في مطلع عام 2018، أحالت الحكومة إلى مجلس النواب "مشروع قانون يرمي إلى تسوية مخالفات البناء الحاصلة خلال الفترة الممتدة من 13/9/1971 ولغاية تاريخ 31/12/2016 ضمناً". وقد صوّرت الحكومة هذا المشروع على أنه أداة من شأنها الإسهام في التخفيف من أزمة السكن. وهذا ما نقرأه في الأسباب الموجبة للمشروع: "من أهم أهداف الدولة تخفيف أزمة السكن مما يساهم في حل جزء من مشكلة قوانين الإيجارات، ويخفف عبء تكاليف السكن على المواطن".

 

منتج المخالفات، مُسوّيها؟

يشمل مشروع القانون الذي تمّ إقراره في اللجان النيابية المشتركة في 22/5/2019 تسوية مخالفات البناء الحاصلة لغاية 31/12/2016 ومنها المخالفات التي كانت مشمولة قبل ذلك بقانون تسوية مخالفات البناء رقم 324/94 والصادر عام 1994. ويؤشر اشتمال المشروع على هذه المخالفات إلى قصور القانون السابق عن حلّ المشكلة، بقدر ما يؤشر إلى تراكم قوانين التسويات ومعها المخالفات، في حلقة مفرغة.

فضلاً عن ذلك، يوحي مشروع القانون - زيفاً -  أنه الحل لمخالفات "إرتكبت من قبل بعض تجار البناء والمواطنين في ظل عدم إمكانية أجهزة الدولة مراقبتها". والحقيقة هي أن عددا كبيرا من هذهَ المخالفات لم ترتكب بشكل فردي إنما منهجي من خلال تواطؤ السلطات الرسمية المركزية والمحلية وليس بسبب التقصير في الرقابة عليها. وخير دليل على ذلك هو التعاميم الأربعة[1] التي كان أصدرها وزير الداخلية نهاد المشنوق تباعاً في الأعوام 2014، 2015 و2016 و2017، والتي تسمح لكل لبناني في القرى والبلدات النائية أن يشيّد منزلاً لا تتجاوز مساحته 150 متر مربع2 كما وإضافة طبقة واحدة بالمساحة نفسها على بناء موجود، بعد الحصول على الرخصة من البلدية أو من القائمقام إذا لم تكن في قريته بلدية.

وقد أتت هذه التعاميم لتمنح هذه الجهات إمكانية تجاوز جميع قوانين البناء واتخاذ قرارات تخرج قانوناً عن صلاحياتهما وتعدّ من هذه الوجهة بحكم غير الموجودة. السوريالي لهذه الناحية تحديداً أن المشروع واضح في سياق مواده لناحية وجوب تسوية الأوضاع الناتجة عن رخص صادرة بالطرق غير القانونية "أياً كان المرجع الذي أعطى الموافقة". هكذا، أتاح الوزير المشنوق باب المخالفات على مدى سنوات، ليعود ويشارك في أعمال الحكومة الداعية إلى تسويتها. على أن ما فعله ليس إلا تكريساً لباع طويل في تشريع الزبائنية عبر "تعاميم المخالفة".

وتجدر الإشارة هنا إلى أن تعاميم الوزير المشنوق ليست فريدة، بل أصبحت بحسب تصريح نقيب المهندسين جاد تابت لـ"المفكرة"، بمثابة عُرف في وزارة الداخلية، فـ"كل وزير يأتي، يصدر هكذا تعاميم". ولا علم لدينا بخروج وزير داخلية عن هذا النهج، إلاّ الوزير زياد بارود الذي أصدر تعميماً يحمل الرقم 14780 بتاريخ 25–8–2010 أوقف بموجبه جميع تراخيص البناء الصادرة عن البلديات في المرحلة السابقة خلال فترة توليه للوزارة.

 

الحلقة المفرغة

إذاً من خلال تتبع النصوص المتتالية والمتعلقة بالتسويات، يظهر أن مشروع القانون، إضافة إلى تعاميم الوزير المشنوق ليس إلا دورة جديدة ضمن حلقة مفرغة تتكرر منذ عقود. "تشريع" المخالفات في مرحلة أولى و"تسويتها" في مرحلة أخرى، وذلك من قبل السلطات نفسها أو حتى الأشخاص أنفسهم في بعض الأحيان. في عام 1964، صدر قانون لتسوية أوضاع "الأبنية وأجزاء الأبنية التي تم هيكلتها والتي أُنشئت قبل 20 كانون الثاني 1954 بدون رخصة، أو زيادة عن الرخصة أو خلافاً لها". هذا القانون صدر عن مجلس الوزراء بموجب مرسوم، بعد مرور أكثر من 40 يوماً على إحالته حينها بصيغة "معجّل" إلى مجلس النواب من دون إقراره.

