في 06-03-2019 ألقت قوات الشرطة المصرية القبض على "ملك الكاشف" البالغة من العمر 19 عام بدعوى اشتراكها هي وآخرين في تنظيم مظاهرات يوم الجمعة 1-3-2019 إحتجاجًا على الإهمال الذي تسبب في مقتل 24 مواطناً وإصابة 50 آخرين في حادثة إصطدام قطار بمحطة رمسيس[1] في يوم الأربعاء 27-02-2019، وتم إخلاء سبيلها بتاريخ 15-07-2019. وقد وجهت لها نيابة أمن الدولة العليا تهمتي : مشاركة جماعة إرهابية في تنفيذ أغراضها، واستخدام حساب على شبكة المعلومات الدولية الفيسبوك لارتكاب جريمة معاقب عليها قانونا بهدف الإخلال بالنظام العام. وكانت نيابة أمن الدولة العليا قررت حبسها 15 يوم على ذمة القضية رقم 1739 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، وجددت الحبس أكثر من ثمانِ مرات لتصل مدة حبسها إحتياطياً لأكثر من 120 يوم قبل إخلاء سبيلها. الجدير بالإشارة هنا أن ملك الكاشف عابرة جنسيًا خضعت للعلاج الهرموني والمتابعة النفسية وفي طريقها لإستكمال علاجها الجراحي؛ إلا انها مازلت تحمل بطاقة شخصية مثبت فيها أنها "ذكر". وهو الأمر الذي أبرز عدة إشكاليات تتعلق بمكان حبسها وأسلوب التعامل معها داخل السجن حيث ُتمنع من التريض كباقي المسجونين/ات، كما تم إيداعها في الحبس الإنفرادي لعنبر الرجال في سجن طرة. علماً أن الحبس الإنفرادي هو جزء من التدابير العقابية للمسجونين/ات وله آثار نفسية سلبية على حالة المسجونين/ات العقلية  ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتجاوز فترة الحبس الإنفرادي ثلاثون يوماً[2]. ولكن يأتي هذا الوضع الإستثنائي لملك بسبب عدم اعتراف الدولة بهوية العابرين/ات للنوع/الجنس ولحمايتها من تعرض المساجين الرجال لها. وهو وضع في ظاهرة الحماية وفي حقيقته تمييز وعقاب. وقد أثارت قضية ملك الكاشف عدة تساؤلات حول وضع العابرين/ات للجنس في مصر؛ فما هو وضعهم/ن في القانون المصري؟ وكيف تتم عمليات تغيير الجنس؟ كما ألقت الضوء على اعتراف الدولة الرسمي بتغيير الجنس وإشكالية تغيير الأوراق الثبوتية. وهو ما نحاول أن نلقي الضوء عليه في هذا المقال.

 

 كيف تفهم الدولة المصرية "العبور الجنسي"؟

العبور الجنسي "مصطلح يطلق على الشخص الغير منسجم للنوع الجندري والذي خضع أو يحتاج للخضوع لعمليات تدخل هرموني وجراحي ليجعل جسمه متوافقاً مع هويته الجندرية، حيث يؤدي العلاج الهرموني والعمليات الجراحية إلى تغيير الخصائص البيولوجية من الجنس الذي تم تشخيصه عند الولادة إلى الجنس الذي يشعر هذا الشخص بالإنتماء إليه، فتكون بذلك عملية العبور الجنسي"[3]. ويحتاج هؤلاء الأفراد لتغيير جنسهم لتتسق هويتهم الجنسية مع أجسادهم/ن للتعايش بالشكل المناسب لهم/ن. ويترتب على عدم إتاحة هذا العلاج لهم/ن أثار نفسية خطيرة مثل الإكتئاب وقد تصل أحياناً لمحاولة الانتحار نظرًا لمعاناتهم/ن من حالة ال dysphoria / الانزعاج الجندري.

