر للبلديّات لأنّها أدرى ببيئتها المحلّيّة وحاجات سكّانها من السلطة المركزيّة. 

أيضًا هناك إمكانيّة تداخل الصلاحيّات بين هذا المجلس والمجلس الأعلى للتنظيم المدني ولا تتناولها المسودّة المطروحة فضلاً عن تداخل المخطط التوجيهي المستقبلي للمنطقة الساحليّة مع المخططات التوجيهيّة المحليّة المعتمدة ومع الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة. تكتفي مسودّة القانون بالتأكيد على أنّه في حال التناقض بين المخطط التوجيهي للساحل والمخططات الأخرى، على الأوّل أن يطبّق. هذه القاعدة قد تؤدّي إلى الإخلال بالإستقرار القانوني، حيث يستمرّ العمل بمخططات توجيهيّة قديمة لا تطبّق إلا جزئيًّا. لذلك، كان من الأفضل أن يفرض مشروع القانون ضرورة إمتثال كلّ المخطّطات له (Obligation de mise en conformité ) ضمن مهل محدّدة وقصيرة لتفادي أي تناقض فيجبر الإدارات العامّة على تعديل مخطّطاتها التوجيهيّة وإلا يُمنع البناء ضمنها. وهناك أمثلة كثيرة عن حالات تضارب في القوانين المتعلّقة بسياسة الأراضي، كمشكلة عدم تطابق المخططات التوجيهيّة المحلّية مع توجيهات الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية لأن مرسوم تصديق الخطّة لم يتّخذ هذا الإجراء ولم يحدّد أيّة مهل. وعلى المشرّع ألا يعيد الخطأ في قانون الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحليّة لكي يكون حقًّا فعّالًا.

 

مصير المشروع بين تضارب المصالح والمماطلة

بعد مسارٍ طويل من الدراسات والتقارير الإعداديّة[15]، أرسلت وزارة البيئة مشروع القانون إلى الوزارات لإبداء الرأي ووضع ملاحظاتهم عليه عبر أمانة مجلس الوزراء. خلال إجرائنا هذا البحث، لم نستطع أن نحصل على آراء الوزارات حول المشروع، والتي انقسمت بين آراء رافضة وآراء متحفّظة بشأن بعض البنود. وقد علمنا أن عدم رد بعض الوزارات عرقل جدًّا مسار المشروع وردّه إلى خانة الصفر، فعادت المسودّة إلى وزارة البيئة مؤخرًا، التي ستعمل على تعديلها قبل إرسالها مجدّدًا إلى الحكومة الجديدة. وقد يأخذ هذا المسار سنتين إضافيّتين قبل إقراره. واللافت أننا علمنا أن بعض الوزارات اعتبرت أن لا حاجة للتشريع في هذا المجال، طالما أن الشاطئ والمنطقة الساحليّة محميان من أي ضرر في الإطار القانوني الحالي.

ولكن، كيف تكون المنطقة الساحليّة محميّة ولا يوجد تعريف قانوني صريح لها ولحدودها[16]، وفي ظل غياب مخطط توجيهي شامل خاص بها، يتناولها كوحدة طبيعيّة لا تتجزّأ؟ والمخطّط أداة ضروريّة لوضع رؤية واضحة لتطوير هذه المنطقة بكاملها وليس فقط شواطئها فيحدّد النشاطات المسموحة فيها وفي أي أجزاء منها، أو أيضا المناطق التي تبقى طبيعيّة ومفتوحة، فلا يهددّها العمران لأنّها ضروريّة للتوازن الإيكولوجي وجمال المناظر الطبيعية الساحليّة. فلغاية اليوم، يتمّ التخطيط المدني في المنطقة الساحليّة وتحديدًا في نطاق شواطئها بصورة مجتزأة ومحلّيّة: فللشواطئ الجنوبيّة والشماليّة مخطّطها التوجيهي الخاص بها كلّا على حدة[17]، فيما شاطئ بيروت ما زال من دون مخطط توجيهي. وضمن المنطقة الجغرافية الواحدة، تمّت معالجة تطوّر الشاطئ أيضًا على نحو مجتزأ ضمن حدوده البلديّة، وكأنّ لا حاجة لتواصل المناظر الطبيعيّة والمشهد العمراني والنظم الإيكولوجيّة في الأراضي الموازية للشاطئ، فنجد مثلًا مخططات توجيهيّة مناطقيّة (Plan sectoriel ) خاصّة بالواجهة البحريّة لبعض المدن والبلدات فقط دون باقي الأراضي البعيدة عن الشاطئ والواقعة في مناطق عقارية مختلفة كما في جبيل وجونيه وأنفه مثلًا (التي تندرج شواطئها ضمن الشواطئ الشماليّة). من جهة أخرى، رغم تصديق المخطط التوجيهي الشامل لترتيب الأراضي اللبنانيّة[18] عام 2009 الذي يضع لأوّل مرّة رؤية إستراتيجية متجانسة ومستدامة للتطور الحضري على الشاطئ والذي يفرض على البلديات مراجعة مخططاتها التوجيهيّة للتناسب مع توجيهاته، لم تُطبّق حتّى اليوم أيّ من توصياته في المنطقة الساحليّة لغياب المراسيم التطبيقيّة الضروريّة للعمل بالخطة وعدم توافر الآليّة الواضحة لإدارة المنطقة الساحليّة وتحديد مسؤوليات الوزارات والإدارات المتداخلة من أجل تطبيقها. على العكس، يتم تجاوز المخطط الشامل باستمرار: فقد كثرت التراخيص التي تسمح بإشغال الشاطئ في كل المناطق، وإنتشرت المطامر البحريّة. أمّا الشواطئ الصخريّة ذات القيمة الإيكولوجيّة فهي مهدّدة ببناء المشاريع السياحية. أمّا حق المواطنين بالوصول الحر والمجاني إلى الشاطئ فهو مكرّس في النصوص الراهنة[19] ومغيّب في الممارسة ولا من يحاسب ويعاقب المخالفين.

