بدهشة كبيرة، تراقب "المفكرة القانونية" التطورات الحاصلة في قضية مشروع ليلى والمطالبات بمنع الحفلة المقررة في التاسع من آب القادم، في مهرجانات بيبلوس الدولية. وهي تسجّل الملاحظات الآتية:

أولا، نرفض رفضا قاطعا الخطاب العنفيّ والتهديدي والذي تكرّر على أكثر من لسان ضدّ فرقة مشروع ليلى وأعضائها وصولا إلى منظّمي وجمهور المهرجان. وإذ يأتي هذا الخطاب بمثابة استعراض للقوة ومسعى لتحصيل الحقّ بالذات، فإنه يستعيد ما شهدناه مرارا في الآونة الأخيرة من تحرّكات من قبل عصابات دينية أو سياسية استباحت الضرب والحرق انتصارا لشرف هذا الزعيم أو ذاك. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا الخطاب بات بمثابة فصل جديد من عمليات العصبية والاستقطاب، وتهديدا خطيرا لكيان الدولة وثقافة القانون.

ثانيا، نذكّر أن مفهوم "تحقير الشعائر الدينية" هو مفهوم مطاط. وإن التفسيرات المعطاة له هي المؤشر الأساسي على مستوى التسامح الذي وصل إليه المجتمع اللبناني. ففيما يؤدّي ارتفاع منسوب التسامح إلى حصر استخدام هذا المفهوم في إطار التعرّض للرموز الدينية الأساسية، يؤدي ارتفاع منسوب اللاتسامح على العكس من ذلك تماما إلى توسيع مفهوم المقدس ليشمل رجال الدين وكل ما يمتّ إلى الدين بصلة. وخير دليل على تفشي اللاتسامح في لبنان سلسلة من القضايا الصاخبة، آخرها قضيّة بشارة الأسمر حيث اعتُبر انتقاد تمجيد البطريرك الراحل على أنه تحقير للشعائر الدينية. وأكثر ما يخشى في ظرف كهذا، أن يتمدد سيف اللاتسامح ليطال الأعمال الفنية والأدبية، من دون إيلاء أي اعتبار لحرية الإبداع. كما يخشى أن يتمدّد هذا السيف ليؤدي إلى شيطنة كل ما يعتبر بصورة تعسفية تحقيرا للدين. وهذا ما نشهده بوضوح كلي في قضية مشروع ليلى. ولا يسعنا أمام مشهدية اللاتسامح هذه إلا أن ننبه إلى مخاطرها، وبخاصة في بلد تعددي: فالعصبية تستجرّ العصبية، مما قد يحوّل من يتسلح بها اليوم إلى أول ضحية لها غدا. ولعل الحكمة المطلوبة من الكنيسة المارونية كما من الجمعيات الحقوقية في هذا المضمار أن تشكل سدا في وجه تنامي خطاب اللاتسامح من خلال بذل أقصى الجهد لإشهار مفاهيم التسامح والاحترام المتبادلين.

ثالثا، ندعو الدولة بكافة أجهزتها، وبخاصة النيابات العامة، للتوقف عن الانحياز لصالح الطرف الأكثر قوة، بما يشكل وجها آخر من أوجه شريعة الغاب. فعلى الدولة مسؤولية حماية التعددية الفكرية والحريات الشخصية كافة، من دون الانحياز أو التعصب لهذا المعتقد أو ذاك. وهذا ما يقتضي أن يتجسد في عمل النيابات العامة التي سجلت مؤخرا تحركات ضاغطة ضد من يتهم بتحقير الدين، مقابل التساهل والتسامح والامتناع عن اتخاذ أي موقف إزاء من يهدد باللجوء إلى العنف وتهديد السلم الأهلي برمته. هذا ما شهدناه أيضا في قضية فرقة مشروع ليلى حيث ما تزال النيابة العامة تقف متفرجة على كمّ التهديدات التي تلقاها أعضاء هذه الفرقة وجمهورها. وحيادية الدولة إنما تشكل وحدها المخرج الحقيقي من هذا المأزق، وبخاصة من خلال تفعيل دور القضاء المحايد والعادل والمستقل في النظر في نزاعات كهذه. ويهمنا هنا التذكير بعدد من الأحكام التي أسقطت تهم التحقير بالدين، أشهرها قضية مارسيل خليفة على خلفية إنشاده قصيدة أنا يوسف يا أبي. 

رابعا، إذ ندافع بقوة عن حريتي الإبداع والمعتقد وعن حق جميع المواطنين باحترام معتقداتهم، فإننا نرفض أن ننجر إلى معركة مفتوحة بين مؤمنين وملحدين أو بين ليبراليين ومحافظين، لقناعة راسخة منا أن افتعال هذه المعارك من قبل بعض الطامحين سياسيا أو دينيا ما هو إلا فخ لحجب القضايا الاجتماعية الأساسية، من قضايا فساد وتدمير بيئي ونهب منظم واستغلال اقتصادي. وقد لا يكون من قبيل المصادفة إخراج هذه القضية في ظل تمادي التعطيل الحكومي وإقرار قانون الموازنة العامة لسنة 2019 بما في هذا القانون من مظاهر خلل. وإذ ندعو هنا مجددا إلى الدولة إلى تحمل مسؤولياتها في حماية الحريات والمعتقدات الفردية، فإننا ندعو الجميع للاتحاد في معارك الدفاع عن المجتمع.