وبالرغم من قبول الدولة المصرية لمبدأ عمليات تغيير الجنس إلا أن ذلك لا يعني أنها تعترف بفكرة "العبور الجنسي" خاصة بسبب"إضطراب الهوية الجنسية". فالحكومة المصرية لا تعترف بحقوق العابرين/ات للنوع /الجنس وترفض إستخدام مصطلح "عبور/النوع/الجنس" وتستخدم رسميا مصطلح "تصحيح الجنس". فالمادة 43 من لائحة  آداب المهنة لنقابة الأطباء الجديدة لعام 2003 والمعدلة للائحة آداب المهنة لعام 1974 تنص صراحة على أن " يحظر على الأطباء القيام بعمليات تغيير الجنس أما بالنسبة لعمليات تصحيح الجنس فيشترط الحصول على موافقة اللجنة النقابية المختصة بعد إجراء التحليلات الهرمونية وفحص الخريطة الكروموزومية".

ويعني مصطلح تصحيح الجنس وجود مشكلة أو اضطراب بيولوجي يستلزم التدخل الطبي لـ" تصحيح الجنس". ووفقا لهذا النص فاللجنة معنية بفحص طلبات الحالات التي تعاني من اضطراب بيولوجي مادي مثل حالات ال intersex / الجنس البيني[4]، أو الحالات التي تعاني اضطرابا في الهرمونات والخريطة الكروموزومية. أي هناك ربط شرطي بين وجود إضطراب أو خلل مادي أو بيولوجي بالإضافة للتقارير النفسية للسماح بإجراء عمليات تغيير الجنس. بينما حالات العابرين/ات الذين يعانون من "إضطراب الهوية الجنسية" بشكل نفسي فقط غير مخاطبين بنص تلك المادة بالرغم من حصول بعضهم على شهادات طبية من مستشفى الحسين الجامعي التابع لجامعة الأزهر تثبت أنهم يعانون بالفعل من "إضطراب الهوية الجنسية" وتوصي بإجراء العمليات الجراحية لهم/ن.

 

لجنة تصحيح الجنس

نظرًا لعدم وجود قانون ينظم عمليات تغيير الجنس، تم النص لأول مرة في 2003 على تشكيل لجنة مختصة بنقابة الأطباء تكون مهمتها الإشراف على طلبات تصحيح الجنس والبت فيها، وذلك في قرار وزير الصحة بإصدار لائحة جديدة لآداب المهنة[5]. وتتكون اللجنة التابعة لنقابة الأطباء من 7 أعضاء وهم، أستاذين في علم النفس، وأستاذ أمراض ذكورة، وأستاذ علم وراثة وغدد صماء، وعضو من نقابة الأطباء، وعضو من دار الإفتاء المصرية، ورئيس اللجنة.

 

ولكن عمل اللجنة واجه العديد من المعوقات التي أدت إلى إيقافه لسببين رئيسين.

فمن ناحية يبدو تشكيل اللجنة إشكالي للغاية بوجود عضو من دار الإفتاء المصرية حيث يمكننا تصور حضور مندوب دار الإفتاء لنقاش طبي محتدم حول أحد حالات العابرين/ات المطلوب دراستها بين أطباء علم النفس وأطباء أمراض الذكورة  والوراثة والغدد الصماء ليبدي الرأي الفقهي فيه. وفي ذات الوقت لم يشرح القرار الوزاري ما سبب وجود ممثل لدار الإفتاء من حيث المبدأ؟ كما لم يوضح هل رأي ممثل دار الإفتاء إستشاري أم إلزامي؟ وهل في حالة رفض دار الإفتاء الموافقة على أحد الطلبات المقدمة للجنة فهل هناك سبيل لاستئناف هذا القرار أو الطعن عليه أم لا؟.  ومن الملاحظ أن  إنسحاب ممثل دار الإفتاء الدكتور محمد خضر من حضور إجتماعات اللجنة في نوفمبر عام 2014  قد أدى لتوقف عمل اللجنة لأكثر من عام ونصف  بعد "اعتراضه على إصدار تصاريح لإجراء عمليات تحول جنسي دون الرجوع إليه"[6]. وترتب على إنسحاب ممثل دار الإفتاء توقف عمل اللجنة وعدم قدرتها على  الفصل في الطلبات المقدمة إليها، مما يبين أن موافقة دار الإفتاء موافقة إلزامية وليست استشارية لقبول طلب تغيير الجنس. وقد انتهى الخلاف بين لجنة نقابة الأطباء وبين دار الإفتاء بإنتصار الأخيرة حيث  صرح  الدكتور أسامة عبد الحي، رئيس لجنة تصحيح الجنس بنقابة الأطباء، في أغسطس 2017  "أنه تم التوصل للاتفاق مع الدكتور مجدى عاشور، مدير مكتب مفتي الجمهورية، مؤخرًا على عدم حضور عضو ممثل لدار الإفتاء، على أن يتم إرسال الملفات كل ملف على حدة، لأخذ الموافقة عليه"[7]. وبالتالي أصبحت دار الإفتاء كمؤسسة دينية هي الجهة التي لها الكلمة النهائية في قبول طلبات تغيير الجنس أو رفضها. ولا شك أن توقف البت في مصير مئات العابرين/ات على أراء رجال الدين المبنية على المذاهب الدينية وليس على الحقائق العلمية أو الطبية يعد أمراً شديد الخطورة ويشكل وصاية دينية على تمتع العابرين/ات بحقوقهم/ن الأساسية ويوكل أمرهم/ن إلى جهة لا تخضع قراراتها للمسائلة أو الإستئناف.

