في سياق مجابهة تحوّل معظم أحياء بيروت الإدارية إلى أحياءٍ طاردةٍ للمستضعفين بفعل المضاربة العقارية والتغيرات الأساسية التي أدخلت على قانون الإيجار السكني، ذهبت بعض الأدبيات الحديثة إلى اقتراح حلول لتمكين هؤلاء من البقاء أو إيجاد سكن في هذه الأحياء عبر إنشاء تعاونيات سكنية أو اعتماد مفاهيم بديلة دامجة للملكية العقارية، إلخ (Fawaz et al, 2018). في حين تمثل هكذا مقترحات التوجه الأنسب للدعم الاجتماعي للسكن وتفعيل دور السياسات العامة الغائبة إلى حد الآن، تظهر في الوقت نفسه طرق للمساعدة الذاتية (self-help)، فردية وجماعية، تنتج حلولاً قد تكون وحدها الممكنة في ظل انعدام الأفق أمام أي حلول أخرى. ولا تسري هذه الحلول فقط على سكان الأحياء الوسطية ولكن أيضاً العشوائيات والمخيّمات والتجمعات السكنية على أطراف بيروت (Fawaz ; 2009a, b) التي تستقطب القسم الأكبر من الطلب على السكن الميسّر[1].

يُظهر النسيج السكني لبيروت الإدارية، حتى الآن أحياء ليست فقط خارج آثار المضاربة العقارية بل منتجة، أيضاً وبمقاييس مختلفة، للسكن الميسّر وبخاصة العمالي منه. وتتوزّع أكثرية هذه الأحياء في مثلث يبدأ من خندق الغميق وزقاق البلاط، على بعد أمتار من مركز المدينة ذي الريوع العقارية الأعلى في بيروت، وينتهي بطريق الجديدة شاملاً رأس النبع وحي اللجا وأحياء أخرى. في المقابل، تعرف هذه المناطق بنزعة مناطقية عالية (territoriality) اجتماعياً و/أو سياسياً وتظل عرضةً لحديث وصم حَضري (urban stigmatization) من قبل سكان المدينة يضعها بشكل ممنهج في خانة "غير الطبيعي" المقصي من الصورة النمطية "الطبيعية" للمدينة (Tyler & slater, 2018).

يهدف هذا المقال إلى فهم حيثيات إنتاج السكن الميسّر في تلك الأحياء ودور الانقسامات والنزعات المناطقية في هذا الخصوص؛ والأهم من ذلك، كيف يظهر هذا النسيج مجابهاً إلى حدٍّ مهم لعملية الارتقاء الاجتماعي للنسيج السكني (gentrification) الناتجة عن المضاربة العقارية ولماذا؟

فبالرغم من حديث الوصم السلبي بحقها، لا تزال هذه الأحياء تجذب شريحة مهمة من السكان وذلك بسبب بدل الإشغال الضئيل جداً. ففي حين تقع هذه الأحياء في مناطق مركزية ذات "ريع عقاري محتمل[2]" (Potential ground rent) عال جداً، يبقى ريعها العقاري الحقيقي[3] (ACTUAL GROUND RENT) ضئيلاً جداً مقارنةً بالأحياء المحيطة والتي تدخل في الصورة النمطية للمدينة والسوق العقاري (Slater, 2016 ; Krijnen, 2018). وُجد تحليل التغير الحضري من خلال مقابلة الريع العقاري الحقيقي مع المحتمل، مع نظرية الفرق الريعي (rent-gap theory) التي توضح كيف تتدهور الأحياء المركزية وتصبح مناطق سكنية للفقراء والعمال بفعل الريع العقاري الحقيقي الضئيل، قبل أن تتعرض بفعل الريع العقاري المحتمل العالي والمغري لعمليات المضاربة العقارية إلى تغيير باتجاه الارتقاء الاجتماعي (Smith, 1979a, b ; Slater, 2016 ; Clark, 1995).

ولكن كيف يمكن قراءة هذه النظرية في مدينة بيروت التي تعاني من الانقسامات والنزعات المناطقية ولها ازدواجيتها في فهم المركزية الحضرية[4] واعتمادها، والتي هي العامل الأساس في تحديد الريوع العقارية؟

 

خندق الغميق كدراسة حالة

لفهم أثر الانقسامات والنزعات المناطقية الموجودة في بيروت على تحديد الريوع العقارية الحقيقية والمحتملة وبالتالي على الوصول للسكن الميسّر، اختارت هذه الدراسة خندق الغميق، الحي الذي يقع على التخوم الجنوبية لوسط المدينة (figure, 01)  في الباشورة.

