إسهاماً في النقاش الذي لا بدّ أن يحصل اليوم حول ضرورة الخروج من الواقع الراهن وتوفير الوصول إلى سكن ميسّر للجميع، يلخّص هذا المقال مجموعة من الأفكار الإيجابية التي قد تسهم في الذهاب في هذا الإتجاه. وتجدر الإشارة إلى أن جزءاً هاماً من هذه الأفكار أتت نتيجة الاجتماعات التي عقدها فريق عمل المفكرة القانونية (ميريم مهنّا وإلهام برجس) مع كل من أستاذة الدراسات الحضرية والتخطيط في الجامعة اللبنانية منى فواز، ورئيس مؤسسة الإسكان روني لحود، والمدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والإستشارات كمال حمدان، وأمين عام "حركة مواطنون ومواطنات في دولة" والوزير السابق شربل نحاس، والمحامية ديزيري فغالي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن رئيس المؤسسة العامة للإسكان روني لحود قد أعلن مراراً وتكراراً كما أّكد في حديث "للمفكرة" أن المؤسسة في صدد الإنتهاء قريباً من وضع سياسة إسكانية شاملة حديثة ومتطورة، بدأ العمل عليها منذ حوالي السنتين بالتعاون مع المجتمع المدني والسياسي، تتضمّن ما يزيد عن 40 بنداً بينها 15 لتأمين التمويل لهذه السياسة.

ومن أبرز هذه الأفكار الإيجابية، الآتية:

1- استثمار قانون البلديات 188/77، الذي يسمح في المادة 49 منه للمجلس البلدي بـ"إنشاء (...) المساكن الشعبية (...)". وتمنح المادة 50 منه "للمجلس البلدي ضمن منطقته أن ينشئ أو يدير بالذات أو بالواسطة أو يسهم أو يساعد في تنفيذ الأعمال والمشاريع (من ضمنها) المساكن الشعبية". أما المادة 72 من قانون الرسوم والعلاوات البلدية، فتسمح بإضافة علاوة قدرها 10% على رسم الترخيص بالبناء لاستخدامها في سبيل تنفيذ أعمال ومشاريع تتعلّق بالمساكن الشعبية (وغيرها)، ولكن حصراً خارج بلدية بيروت (فيحدد القانون بالنسبة لمدينة بيروت أوجه استخدام هذه العلاوة بما لا يتضمّن المساكن الشعبية).

وقامت بالفعل بلدية برج حمود[1] بإنشاء ثلاثة مشاريع سكنية شعبية، آخرها مشروع إنشاء 100 وحدة سكنية تمّ إطلاقه في 11/11/2017. واللافت أن هذا المشروع الثالث قد كرّس حق القاطنين على الأرض التي حدّدتها البلدية لتشييد الوحدات، في الإستفادة بالأفضلية من المساكن التي سوف تدشّن. وكانت 1330 عائلة قد وجدت مسكناً بفضل المشروعين الأوّلين.

 

2- إستثمار قانون الجمعيات التعاونية (قانون منفذ بالمرسوم رقم 17199/1964) وتطوير العمل التعاوني للسماح لذوي الدخل المحدود بمضافرة جهودهم للوصول إلى سكن ميسّر، خصوصاً أن التعاونيات تستفيد من إعفاءات ضريبية واسعة (منها الرسوم على نقل الملكية).

فالتعاوينة وفق القانون هي جمعية تتمتّع بالشخصية المعنوية لا يكون هدفها الربح "غايتها تحسين حالة أعضائها اقتصادياً واجتماعياً وذلك بتضافر جهودهم وفقاً لمبادئ التعاون العامة". ولا يجوز أن يقل عدد الأشخاص الذين يشتركون في تأسيسها عن 10. تضع التعاونية نظاماً خاصاً بمشروعها ترفقه بدراسة جدوى اقتصادية تودعه في مديرية التعاونيات (تحت وصاية وزارة الزراعة اليوم) لنيل الموافقة عليه.

