جاء الإعتداء على الموكلة بمهمة الدفاع عن الناشطين في مجال حقوق الإنسان رضى عازار، وهي عضوة في "الهيئة الوطنية لحقوق الانسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب"، أسرع من تأمين الموازنة اللازمة لبدء الهيئة مهماتها بعد عام كامل على تعيين أعضائها في حزيران 2018. ولو كانت الدولة اللبنانية قد أمنت موازنة تمكن الهيئة من مباشرة عملها لربما كانت قضية عازار، التي اعتدى عليها عنصر من سرية حرس رئاسة مجلس الوزراء في محيط السرايا الحكومية بتاريخ 12/6/2019، من أبرز قضاياها.

حصانة عازار التي تتمتع بها من مجلس النواب ووفق القانون 62/2016 لم تحمِها من الإعتداء و"ولم تردع الأجهزة الأمنية والقضاء من استدعائها وإرغامها على سحب دعواها والتخلي عن حماية القانون"، وفق ما قال رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر. وتوجه الأسمر إلى الرؤساء الثلاثة بالقول "أن الإستهتار بالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان وإستدعاء أحد أعضائها وتهديده بالسجن هو إستهتار وإهانة موصوفة موجهة لهم ولمجلس النواب ومجلس الوزراء الذي منح هؤلاء الأعضاء الحصانة والحماية، ولكننا في بلد يعتبر فيه بعض الأجهزة والأفراد أنهم أقوى من الدولة."

كلام أسمر ورد في المؤتمر الصحافي الذي عقده المركز يوم الجمعة في 28/6/2019 حرصاً على "أهمیة الدفاع عن حق كل فرد بعدم التعرض لأي نوع من الإعتداء، وعلى ضرورة المحاسبة من دون أي غطاء سیاسي أو إفلات من العقاب"، كما ورد في الدعوة للمؤتمر.


 

ولكن ماذا حصل مع عازار؟ وكيف تحوّلت الضحية الى معتدية؟

قصدت عازار، ووفق ما روت لل "المفكرة"، مقر سفارة الإتحاد الأوروبي الواقع أمام المبنى الذي يقع في محيط السرايا الحكومية وبيت الوسط. عند المدخل، منعها العنصر الأمني من الدخول بذريعة عدم ورود اسمها على لائحة المصرّح عنهم للسماح لهم بالدخول. حاولت عازار الإتصال بأحد الأشخاص داخل السفارة فحصل تلاسن بينها وبين عنصر الأمن نفسه. بعد ذلك، اعتدى العنصر على شخص كان برفقة عازار في السيارة. وعندما حاولت الأخيرة التدخل صفعها بقبضته على وجهها. أدت الصفعة إلى إصابتها بأكثر من كسر في أنفها وفق تقريرين لطبيبين شرعيين عاينها أحدهما إثر نقلها إلى مستشفى كليمنصو الطبي، فيما كشف عليها الثاني بعد أسبوع من تعرضها للضرب. كما أصيبت بنزيف حاد خسرت على إثره وحدتين إلى ثلاث وحدات من دمها، وفق ما نقلت عازار عن تقرير المستشفى.

بعد أسبوعين على الإعتداء على عازار، "تم تحويل الضحية إلى متهم" (والمقصود ان العنصر الأمني بادر إلى تقديم شكوى ضدها على خلفية معاملته بالشدة)، وفق ما قال الأسمر في المؤتمر الصحافي، حيث استدعيت إلى التحقيق وأرغمت بعد 5 ساعات على سحب دعواها". وقال أنه "بدل التحقيق في ما حصل يلجؤون إلى رفع دعوى في المقابل ومقايضة الدعوى بدعوى". وهذا مع الإشارة إلى أن قانون الهيئة الوطنية لحقوق الانسان يمنع إقامة الدعاوى الجزائية بحق أعضائها أو اتخاذ أي اجراء جزائي بحقهم إلا بإذن مسبق من الهيئة (المادة 9 من القانون رقم 62/2016). إلا أن النيابة العامة العسكرية لم تتوقف أمام هذه الحصانة بل حققت مع العضوة خلافاً للقانون.