وظلّت التسويات تحصل في ظل إصدار الحكومة مراسيم تشريعية عدة.  فقد صدر في العام 1983 المرسوم رقم 13/83 المتعلق بتسوية أوضاع الأبنية وأجزاء الأبنية المنشأة خلافاً لقوانين وأنظمة البناء بين تاريخ 26/03/1964 وتاريخ 22/03/1985، وتعديله رقم 130/83 بالإضافة إلى المرسوم رقم 42/85 الذي سمح بتسوية أوضاع الأبنية المنشأة من دون الحصول على ترخيص قانوني، شرط أن تكون مطابقة لقانون البناء.

من الملفت للنظر بأن مجموع هذه المراسيم قد أدانتها الأسباب الموجبة للقانون رقم 324/94 المعروف بـ"قانون تسوية مخالفات البناء" والصادر عن مجلس النواب، والذي أشارت إلى أن الحاجة من إقرار القانون تكمن في ضرورة التصدّي إلى "ما نتج عن صدور المرسوم الإشتراعي رقم 13/83 عام 1983 المعدّل بالمرسومين 130/83 و42/85 المتعلق بتسوية مخالفات البناء". والتي أنتجت "مخالفات عديدة... أصبحت تشكل واقعاً في جميع المناطق اللبنانية وتتعلق بعدد كبير من المواطنين، (ما يستدعي) إيجاد حل لها وذلك بإعطاء المخالف الخيار بين هدمها أو الإبقاء عليها وتسويتها مقابل غرامة، شرط أن تكون (المخالفة) في ملكه الخاص".

وتبعاً لذلك، سهّل القانون 324/94 التسوية بعدما اعتمد صيغتين لها: واحدة تمر بعدد من المؤسسات المخوّلة تطبيق قانون البناء لا سيما "التنظيم المدني" واللجان المنشأة في المناطق لتطبيق القانون، وصيغة ثانية، هي التي تنص عليها المادة 4 من القانون وتتيح للمخالفين تسوية أوضاعهم عبر مجلس الوزراء مقابل دفع غراماتهم بأضعاف قيمتها الأساسية. تتم التسوية هنا إذاً بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الأشغال العامة. وليس معروفاً عدد التسويات الصادرة عن الحكومة بناءً على هذه المادة، غير أننا تمكنّا من الإطلاع على 15 تسوية صادرة بهذه الطريقة بين عامي 2002 و2008 في العديد من المناطق وبوتيرة تسويتين إلى ثلاث سنوياً.

مثل آخر عن التسويات هو ما صدر عام 1998 حين تم تعديل المادة الخامسة من القانون 324/94، بموجب القانون رقم 683، وهي تتعلق بتحوير وجهة إستعمال المرآب او الملجأ. السبب الموجب للتعديل هو قصور القانون 324/94 عن حل مئات المشاكل العالقة بين تجار الأبنية المخالفين والمواطنين الذين اشتروا شققهم السكنية ومحلاتهم التجارية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية بهدف ايجاد حل للعديد من المشاكل السكنية والاجتماعية والاقتصادية. بالطبع التعديل لم يقدّم أيّ حلّ طويل الأمد لهذه المشاكل.

هكذا، وفي عام 2002 عاد المشرّع وأدخل تعديلاً جديداً على القانون 324/94، معتبراَ وفقاً لما جاء في الأسباب الموجبة للتعديل أن "فترة الستة أشهر (المعطاة لإزالة المخالفات، والمحددة في المادة 4) كانت قصيرة ولم يعد هناك خيار قانوني لإزالة المخالفات من دون تسويتها، وحيث أن عدداً كبيراً من المواطنين، يرغب بإزالة المخالفات وليس تسويتها والإبقاء عليها. وحيث أن المصلحة العامة هي في إزالة المخالفات وليس في الإبقاء عليها وتسويتها لقاء بدل مادي". بناءً على هذا التعديل بات ممكناً إزالة المخالفة على نفقتهم ومسؤوليتهم خلال فترة سنة من تاريخ صدور هذا القانون دون دفع أي رسوم أو غرامات". ويرمي هذ التعديل إلى إعفاء الراغبين في إزالة المخالفات من الغرامات والرسوم.