  • يعتبر خندق الغميق ومنذ بدايات القرن العشرين، حياً سكنياً لمختلف الشرائح العمالية التي تعمل في الوسط والأحياء القريبة (Fischfisch, 2010)؛
  • يعرف الخندق بأنه حي شبه وسطي (peri-central) له علاقة تاريخية متممة لمركز المدينة، ولكن في الوقت نفسه متقلبة وشائكة؛
  • يعرف خندق الغميق حالياً بنزعة مناطقية قوية (Rustom, 2013; Kastrissianakis, 2012) ما يُمَكّن من دراسة ارتباط هذه الظاهرة بعملية إنتاج السكن الميسّر. كما أنه عرضة لوصم مدني يؤثر على طبيعة حركة العرض والطلب السكني الموجودة هناك؛
  • أخيراً والأهم، أطلق الفرق الريعي الموجود حالياً في هذا الحي فعلياً عملية تغيير جذري وارتقاء اجتماعي من جهته الشمالية الشرقية حيث يقع (Beirut Digital District, BDD) وملحقاته (Whiting, 2012) . وبالتالي، فهم كيفية تطور هذه الظاهرة بنسيج حضري كخندق الغميق يُمَكّن ليس فقط من اختبار حدود نظرية فرق الريع ولكن أيضاً استعراض توسيع نطاقها لفهم تغيرات حضرية أخرى.

 

التكوين الحضري للسكن الميسّر في خندق الغميق

يمكن تمييز أربع حقبات أفضت إلى أنواع مختلفة من إنتاج السكن الميسّر وطبيعة إشغاله في الحي.

أولاً، مع ازدهار حركة مرفأ بيروت في بداية القرن العشرين وتنوّع النشاط الاقتصادي والاجتماعي في مركز المدينة، بدأ ظهور السكن العمالي الذي كان فقط متواجداً في المركز في الأحياء الوسطية التي تقع على طريق الشام ـ الصيفي من جهة الشرق وخندق الغميق من الغرب والتي كانت تحوي الخدمات اللوجستية للمرفأ المتعلقة بالنقل البري باتجاه مدينة دمشق (Kassir, 2005).

شكّل هذا السكن الذي كان على شاكلة غرف، جزءاً مهماً من السوق العقاري، النظامي وغير النظامي وقتها، حيث أنه في العام 1927، كانت 17,75% (Fischfisch, 2010; p,167) من العمليات العقارية على صعيد المدينة تتصل ببيع غرف مخصصة للسكن العمالي. حفّز هذا السوق المالكين في الأحياء الوسطية على تقسيم بيوتهم العثمانية الطراز إلى غرف وإلى إضافة غرف على العمارات أو في حدائق المنازل وبناء عدد منها على أراضٍ فارغة من دون تراخيص أو إفرازات، مدفوعين بالريوع العقارية المحتملة من جرّاء توفير هذا النوع من السكن.

لاحقا،ً في فترة ما بعد الاستقلال، وفي ظل ترسيخ الزعامات الاجتماعية في النظام السياسي العام للبنان المبني على التوازنات ما بين المكوّنات الطائفية، ظهر عامل توفير السكن لمختلف الطبقات الريفية الفقيرة القادمة لبيروت كجزء من عامل الترسيخ المكاني لهذه الزعامات. ففي خندق الغميق، سهلت العائلات المالكة من الطائفة الشيعية، منها عائلة بيضون مثلاً[5]، وصول عائلات فقيرة شيعية مهاجرة من الريف وسكنها في خندق الغميق وحي اللجا (salim, 1985). شغلت تلك العائلات مختلف الوظائف الهشة من عتّالين (حمّالين) في المرفأ والأسواق المحيطة إلى عمال في البلدية وفي سوق النجارة الذي كان على طول طريق خندق الغميق وفي مختلف المطابع التي كانت تنتشر في الحي. استثمرت هذه العائلات بدايةً الأحواش[6] التي تعرف حتى الآن باسم العائلة المالكة (figure, 01)، حيث أُجِّرت كل طبقة أو غرفة من المنازل لعائلة واحدة مع ترك الطبقة العليا في بعض الأحيان للمالكين. وكان الإيجار زهيداً بالنسبة للمعدل وأحياناً بعض العائلات كانت تسكن بلا مقابل كشكل من أنواع التعاضد الاجتماعي.