ونتيجةً لغياب التخطيط، نعيش اليوم أزمة بيئيّة حادّة، وإقرار مشروع قانون لإدارة المنطقة الساحلية بشكلٍ متكامل ومستدام ضروريّ لتداركها ولإعادة إحياء التوازن البيئي الذي سينعكس إيجابيًّا على التفاعل الإقتصادي والإجتماعي. فلمَ المماطلة في إقراره ومن المستفيد من عرقلة مساره التشريعي؟ تناقش اليوم مسألة تسوية التعديات على الأملاك العامة البحريّة عوضًا عن رفعها بدل مناقشة سياسة عامّة لإدارة االمنطقة الساحلية والحفاظ عليها، ولا يُتداول بموضوع ICZM  إلّا في الحلقات الأكاديميّة وفي الندوات والمحاضرات المتخصّصة. فمتى سيعي المسؤولون أهميّة التشريع في هذا الإتجاه وهل سينفع إقرار قانون بعد خسارة الشاطئ وتشويه المنطقة الساحلية؟

أخيرًا، فيما تعيد وزارة البيئة النظر اليوم بالمسودّة المطروحة لمشروع القانون، نتمنّى، بناءً على ما سبق، أن تُضاف عليها تفاصيل مقيّدة ونافذة حكمًا فلا يكون نفاذ أحكامها الأساسية معلقا على مراسيم تطبيقية قد لا تصدر أو يتأخر صدورها. فيكون بذلك هذا القانون فعّالاً في حماية الشاطئ، مكمّلاً لقانون البيئة الحالي، ومعبرا عن رؤية مستقبليّة مستدامة للشاطئ اللبناني، فيحدّ من التوسّع العمراني العشوائي عليه من أجل إبراز قيمته البيئيّة والطبيعيّة. حينها، يستعيد الشاطئ دوره كمجال إجتماعي حيوي يتمتّع به جميع المواطنين.

 

 

المصادر:

  • برنامج الأمم المتّحدة للبيئة / خطّة عمل البحر الأبيض المتوسّط / برنامج التدابير ذات الأولويّة: البروتوكول بشأن الإدارة المتكاملة للمناطق الساحليّة في المتوسّط. سبليت، برنامج التدابير ذات الأولوية، 2008.
  • CDR. (2004). Atlas du Liban.
  • DAR-IAURIF. (2005). Schéma Directeur d’Aménagement du Territoire Libanais, Rapport final, 2005.
  • UNEP – ERML project, Improved Understanding, Management and Monitoring in the Coastal Zone, Final report, August 2012. Marine Resources and Coastal Zone Management Program, Institute of the Environment – University of Balamand.
  • Ghantous, M., Zaarour, N., & Borgi, S. (2012). UNEP - ERML project, Improved Management and Monitoring on the Coastal Zone in Lebanon - Analysis of the Institutional and Legal Frameworks Related to Management and Monitoring of Coastal and Marine Areas, Final report, October 2012.
  • UNEP – CAMP Lebanon project, Final integrated report, 2004. (https://www.pap-thecoastcentre.org/pdfs/CAMP%20Lebanon%20Final%20Report.pdf)
  • Lamy, S., BouAoun, C. (2017). Le littoral, MAJAL, ALBA, Publications de l’Université de Balamand.