 

3- مراجعة الأنظمة والتشريعات المتعلقة بالتنظيم المدني وإدخال أفكار مثل:

  • تخصيص نسبة مئوية ضمن كل مدينة للسكن الميسّر (وهذه فكرة معمّمة في العديد من المدن الكبرى في الولايات المتحدة)، بحيث يُمنع منح تراخيص بناء جديدة (للمقاولين) إذا ما تم تجاوز النسبة القصوى للمساكن غير الميسّرة.
  •  إلزام كل مقاول كشرط للحصول على رخصة بناء، ببناء نسبة معينة من المساكن الميسّرة. فالفكرة الأساسية هنا هي إلزام كل مقاول ينوي تحقيق الأرباح من خلال الإستفادة من نشاط المدينة إلى إعطاء هذه المدينة شيئاً في المقابل (فسحة عامة أو مسكن لذوي الدخل المحدود) وهذا ما يُعرف بالـ Inclusionary housing tax

ويسمح هذا النّوع من التدابير بعدم نشوء رقعات متفاوتة إجتماعياً ضمن المدينة الواحدة، ويعزز المزيج الإجتماعي ضمن المبنى الواحد.

 

4- وضع سياسة ضريبية جديدة تحدّ من المضاربات العقارية وتحافظ على "القيمة الإجتماعية للعقارات" من خلال منع تضخّم أسعارها. كما تسهم السياسة الضريبية المرجوّة في الحفاظ على مخزون من الشقق الميسّرة من خلال عرضها على الإيجار بأسعار تتناسب ومداخيل الناس. ومن الأفكار المقترحة في هذا المجال:

  • زيادة الضريبة على الريع العقاري للمساهمة في تمويل بناء مساكن للفئات الأكثر هشاشة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدولة فوّتت على نفسها مداخيل طائلة خصوصاً أن أسعار العقارات قد زادت 300% بين 2006 و2010 من دون وجود مثل هكذا ضريبة. وتجدر الإشارة إلى أنه كانت طُرحت فكرة ضمن حكومة ميقاتي الأولى (المشكّلة في حزيران 2011) لفرض ضريبة 25% على التحسين العقاري وعلى بيع أسهم الشركات العقارية.
  • التراجع عن إعفاء الأوقاف الدينية – وهي أكبر الملاكين العقاريين – من العبء الضريبي، أو حصر هذا الإعفاء بنشاطات معينة، منها النشاطات الهادفة إلى تأمين مساكن ميسّرة.
  • استحداث ضريبة على الشقق الشاغرة، ومن الممكن أن تكون تصاعدية حسب مدة الشغور. تعزز هذه الضريبة فرص توفر السكن الميسّر إذ هي تشجع المالك على عدم إبقاء شقته فارغة وعلى خفض سعر الإيجار عند الضرورة لتتوافق مع مداخيل الناس، تجنّباً لدفع الضريبة على الشقة الشاغرة[2].

 

5- استحداث شبكات نقل عام تربط المناطق النائية بالمدن الكبرى، تشجيعاً لبقاء الناس في أرضهم.

 

6- تعزيز ثقافة الإيجار والإبتعاد عن التفكير الأحادي الذي يحصر السياسة الإسكانية بتملّك المسكن. ويكون ذلك من خلال استحداث تشريعات تضبط مؤشر بدلات الإيجار بشكل يتناسب مع مداخيل الأفراد والعائلات ويمنح الإستقرار للمستأجرين. كما يتماشى مع ذلك تفعيل الإيجار التملّكي من خلال تحفيزات ضريبية تحثّ على عرض العقارات للإيجار التملّكي.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 60 |  حزيران 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 منحة السكن ومحنته

 

 

 

 


[1]https;//www.lbcgroup.tv/news/d/news-reports/345856/مشروع-سكني-ضخم-يشيد-في-برج-حمود/ar    

In: Fawaz M., Pietrostefani E., Feghali D., Abdo N., Salamé D., Serhan I., (2017) Inclusive Housing Policies for Beirut: Mar Mikhael as an urban laboratory, Social Justice and the City Program, IFI (forthcoming)

 

[2] لا يعفى اليوم المقاولون فقط من هذه الضريبة، بل إن الشقق الفارغة معفاة أيضاً من الرسوم البلدية (الكنس والحراسة...).