لاحقاً، أنتجت الحرب الأهلية نوعين من الطبقة الفقيرة بحاجة إلى سكن ميسّر. أولاً، المهجّرين من أحياء أخرى الذين سيشغلون في الأغلب الشقق والمباني التي بدورها هجّر أهلها منها. وتركّزت تلك الإشغالات في القسم الذي كان معروفاً بـ"حي السريان" إذ كان مسكوناً في الأغلب من عائلات مسيحية وأصبح يعرف لاحقاً بالنبعة الأهلية إذ سكنه على طريقة الاحتلال[7] مهجّرون قادمون من النبعة في برج حمود (Rustom, 2013). النوع الثاني، هي الطبقة الوسطى التي أُفقِرت بفعل تدمير مركز المدينة الذي كان يشكّل مع خندق الغميق وأحياء وسطية أخرى ديناميّة حضرية واحدة[8]. هذه الطبقة، من التجار والموظفين الذين كانوا يعملون أو يعتمد نشاطهم على مركز المدينة، خسرت مدخولها ولكن بقيت في الحي إذ كان أغلبها مستأجراً لمنزله حسب قانون 1941 للإيجارات الذي يحمي المستأجر ويثبت قيمة الإيجار التي أصبحت زهيدة جداً بسبب سقوط قيمة الليرة اللبنانية خلال الحرب الأهلية (beGdachE et al, 2017).

أخيراً، تنامى سوق العقار في سنيّ ما بعد الحرب وأصبح محركاً للاقتصاد اللبناني، مرتبطاً بشكل وثيق بتدفق الأموال الخارجية على لبنان (Marot, 2018). ازداد الطلب على اليد العاملة الأجنبية، السورية منها عملت في البناء، الأفريقية والآسيوية في الوظائف الهشة في قطاعات مختلفة. وبقي خندق الغميق خارج تأثير المضاربة العقارية، ولكن رافق احتياج المدينة للسكن العمالي[9]. خُصصت أبنية بأكملها للعمال، وأصبح جزء من الأحواش أيضاً يؤجّر للعمال من قبل الملاكين مباشرة أو من قبل المستأجرين اللبنانيين، وأضيفت بعض من العمارة التنكية في الأحواش والفسحات قرب المنازل، واستثمرت بعض المحلات في الطبقات الأرضية أيضاً كسكن عمالي. وحالياً يشكل هذا الأخير حوالي ٨٪ إلى ١٠٪ من مساحة العمارة في خندق الغميق.

 

أثر النزعة المناطقية والوصم المدني على الريوع العقارية

يعكس المشهد الحالي لخندق الغميق تقاطع الهوية السياسية مع التهميش الاجتماعي والمكاني مشجعاً بذلك تنامي النزعة المناطقية[10]. قوبل ذلك بحديث وصم من قبل سكان المدينة[11] واصفين الحي ببؤرة للانحطاط الاجتماعي والمكاني. أثّرت هذه السمعة السلبية على طبيعة الحركة السكانية محفزةً بالتالي خروج الطبقة الوسطى قدر الممكن ودخول الطبقة المهمشة خصوصاً العمال[12]. بكلمات أخرى، تؤثر هذه الظواهر الاجتماعية، أولاً، على الريوع العقارية الحقيقية بإبقائها منخفضة (في كل من التملك والايجار المنظم وغير المنظم)، وثانياً، تُظهر نوعاً مختلفاً من الريوع العقارية المحتملة مفترضةً بذلك تغييراً حضرياً يتعدى عملية الارتقاء الاجتماعي.