 


 [1] فيما يشكّل الشريط الساحلي 8% فقط من الأراضي اللبنانيّة، تتمركز فيه أكبر المدن ويستحوذ على 60% من السكّان (CDR، 2004). و في إطار شريط يبلغ عرضه 500 متر إنطلاقًا من البحر وعلى امتداد الساحل، يشغل العمران 40% من الأراضي و تبقى نسبة 19%  فقط للمواقع الطبيعيّة (شاطئ، تلال، إلخ ...) (DAR-IAURIF, 2005).

[2]  يوثّق تقرير صادر عن وزارة الأشغال العامّة والنّقل عام 2012، 1068 حالة تعدٍّ على الأملاك العامّة البحريّة  تحتلّ مساحة قدرها 2,535,788 متر مربّع من الردميّات والتعدّي على المسطّح المائي و مساحة 306,115 متر مربّع من الإنشاءات والأبنية. وفي دراسة حديثة من إعداد معهد الدراسات البيئيّة في جامعة البلمند، أظهر مسح التغيّرات على الساحل اللبناني أنّ مساحة الردميّات وحدها بلغت 8 ملايين متر مربّع، ما يحتّم نتائج كارثيّة على البيئة البحريّة والثروة السمكيّة (مداخلة د. منال نادر، مدير معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند، في المؤتمر بعنوان "الشاطئ اللبناني والخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية"، نقابة المهندسين في بيروت، 4/12/2017.)

[3]  أقرّت الإتّفاقيّة في برشلونة بتاريخ 10/6/1995 وصادق عليها مجلس النواب اللبناني بموجب القانون رقم 34 تاريخ 16/10/2008.

[4]  بروتوكول للإدارة المتكاملة للمناطق الساحليّة في حوض البحر المتوسّط (Protocol on Integrated Coastal Zone Management in the Mediterranean (ICZM)  الموقّع  في مدريد في 21/01/2008 المنبثق عن التعديلات التي طرأت على إتفاقيّة حماية البيئة البحريّة والمناطق الساحليّة في المتوسّط التي أقرّت في برشلونة في 10/06/1995. إنضمّ لبنان إلى البروتوكول في 18 أيلول 2014 (مرسوم رقم 639) بعد موافقة مجلس النواب في 16/10/2008 ، وقّعه في 1/08/2017 وأصبح نافذًا منذ 31/08/2017.

[5]  حدّدت الأملاك العامّة البحريّة بالقرار 144/S الصادر عن المفوّض السّامي الجنرال سراي في 10/06/1925، وهي "تشمل شاطئ البحر حتّى أبعد مسافة يصل إليها الموج في الشتاء وشطوط الرمل والحصى (...)  والغدران والبحريّات المالحة المتّصلة رأسًا بالبحر والسّدود البحريّة أو النهريّة والمرافئ والفرض البحريّة والخلجان... "

[6]  12 ميلًا بحريًّا.

[7]  مرسوم رقم 639 بتاريخ  18/9/2014 ، المادّة 3.

[8]  مرسوم رقم 639 بتاريخ  18/9/2014 ، المادّة 2.

[9] يكرّس مشروع القانون المادّة 8 فقرة 2 (1) من بروتوكول  ICZM (مرسوم رقم 639 بتاريخ  18/9/2014 )

[10]  مرسوم رقم 8213 صادر في 24/5/2012 (التقييم البيئي الاستراتيجي لمشاريع السياسات والخطط والبرامج في القطاع العام)

  مرسوم رقم 8633 صادر في 7/8/2012 (أصول تقييم الأثر البيئي).

[11]  تفصّل المادّة التاسعة من بروتوكول  ICZM الأنشطة الإقتصادية على اختلافها والتدابير والتوصيات المتعلّقة بها (مرسوم رقم 639/2014) ويستعيدها مشروع القانون المقترح (تشجيع السياحة الساحلية المستدامة، حماية مناطق صيد الأسماك وتربية الأحياء المائية، اعتماد الزراعة المستدامة،  إلخ...).

[12] إلزام الملوّث بالتعويض (Polluter pays).