وتوقع الأسمر أنه "سوف يخرج الكثير من الكلام للدفاع عن المعتدي وتبرير فعلته، وربما ستخرج أفلام تظهر أن رضا عازار تعاملت معه بشدة، ولكن الوقائع واضحة: عنصر مكلف بحماية النظام، اعتدى عليها جسدياً وبالضرب المبرح وغير المبرر، بينما كان بإمكانه استخدام القانون وتوقيفها إن اعتبر أنها خالفت القانون". وذكّر الأسمر ب "الإعتداء الوحشي الذي تعرض له أحد الصحافيين في دار الفتوى منذ بضع سنوات من قبل عناصر حرس رئاسة الحكومة أنفسهم"، ليسأل "هل هذا فوج قوى أمنية أم قبضايات أحياء؟"

وبعدما اعتبر أن التناسب في الرد غير موجود أبداً، رأى أن "ما حصل يظهر بوضوح غياب تام لأي قيادة لهذه العناصر". وعليه طالب أن يتم فتح تحقيق جدي ومستقل في كل حالة إعتداء من قبل عنصر أمني على مواطنة أو مواطن، وأن تتم المعاقبة المسلكية للعنصر ولرئيس حرس مجلس الوزراء بما يتناسب مع الخطأ المرتكب، وأن تتخذ وزارة الداخلية ورئاسة مجلس الوزراء قرارا واضحا بعدم تغطية أي تصرف من هذا النوع، وأن يطلب وزير العدل من التفتيش القضائي إجراء تحقيق جدي في أسباب إحالة الملف إلى قاضية (والمقصود هنا هو النائب العام) يقال أنها لم تكن مناوبة وعن أسباب استدعاء عضوة في هيئة وطنية تتمتع بحصانة شاملة للتحقيق، وأخيرا التحقيق مع الطبيب الشرعي الذي كتب التقرير الأول وأعطى رضى عازار أقل من 10 أيام راحة لحرمانها من حقها بالتقاضي (والمقصود هنا امكانية إسقاط الدعوى العامة في حال حصول إسقاط شخصي)."


 

"صدمة أقوى من غوانتانامو"

لم تكن تتخيل عازار، وفق ما قالت للمفكرة، أن يتم تحويلها من ضحية إلى معتدية عبر "إقتطاع الفيديو من كاميرات المراقبة الذي يوثق إعتداء العنصر الوحشي"، واعتماد المشهد الذي يظهرها بحالة إنفعال. كما لم تتوقع "إعتبار المعنيين بمقر الإتحاد الأوروبي أن ما حصل معها حادث فردي وإن حصل الإعتداء أمام مدخل السفارة"، وفق ما أبلغوها عندما تواصلت معهم لدعمها في ما حصل معها.

عازار نقلت إثر الإعتداء عليها إلى مركز كليمنصو الطبي وهي بحالة صدمة، هي التي سبق ودخلت إلى "سجن غوانتنامو، وتحاصرت بالسودان، وانسحب علي أسلحة، ما انصدمت متل ما انصدمت من بعد ما حصل معي". وتضيف "حاول شخص عرّف عن نفسه بأنه رئيس أمن بيت الوسط (بيت الرئيس سعد الحريري) طمأنتي بأن نفقات العلاج ستكون على حسابهم، وكأن ما كنت أنتظره هو فحوصات وعلاج مجاني".

والجدير بالذكر إنه لم يحضر طبيب شرعي من أجل معاينة عازار، إلا بعدما طلبته على نفقتها الخاصة بعد مضي عدة ساعات على الحادث، وفق ما قالت. وهذا لم يكن لصالحها، حيث "أن الطبيب الذي جاء من أجل كتابة التقرير كان مقرّبا من العناصر الأمنية، لأن التقرير الذي كتبه كان منحازا وأسقط قضية الحق العام، بموجب إعطائها أسبوعاً واحداً فقط تعطيل عن العمل"، كما أكدت عازار.

وبعد أسبوع على الحادث، إنتبهت عازار لهذه الثغرة فلجأت إلى طبيب شرعي آخر أكد لها أن ما تعرضت له "يستوجب أسبوعي راحة في الحد الأدنى، إلا أن ما قام به الطبيب الشرعي الأول لم يكن وليد الصدفة"، كما ترى.

أما خلال التحقيق معها، تشير عازار إلى أنه لم يسمح لها مقابلة محام حين تم التحقيق معها، مشيرة إلى أن الأمر انتهى بالاستناد إلى تقرير الطبيب الشرعي الأول (قال بحاجتها لأسبوع راحة وليس عشرة أيام) لضمان سقوط الحق العام، "في مؤامرة من أجل تجريدها من أي سلاح تدافع به عن حقها بوجه المعتدي". وقد انتهى التحقيق إلى ممارسة ضغوط عليها للتنازل عن حقها بخصوص الاعتداء الحاصل عليها، لقاء تنازل العنصر الأمني عن شكواه التي كان سارع بتقديمها ضدها على خلفية معاملته بالشدة.

وتؤكد عازار أن ما حصل معها "لا يمكن حصره على الصعيد الشخصي لأنه يمس حقوق الإنسان على صعيد لبنان". وفي الختام دعت عازار كافة المنظمات اللبنانية والدولية إلى تدارك ما حصل معها، لأن هذه الخروقات والإعتداءات ليست الأولى، وأن الأمر لم يعد شخصياً بل هو "تطاول وإنتقاص من حقوق اللبنانيين كافة".