أولا، تبقى أسعار الإيجارات الموقعة حديثاً في هذا الحي دون مستوى الإيجارات في الأحياء المجاورة وذات الصفات المكانية والحضرية المشابهة. يساهم عاملان في ذلك: أثر الوصم المدني والتعاضد الاجتماعي. فكما يوضح سمسار عقاري، "لا يتمتع الحي بجاذبية سكانية للكثير من سكان بيروت بسبب سمعته السياسية والاجتماعية" مما ينعكس، في دينامية كلاسيكية للعرض والطلب، على أسعار الإيجارات. تقع أغلبية الشقق المؤجرة حسب قانون 1992 بقسم الزهراوي (Figure, 01) حيث شيدت معظم الأبنية في فترة الثمانينيّات بمعدل ثماني إلى تسعة طبقات[13]. ويتراوح معدل الإيجار للشقة بين 550 و600 دولار في حين تؤجر في الأحياء الملاصقة شقة بالمواصفات نفسها بـ900 أو 1000 دولار[14]. ويؤثّر عامل ثانٍ على أسعار الإيجارات في خندق الغميق ألا وهو التعاضد الاجتماعي. وكما يصف مالك في الحي العلاقات بين القاطنين فيه: "لماذا أطلب منه أكثر حين أعلم أنه ليس بمقدوره الدفع وأنه سوف يضطر إلى مغادرة الحي باتجاه الضواحي البعيدة إذا طالبته ببدل إيجار أعلى". واستطاع الجيلان الثاني والثالث من المهاجرين الشيعة من الريف الذين تمركزوا في الأحياء الوسطية أن يستملكا في الحي. فالملكية هي ختام مسار الاستقرار الحضري للمهاجرين من الريف ونوع من رفض نبذهم "كريفيي النسيج الحَضري" Harb, 2006)). يُولد هذا الشعور نوعاً من التعاضد الاجتماعي ما بين أبناء هذا الجيل من أجل السماح "للمشابه" بالبقاء أيضاً في المدينة.

من حيث أسعار التملك، تبين احصائيات الصادرة عن شركة رامكو (2017) كيف أن أسعار خندق الغميق تمثل أسفل سُلَّم الأسعار العقارية في المدينة. علاوة على ذلك، تُظهر أن الأسعار المتدنيّة تتوزّع في المثلث الذي يبدأ بخندق الغميق وينتهي بطريق الجديدة. تنتشر في هذا المثلث كثرةٌ من الأحياء الموصومة والمعروفة بدرجات مختلفة من النزعة المناطقية (Kastrissianakis, 2012). إذا قوبلت هذه الإحصائية بالخريطة التي تبين الكثافة الأعلى للإيجارات القديمة في بيروت (figure, 03; beGdachE et al, 2017)، نتبين تطابقاً كبيراً. يدعونا ذلك بالتالي إلى التساؤل: إلى أي حد أسهمت النزعات المناطقية في حماية ليس فقط الإيجارات القديمة ولكن أيضاً كل النسيج الحضري الذي يحتويها من المضاربة العقارية مؤمّنةً بذلك السكن الميسّر للطبقات الفقيرة وبأشكال مختلفة تتعدى حيثية الإيجارات القديمة[15].

يشجع تزايد النزعة المناطقية الحوكمة الحضرية غير المنظمة (hallaj, 2018) حيث تصبح مختلف النشاطات الاقتصادية جزءاً من الاقتصاد العشوائي الذي يسهّل حتماً وصول الطبقة الفقيرة إلى الموارد ومنها السكن العمالي ولكن يشكل أيضاً مصدر ريوع للذين يساهمون في إحكام هذه النزعة المناطقية وبالتالي إدارة هذه النشاطات الاقتصادية، مباشرة أو غير مباشرة.

(figure, 02)

 

يعتبر السكن العمالي بصورته الحالية[16] قطاعاً مربحاً، فهو يقدّم ريعاً عقارياً محتملاً قريباً جداً من الريع العقاري المحتمل للسوق العقاري المنظم (figure, 02). ومن شأن هذا الأمر أن يشكل حافزاً لتحويل المأجور من قبل المالك أو المستأجر إلى سكن عمالي وذلك بطريقة غير نظامية طبعاً (informal). شوهد هذا التحول في العقارات التي كانت مؤجرة نظامياً حسب قانون 1992 والتي تدخل حالياً تدريجياً، بفعل تحويل العقار إلى سكن عمالي، في القطاع غير المنظم للسكن. الحالة الثانية هي العقارات المؤجرة حسب قانون 1941 التي يحولها المستأجر بطريقة غير نظامية إلى سكن عمالي[17]. هذا ما يفسر لماذا يُخصص خندق الغميق وغيره أكثر فأكثر للسكن العمالي الذي وإن كان متواجداً في الحي منذ بداية القرن، إلاّ أنّه لم تكن تكرّس له أبنية بأكملها وكان النسيج العام مختلطاً اجتماعياً. واليوم يعتبر عدد الأبنية المخصصة للعمال مرشحاً للصعود إذ أنه ومنذ بدء هذا البحث في عام 2014 ارتفع عدد هذه المباني. كما لوحظ أن جملة من النشاطات الاقتصادية رافقت هذا التغيير فنشأت المحال التجارية التي تقدّم خدمات للعمال من بضائع وتحويل أموال.