تدفع التسوية التي يطرحها هذا التعديل، والقصد هنا التسوية القائمة على التنازل من قبل الدولة لمصلحة المخالف، إلى الإستنتاج أن القانون 324/94 لم يحدث غاياته لا لناحية التعامل مع آثار المراسيم السابقة عليه من تراكم مخالفات البناء، ولا لناحية حل المشاكل السكنية والاجتماعية والاقتصادية. في المقابل، هناك ما يستحق التوقف أمامه لناحية الأسباب الموجبة لتعديل عام 2002، وهو الإيحاء بكون المخالفين يمتنعون عن حل المخالفات – بهدم منازلهم مثلاً – فقط لأنهم لا يريدون دفع الغرامات.

ويبدو أن هذا التعديل لم يؤدّ إلى حلّ إشكالية الأبنية المخالفة. وخير دليل على ذلك هو أن المجلس النيابي عاد وأقرّ في عام 2008، أي بعد 6 سنوات من تعديل المادة 4، القانون رقم 60 تاريخ: 27/12/2008، بناء على اقتراح النائب محمد قباني، بهدف التغطية على تخطي محافظ بيروت لصلاحياته وإعفاء المواطنين من الغرامات المتوجبة على تسوية مخالفات البناء من دون نص قانوني يسمح له بذلك. وهو ما يعني أنه بعد 6 سنوات على الإعفاء من الغرامات بالنسبة للراغبين بالهدم، استجدّت الحاجة للإعفاء من الغرامات المتوجبة على الذين يرغبون في تسوية المخالفات.

لا يمكن تفسير ذلك إلا بأمر من إثنين وإلا الإثنين معاً: إستمرار منح رخص بناء مخالفة للقانون، وهو ما يؤكده نقيب المهندسين لناحية تعاميم وزراء الداخلية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية عدم تطبيق قوانين التسويات بشكل جدي.

أبعد من ذلك، تشكّل الأسباب الموجبة لإقتراح قباني تعبيراً فاضحاً عن المنطق الزبائني الذي تبنى فيه حلقة المخالفات والتسويات. فالنائب المنتمي إلى تيار المستقبل ذي الشعبية الواسعة في العاصمة بيروت، برّر إقتراح قانونه بكون محافظ بيروت أعفى تسويات البناء في العاصمة بنسبة 90% من قيمة الغرامة المتوجبة مستنداً على القانون رقم 41/2008 المتعلق (حصراً) بالغرامات على متأخرات رسوم البلدية. بناءً عليه تم تعديل القانون 41/2008 حتى يشمل مخالفات البناء، ويشرّع الإعفاءات التي حصلت خلافاً لأي قانون، وقيمتها 90% من الغرامة المتوجّبة لتسوية المخالفة.

هكذا بقي دور السلطة في إنشاء المخالفات وتفشيها قابلاً للإستنتاج من خلال وتيرة إصدارها لقوانين التسويات والتعديلات عليها، ومضامينها. أمر تبدّل خلال السنوات العشر الأخيرة، بعدما أصبح دور وزراء الداخلية المتعاقبين واضحاً على صعيد تشريع المخالفات. وقد صدر عام 2013 التعميم رقم 33 عن رئاسة مجلس الوزراء، يظهر بوضوح توسّع المشكلة عبر السنوات. جاء هذا التعميم بهدف إلزام وزير الداخلية والبلديات مروان شربل بإلغاء تعاميم تسمح بمنح رخص بناء خلافاً للقانون. وكان الأخير قد أصدر تعميماً رقمه 483 بتاريخ 2013/5/30، أعاد بموجبه لرؤساء البلديات والقائمقامين الحق في إعطاء التراخيص للأبنية السكنية في الأرياف بمساحة لا تتعدى 150 متراً مربعاً، ضمن بعض الشروط والمستلزمات، بهدف تخفيف إحتقان شعبي شهدته وقتها منطقة عكار. وكان ذلك الاحتقان ظهر على شكل سلسلة اعتراضات وتظاهرات طالبت بإعادة العمل بتراخيص البناء التي كانت معطاة للبلديات. وكان التعميم رقم 33 واضحاً في أسبابه الموجبة لناحية الأثر الخطير للإعفاءات والتسويات حيث بررت رئاسة الحكومة تعميمها بـ"تكاثر ظاهرة المخالفات والتعدّيات، وبعد أن قامت بعض البلديات بإصدار تراخيص وتصاريح بناء خلافاً للقوانين المرعية الإجراء وأنظمة المناطق، مما سبب فوضى عمرانية وانتشار أبنية مخالفة لا تراعي شروط السلامة العامة وحقوق الملكية".