 ومن ناحية أخرى فاللجنة لم تشكل بناءً على قانون ينظم ضوابط وإجراءات تغيير الجنس بل تم تشكيلها وفقا لقرار وزاري من وزير الصحة والإسكان، كما أشرنا، وبالتالي فوجود اللجنة نفسه مهدد بالإيقاف أو بتعديل تشكيلها أوبنقل تبعيتها لأي جهة أخرى في أي وقت في حالة تغيير سياسات وزارة الصحة أو تغيير الوزراء أنفسهم/ن وهو ما قد يعطل مصير مئات الطلبات المقدمة أمامها. وبالرغم من تبعية تلك اللجنة لنقابة الأطباء الآن إلا أن إستقرار الجهة التي تتبعها اللجنة والتي تملك إعادة تشكيلها مهدد بالتغيير والإضطرابات الإدارية. فعلى سبيل المثال، صرح أحد المصادر المسؤولة بوزارة الصحة والسكان في 2016 بـ"إن لجنتى آداب المهنة وتحديد الجنس تم تشكيلها أساسا بقرارات وزارية أصدرها وزراء الصحة السابقون ومن حق الوزير الحالى نقل تبعيتها إلى الوزارة، بعيدا عن النقابة[8]". وكان هذا عقب تحويل نقابة الأطباء لكل من الدكتورة مها الرباط وزيرة الصحة السابقة والدكتور أحمد عماد وزير الصحة السابق للتحقيق بعد وقوفهم فى وجه لجنة الإضراب التي شكلتها نقابة الأطباء حينها. وبالتالي، فإن الصراع بين وزارة الصحة ونقابة الأطباء حول مدى استقلالية الأخيرة عن السلطة التنفيذية يمكن أن يلقي بظلاله على اللجنة ويؤثر على عملها.

 

إشكالية تغيير الأوراق الثبوتية

نظرًا للفراغ التشريعي الذي أشرنا إليه، فإن الدولة غير ملزمة بتغيير الأوراق الثبوتية للعابرين/ات للجنس، وتقوم بذلك فقط لمن قاموا بعملية "تصحيح للجنس".

وبالتالي، فإن حصول شخص من الراغبين في العبور جنسيًا على تقرير نفسي بالمتابعة لمدة سنتين من مستشفى حكومية وبفرض موافقة لجنة تصحيح الجنس وأخذ الإذن بالقيام بعملية تغيير الجنس فإن ذلك لا يعني إلزام جميع مكاتب السجلات المدنية في جمهورية مصر العربية  بتغيير أوراقه/ا. فبعض مكاتب السجلات ترفض تغيير الأوراق الشخصية رغم توافر موافقة لجنة تصحيح الجنس في حالة كان تحليل الكروموزومات "يؤكد جنسهم/ن البيولوجي"، وبناءً علية يضطر مقدمو الطلب لرفع قضية أمام القضاء الإداري لإلزام السجل المدني بتغيير الأوراق الشخصية للعابرين/ات. ولكن نظرًا لغياب قانون يلزم مؤسسات الدولة بإجراء هذا التعديل في الأوراق الثبوتية، بالإضافة لأن موافقة لجنة تصحيح الجنس ذاتها لا تعدو أن تكون إجازة صادرة من لجنة مشكلة بقرار وزاري، ترفض الكثير من الدوائر القضائية هذه الدعاوى. فنلاحظ أن محكمة القضاء الإداري قررت في وقت سابق، في حيثيات حكمها الصادر برفض إلزام وزارة الداخلية بتغيير بيانات عابرة جنسياً[9] :