 

خلاصة: "تسييس العقار"

معتمداً نظرية فرق الريع، حاول هذا المقال فهم حيثيات إنتاج السكن الميسّر في الأحياء الإدارية لبيروت المعرضة للمضاربة العقارية ولكن أيضاً تلك الموصومة مُدُنِياً وذات النزعات المناطقية العالية.

تتعدى أهمية نظرية فرق الريع فهم عملية الارتقاء الاجتماعي (Krijnen, 2018; Clark, 1995). ولو كانت إطاراً مهماً لفهم تأثيرات "تسليع العقار" على التغييرات الحَضرية، فإنها تكتسي أهمية مماثلة لفهم أثر عملية "تسييس العقار" على هذه التغييرات. إذا كانت الأولى تحرم الطبقة الفقيرة من السكن الميسّر بفعل المضاربة العقارية، فإن الثانية "تؤمنه" لهذه الطبقة وبأشكال مختلفة بفعل النزعة المناطقية ونتائج الوصم المُدني.

وبالتالي، يجدر عند تطبيق هذه النظرية إدراك عنصرين أساسيين:

  • أولاً، أثر تجميد الريوع العقارية الحقيقية على المدى الطويل في نسيج مُدني ذي نزعة مناطقية عالية؛
  • ثانياً، تأثير أشكال أخرى من الريوع المحتملة خارج نطاق السوق العقاري الناظم (figure, 02) وكيفية تفاعل الأولى مع الثانية.

(figure, 03)

 

بكلمات أخرى، بقي خندق الغميق بأكمله خارج أثر المضاربة العقارية لحد إنشاء منطقة بيروت الرقمية bdd التي بدأت تستحوذ على غالبية القسم الذي كان يعرف بالنبعة[18] (figure; 01). يشكل هذا التغيير الحضري عملية إرتقاء اجتماعي بفعل الفرق الريعي الحاصل في السوق العقاري المنظم في خندق الغميق (ف٤ وف٢؛ FIGURE, 02). ولكن، كيف سيِقابل تأثير هذا الفرق الريعي بذلك الحاصل بفعل نشاط قطاع السكن العمالي؟ مع العلم بأن هذا الأخير إن نشأ، فبفعل تجميد الريوع العقارية الحقيقية وعلى المدى الطويل (figure, 02)؟ كيف سيتفاعل الفارقان للريعين الوجودين في الحي؟ هل سنشهد انقساماً مكانياً جديداً بين الدينامييتين وبالتالي توقف تمدد المضاربة العقارية من الحدود الشمالية الشرقية، على الحدود بين BDD من جهة و"الخندق" و"الزهراوي" من جهة أخرى؟ وماذا سيحصل إذا ما تقاطعت المصالح بين الفاعلين من الجهتين وأي أثر على عملية إنتاج السكن الميسّر هناك.

 

 
  • نشر هذا المقال في العدد | 60 |  حزيران 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 منحة السكن ومحنته

 


[1]أي السكن المتوفر بأسعار مقبولة للطبقة الفقيرة وذلك عبر السوق العقاري الناظم أو خارجه وبأشكال مختلفة (تملّك، إيجار، تشارك إيجار، احتلال، تعاضد، وغيره)

[2]. الريع العقاري المحتمل هو الريع الذي يمكن أن يجنيه المالك أو المستثمر إذا استعمل العقار أو البناء وفقاً لأحسن وأفضل استعمال

 (highest and best USE) (SMITH, 1979A)؛ 

[3] الريع العقاري الحقيقي هو الريع الذي يتقاضاه مالك من تأجير ملكه أو من بيعه

من أهم آثار الحرب الأهلية على بيروت هو تغيير طبيعتها المركزية، من نسيج ذي مركزية واحدة (monocentric) إلى نسيج متعدد المركزيات (polycentric) ولكن ذات ازدواجية فيما بينها على صعيد الوظائف والانشاءات. وانعكست طبيعة هذا النسج الحضري على توزع الأسعار العقارية وسُلّمها.