 

بالنتيجة وبعد كل ما تقدّم، الواقع الآن هو أننا أمام فصل جديد من التسويات عبر تحميل المواطنين ثمناً مالياً يتمثّل بإلزامهم دفع غرامات ورسوم مضاعفة، من دون تقديم أي حل أو تحسين على صعيد ظروف السكن للمواطن، أو تأمين أي دعم لحصوله على هذا الحق.

على العكس من ذلك، لا يعطي مشروع القانون المطروح حالياً التنظيم المدني إلا صلاحية إستقبال تصريحات المخالفات[2]، بحيث يحّول هذه المؤسسة إلى مجرد قلم لتسجيل هذه التصريحات من دون أي صلاحية للبت بإمكانية رفض تسويتها حيث يقبل المشروع التسويات على جميع أشكال المخالفات، ما دامت المخالفة على عقار يملكه المخالف. ويتضمّن المشروع بنداً يسمح بتوسيع إطار تطبيقه في حال إقراره على جميع أشكال التسويات. هذا البند يحمل عنوان: "مخالفات أخرى"[3] حيث يترتب على المخالف الذي أقدم على أي مخالفة غير المذكورة تحديداً في القانون – أي عوامل الإستثمار والرخص – أن يدفع 10 أضعاف رسوم معاملات الترخيص القانوني.

 

مشروع جباية؟

بات واضحاً في ظل المسار المتقن من مراكمة المخالفات أن الغاية الأساسية تتمثل في جباية أكبر قدر ممكن من الأموال. فالحكومة عندما تدفع في اتجاه تسوية أوضاع البناء المخالف، إنما يتمّ ذلك مقابل تسديد المواطن لقيمة الرسوم التي كان سيتحملها لو التزم بالقانون مضاعفة، أي أنها تتيح له أن يخالف القانون والبناء من دون أداء الرسوم اللازمة، ثم تعود وتجني منه هذه الرسوم مضاعفةً. وهنا المسألة معلومة، لا حماية للمواطن إلا بالدفع أو الإصطفاف. تعبّر الحكومة بوضوح ضمن الأسباب الموجبة أن "معظم المخالفات باتت أمراً واقعاً وإزالتها مستحيلة"، وهي بذلك تعلم تمام العلم أن القانون لن ينفذ لناحية إزالة المخالفات مع ما يستتبعه ذلك من حلّ متوقّع لأزمة إجتماعية أو سكنية. على العكس من ذلك، كل ما سينتجه القانون هو جباية للأموال من غرامات ورسوم مضاعفة. ويأتي في الأسباب الموجبة أن "عدم إستكمال تسجيل الأبنية لدى الدوائر العقارية بالتالي بقاءها مكتومة لدى الإدراة الضريبية يؤدي إلى حرمان خزينة الدولة من استكمال استيفاء الرسوم العقارية، ويحول دون استيفاء الإدارة الضريبية لرسوم وضرائب سنوية مستمرة هي بأمس الحاجة إليها". فضلاً عن ذلك، فإن الرسوم والغرامات المقترحة عن المخالفة تشكل موارد إضافية طيلة مدة العمل بالقانون". والأدهى يبقى أن هذه الأموال لن تصب في أي خانة متصلة بإيجاد حلول لأزمة السكن، إنما توزّع "30% للبلديات و70% للخزينة العامة"[4].

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 60 |  حزيران 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 منحة السكن ومحنته


[1] -الأوّل ورقمه 613 صدر بتاريخ 5/5/2014، الثاني ورقمه 770 صدر بتاريخ 9/10/2015، الثالث ورقمه 735 صدر بتاريخ 28/7/201، (رقمه غير مذكور)

[2]  المادة 8 من مشروع القانون

[3] المادة 4(2)

[4] المادة 18