"باعتبار أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فإن التصور الإسلامي لحرية تغيير الجنس، فرّق بين عمليات تصحيح الجنس وعمليات تغيير الجنس، حيث أباح جمهور رأي الفقهاء شرعًا عمليات تصحيح الجنس باعتبارها علاج للمرضى الذين يعانون اضطرابات عضوية كحالات الخنثى الذكرية والخنثى الأنثوية .أما عمليات تغيير الجنس التي تتم للمرضى الذين يعانون من اضطرابات الهوية الجنسية، وهو الإحساس الداخلي بالأنوثة أو الذكورة، وما يسمى بالجنس العقلي فهو في حقيقته تغيير من وضع سليم إلى خاطئ، ومن ثم كان إجماع الفقهاء على تحريمها لما تنطوي عليه من تغيير خلق الله" كما ذكرت المحكمة أنه "لا يصح التحجج في هذه المسألة بحرية الفرد الشخصية في تحقيق ما يراه نافعاً له"، مؤكدة أن تلك الحرية مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين، مشددة في الوقت نفسه على أنه "لا شك في أن تغيير الشخص لجنسه على خلاف حقيقة خلق الله له، يؤدي إلى آثاره الخطيرة في الزواج والطلاق والميراث وهي أضرار يتعدى أثرها إلى غيره".

 

خاتمة

نلاحظ مما سبق أن الدولة المصرية لا تعترف بحقوق العابرين/ات ممن يعانون من "إضطراب الهوية الجنسية" والساعين/ات لتغيير جنسهم/ن بسبب"إضطراب الهوية الجنسية" فقط دون الاقتران بخلل بيولوجي أو مادي. ولا يتبقى أمام هؤلاء العابرين/ات في مصر سوى  طريقين إما عدم البدء في العلاج الهرموني والجراحي وتحمل مضاعفات حالتهم النفسية الخطيرة حتى تغير الدولة المصرية رأيها، وإما البدء في العلاج الهرموني والمتابعة النفسية وانتظار موافقة لجنة تصحيح الجنس بنقابة الأطباء بعد فترة غير محددة المدة ثم إنتظار رأي دار الإفتاء، ثم المخاطرة بعد "تمام تغيير الجنس" بعدم قبول مكتب السجل المدني لطلب تغيير الأوراق بسبب "تأكيد تحليل الكروموزمات لجنسهم/ن البيولوجي"  دون وجود أمل بإلزامه بذلك عن طريق القضاء. وهو الأمر الذي يُعد بمثابة حكم  بالإعدام المدني؛ حيث أنهم لم يعودوا  الأشخاص المثبتة في أوراقهم الرسمية ولم يحصلوا بعد على أوراق شخصية لهوياتهم/ن الجديدة.

 

 

 


[1] مصطفى حمدي، "24 قتيلا و50 مصابا في حادث قطار مصر"، الشروق، 27-02-2019.

[2] وفقا للمادة 43 من القانون - رقم 396 - لسنة 1956 بشأن تنظيم السجون.

[3] راجع مايا أنور، "مدخل إلى الهوية الجندرية"، منصة ترانسات، 17-11-2017.

 

[4] هناك نسبة ضئيلة من البشر يولدون بخصائص عضوية مشتركة بين الجنسين، وهم من يطلق عليهم الإنترسكس (Intersex)، أو الجنس البيني. " المصدر السابق رقم 3

[5] قرار وزير الصحة والسكان رقم 238 لسنة 2003  الصادر في 5 سبتمبر 2003

[8] المصدر السابق رقم 6