[13] الوزارات التي لديها صلاحيّات مباشرة بإدارة الشاطئ والمنطقة الساحليّة وفق القوانين المرعيّة الإجراء هي التالية: وزارة الأشغال العامّة والنقل، وزارة البيئة، وزارة الداخلية، وزارة الزراعة، وزارة الطاقة والمياه، وزارة الثقافة. أمّا في بعض الحالات، تتداخل المسؤوليّات والأدوار بين هذه الوزارات ووزارات أخرى حسب المشروع أو الضرورة كوزارة الدفاع، وزارة السياحة، وزارة الصناعة ووزارة الماليّة. (Ghantous, Zaarour, & Borgi, 2012)

[14] المادّة 14 من بروتوكول الـ ICZM (مرسوم رقم 639/2014): " (...) تتخذ الأطراف الإجراءات المناسبة  لضمان المشاركة الملائمة لمختلف الجهات المعنيّة في مراحل صياغة وتنفيذ الاستراتيجيات الساحلية او البحرية (...) وتشمل هذه الجهات ما يلي: - المجتمعات المحلية الجهوية والكيانات العامة المعنية – المشغلون الأقتصاديون – المنظمات غير الحكومية – الجهات الفاعلة الاجتماعية – الجمهور العام المعني."

[15] برنامج إدارة المناطق الساحلية – برنامج الأمم المتحدة للبيئة (Coastal area management program – CAMP, UNEP) -  مشروع رصد الموارد البيئية في لبنان:  تحسين الإدارة والرصد في المنطقة الساحلية في لبنان (ERML - Improved Management and Monitoring on the Coastal Zone in Lebanon).

[16]   يحدد القانون رقم 163/2011 المناطق البحرية اللبنانية تطبيقًا لأحكام إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار المعتمدة في مونتيغو باي في 10/12/1982 والذي ينصّ أنّ "خط الأساس اللبناني قابل للتعديل نتيجة التنامي الإلتحامي لليابسة أو التآكل الذي يتعرّض له الشاطئ اللبناني" (المادة 2) دون تحديد بوضوح متى يجب تغيير هذه الحدود أكانت التغيرات طبيعية أو بفعل أعمال الإنسان (ردم) أم في كلتا الحالتين. (Ghantous, Zaarour, & Borgi, 2012) من جهة أخرى، حددت الأملاك العامة البحرية بالقرار 144/S عام 1925 الذي أيضا فيه بعض الثغرات التي سمحت تأويله في بعض الحالات لاصتصدار مراسيم تشرّع إشغال الشواطئ. أمّا المنطقة الساحليّة بشقّيها البرّي والبحري فلم تحدّد بعد ولا قانون يرعاها حتّى الآن. تقدّمت وزارة البيئة ضمن برنامج إدارة المناطق الساحلية (CAMP) بمشروع قانون، لم تتم مراجعته من قبل البرلمان، يتضمّن تعريف وتحديد للمنطقة الساحليّة بأنّها تشمل المياه الساحليّة (12  ميلًا بحريًا) والأراضي الساحلية أي الأراضي الملاصقة للشاطئ من حدود الأملاك العامّة البحريّة حتّى إرتفاع 250 متر عن سطح البحر. (Ghantous, Zaarour, & Borgi, 2012)

[17]  المخطط التوجيهي العام والتصاميم التفصيليّة لمنطقة الشواطئ الشماليّة (مرسوم رقم 3362 بتاريخ 26/5/1972) والتصميم التوجيهي العام لمنطقة الشواطئ الجنوبية (مرسوم رقم 5450 تاريخ 17/4/1973).

[18] مرسوم رقم 2366 صادر في 20/6/2009.

[19] المادّة 23 من قانون البيئة (رقم 444/2002) تمنع كافّة الأشغال التي تشكّل عائقًا لوصول الجمهور الحر والمجّاني إلى الشاطئ. أيضًا، يكرّس المرسوم رقم 4810 الصادر في 24/6/1966 الذي يضع نظام إشغال الأملاك العامّة البحريّة حق الوصول الحر رغم الترخيص بالإشغال، فينصّ ما يلي: "تبقى الأملاك العامّة البحريّة باستعمال العموم ولا يكتسب عليها لمنفعة أحد أي حق يخوّل إقفالها لمصلحة خاصّة" (المادة 1) ويسمح الإشغال بصورة إستثنائية شرط "ألا يشكّل الإستثمار المطلوب عائقًا لوحدة الشاطئ في حال وجود مساحات يتوجّب إبقاؤها  مفتوحة للعموم".