[5] مقابلات مع قاطنين قدامى في الحي

[6] الأحواش جمع حوش هي بقايا النسيج الحَضري التقليدي حيث كانت مجموعة من المنازل تًخدم من مدخل واحد ولعائلة واحدة. يلاحظ مثلاً هذا النوع من التمدد الحضري في الأحياء العشوائية لمدينة دمشق حيث تقسم الأراضي غير منظمة على هذا الأساس. 

[7] احتلال العقارات في وقت الحروب هو تصرف شائع كطريقة لمهجر لتأمين سكنه ولو بالقوة ولكن في بعض الحالات يكون بتوافق مع المالك بهدف حماية العقار في وقت العنف والانقسامات. كان هذا شائعاً في لبنان إبان الحرب الأهلية ويظهر حالياً في سورية خلال الحرب الدائرة.

[8] ارجع لخرائط (Ruppert, 1967)

[9] يختلف السكن العمالي عن باقي فئات السكن الميسّر، بكونه ينتمي كلياً إلى السوق غير المنظّم؛ وتكون طبيعة إشغاله بالفرد حسب السرير أو الغرفة؛ له وتيرة مكوث قصيرة وتبدل سريع بين المقيمين؛ وأخيراً يُفرز السكن حسب الجندر، الجنسية/ الإثنية. في المقابل يعتبر باقي السكن الميسّر عائلياً يدخل فيه عامل الانقسامات الاجتماعية ووتيرة المكوث فيه طويلة إن لم نقل دائمة.

 

[10]الشيء الذي نشاهده في الكثير من أحياء بيروت الإدارية مع اختلاف الهوية السياسية كالطمليس وحي الحارس في طريق الجديدة، وحي اللجا ورأس النبع الأقرب إلى خندق الغميق، وكرم الزيتون وحي السريان شرقي المدينة

[11] تختلف درجات وصم خندق الغميق وأسبابه. ففي بحث ميداني جرى عام ٢٠١٤ ظهر أن هناك من يوصمه من دون معرفة مطلقة بالحي؛ أو بمعرفة هويته السياسية والطائفية أو لأنه يذكّر بدمار الحرب

[12] في معظم المقابلات التي أجريت مع السكان، أكد البعض أنه إذا سمح وضعه الاقتصادي بالخروج والاستئجار خارج الحي فإنه يفضل ذلك على البقاء.

[13] معدل الطبقات في منطقة "الخندق" و"النبعة" ثلاثة إلى أربعة

[14] مقابلات مع سكان ومع سماسرة يعملون في هذا القسم من المدينة

[15] من هنا تظهر أهمية الخروج من التحليلات السائدة للإيجارات القدية في بيروت والتي توازي، بلا أي تعَمّق بالمعطيات الميدانية، بين سريان العقد القديم من جهة والولوج إلى سكن ميسّر والحفاظ على نسيج مدني متنوع من جهة أخرى. فمثلاً، وبعيداً عما يعرضه هذا المقال من محدودية التركيز على العقود من دون فهم النسيج المدني التي يحتويها، أوضح هشام أشقر (٢٠١٤)، إن الايجارات القديمة في كثير من أحياء بيروت كانت حتى عامل تسريع لعمليات المضاربة العقارية بعكس ما تفرضه هذه التحليلات السائدة. 

[16] أغلب السكن العمالي لا يلبي أقل شروط النوعية المكانية للسكن حيث لا يوجد في بعضه حتى شباك

[17] هذه الحالة تشكل أقلية إذ أغلب المستأجرين القدامى هم من المستضعفين ولا يستطيعون الاستغناء عن سكنهم

[18] بعد تلقي المحتلين للشقق في النبعة لتعويضات من صندوق المهجرين الذي أنشئ عند انتهاء الحرب، خرجوا بمعظمهم باستثناء قلة بقيت في بناء ضم يعرف ببناء الخطيب.