كلمة الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في المؤتمر المنعقد تحت تسمية: "أول حقوق الإنسان، مكافحة اللاتسامح والكراهية"، والتي ألقاها عضو الهيئة بسام القنطار في مركز المفكرة القانونية بتاريخ 2 آب 2019.

 

ماذا بعد إلغاء حفل مشروع ليلى؟

إن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب التي أقسمت اليمين أمام رئيس الجمهورية منذ اسبوعين، للمباشرة بمهامها في حماية وتعزيز حقوق الانسان، تداعت إلى هذا المؤتمر مع عدد من منظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية تحت عنوان واضح جداً "أول حقوق الإنسان، مكافحة اللاتسامح والكراهية". والهدف طرح سؤال هام: "ماذا بعد إلغاء حفل مشروع ليلى الذي كان مقرراً في ٩ اب الجاري ضمن مهرجانات بيبلوس الدولية؟"

إن التوصيات التي يجب على السلطات اللبنانية تبنيها لتلافي تكرار ما واجهته فرقة "مشروع ليلى" وما تعرضت له من انتهاكات شملت الاعتداء على حرية الرأي والتعبير وتزوير الحقائق ونشر الأخبار الكاذبة وبث خطاب الكراهية واللاتسامح بحق أعضاء الفرقة، هذا عدا عن ممارسة شتى أنواع التعذيب النفسي وصولاً إلى التهديد بالقتل من جهات محرٍضة ومحرَضة داخل وخارج البلاد تشمل ما يلي:

 

أولاً: سقف تحديد القيود على حرية التعبير

تقترح الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان سقفا عاليا لتحديد القيود على حرية التعبير، وتعيد التذكير بضرورة الإلتزام بخطة عمل الرباط بشأن حظر التحريض على الكراهية، والتي تضع الحد الأدنى لمعيار من ستة أجزاء يأخذ في الاعتبار السياق والمخاطب والنية والمحتوى والمدى والأرجحية. إن هذا المعيار هو وحده الكفيل بإجراء تقييم فعلي ومستقل وحيادي لجميع الاتهامات التي سيقت بحق فرقة مشروع ليلى، سواء تلك التي صدرت عن أفراد أو جماعات أو عن مرجعيات سياسية ودينية.

تؤكد الهيئة أن ما تضمنته الأعمال الفنية للفرقة والتي أدتها على امتداد السنوات الماضية على مسارح لبنانية وعربية ودولية، لا يضعها على الإطلاق في خانة الإساءة لأي دين أو معتقد أو في إثارة نعرات طائفية، كما أن تفاعل أعضاء الفرقة مع المحتويات المنشورة على الإنترنت وإعادة مشاركتها على حساباتهم الشخصية لا يرتب مسؤولية مشتركة على الفرقة، رغم أن واحدة من هذه الحوادث قد قدم بشأنها شكوى أمام القضاء المختص، الذي نظر فيها واستمع إلى إفادات بشأنها ليتبين أنه تم إزالتها قبل عدة سنوات بعدما أثارت نقاشات وجدل، وأن إعادة استحضار هذه الواقعة للهجوم على الفرقة قبل أسابيع من موعد الحفل المقرر في جبيل، كان استخداماً مشبوهاً وفي غير محله، ويدفع إلى السؤال حول من أطلق حملة الكراهية والتهديد بالقتل بحق أعضاء الفرقة.

 

ثانياً: القطيعة مع خطاب الكراهية واللاتسامح

إن رصداً أولياً لما صدر من نصوص وصور وفيديوهات مفبركة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وعبر تطبيق واتسآب وعبر بيانات صحفية تضمنت ادعاءات كاذبة ومفبركة ومضللة، يفترض أن تشكل إخباراً تلقائياً للقضاء

توصي الهيئة، بضرورة التحرك الفوري للقضاء بالاستناد إلى ما ورد في الإخبار المقدم من المنظمات الحقوقية وفي إخبارات وشكاوى أخرى، وتعتبر أي تقاعس في سوق المحرضين إلى العدالة ومحاكمتهم وفق القانون، هو تغافل غير مسبوق عن الآثار السلبية والخطيرة لخطاب الكراهية والعنف واللاتسامح، ويقوّض التماسك الاجتماعي والقيم المشتركة والسلم الأهلي، ويمكن أن يرسي أساسا للعنف المتطرف. كما نؤكد أن أمام المرجعيات الدينية استحقاقاً أساسياً في "القطيعة" مع خطاب الكراهية من خلال إذكاء قيم التسامح والانفتاح والحوار، وعدم تحول هذه المرجعيات إلى رقيب غليظ يحول العديد من الأعمال الفنية إلى قضايا تتعلق بالمس بالذات الآلهية وبالقيم الدينية، إلا إذا توافرت النوايا الجرمية التي يفترض إثباتها من خلال القضاء وبالأدلة القاطعة التي لا تقبل الشك

كما توصي الهيئة أجهزة إنفاذ القانون، لا سيما وزارة الداخلية والبلديات، باتخاذ تدابير وقائية وبضمان أن لا تتحول أي حملة عدائية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى مبرر لإلغاء التجمعات والحفلات والأنشطة التي كفل حرية تنظيمها الدستور والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

 

ثالثا: الوقاية من التعذيب الآن وليس غداً

إن سياق التحقيقات مع إثنين من أعضاء فرقة مشروع ليلى يؤكد كما سياقات عشرات التحقيقات، والتي تجري بدون حضور محام عدم الإلتزام باتفاقية مناهضة التعذيب. ولذلك توصي الهيئة بتعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية وهي ستعمل بما أسند إليها من صلاحيات على تقديم اقتراح بهذا الشأن. كما توصي بضرورة احترام الأجهزة الأمنية برتوكول الوقاية من التعذيب وقواعد السلوك التي تعهدت بتطبيقها وعلى أن تشمل جميع الأجهزة الأمنية بما يكفل وضع حد نهائي للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. كما توصي السلطات القضائية بضرورة البدء الفوري بتطبيق ما نص عليه قانون تجريم التعذيب وعدم الإخلال بتطبيق أي من مواده، لا سيما المادة المتعلقة بسرية التحقيق مع الضحايا.

 

ختاماً ، تؤكد الهيئة أنها ستتابع هذه القضية وغيرها من القضايا المتلعقة بمهمتها ودورها وفقا لقانون إنشائها.