لا يحتاج الإنسان لأن يكون واسع الاطّلاع ليعرف أنّه عندما تُمسّ المصالح الحيويّة الضروريّة للحياة لدى الحيوانات تتفعّل لديهم العدوانيّة. الوضع شبيه عندنا نحن البشر؛ إلّا أنّنا في هذا الموضوع بالذات نعاني من أوضاع إضافيّة لا نتشاركها مع الحيوانات سأذكر منها ثلاثة. أولاً أنّ مروحة المصالح الحيويّة عندنا واسعة يتضمّنها «المقدّس»: أي كلّ شيء يمكن أن نعتبره مقدّساً في مجموعة بشريّة. ثانياً، أنّه يمكن استعمال الدعاية للتلاعب بالعقول وخلق مقدّس وهميّ (زعيم محدّد مثلاً). ثالثاً، هو أنّ الإنسان يمكن أن يعوّض عن فشله في ناحية ما كاضطراره للخضوع أمام وضع قهريّ (بسبب ديكتاتوريّة سياسيّة أو اقتصاديّة) باعتماده بشكل كلّي على «المقدّس» في حياته ليشعر بقيمة ذاتيّة، بحيث أنّه يستلّ من المقدّس كرامة وهميّة فقدها في الحقيقة في واقعه.
كلّ مجموعة بشريّة لديها «مقدّس» تجلّه وتعتبره لا يُمسّ؛ أحيانا يكون المقدّس دينيّاً وأحياناً يكون مجموعة من المبادئ وأحياناً يكون مجموعة من التقاليد. لا يهمّ عندها أن تكون هذه التقاليد أو المبادئ أو الآلهة (النار مثلاً) قد عفا عليها الزمن في عُرف مجموعة أخرى أم لا، فإنّ «المقدّس» في جميع الأحوال يُعامل على أنّه رمز للهويّة الجماعيّة (الأنا الجماعيّة)، وأيّ مسّ به، بطريقة يشعرها الإنسان أنّها اعتداء، يُعاش على الصعيد الشعوريّ على أنّه مسّ به بالذات، اعتداء عليه بالذات، ويتبع ذلك ردّ فعل غريزيّ عدوانيّ شبيه بردّ الفعل تجاه ما يهدّد الحياة. هذا ما يفسّر ردود الفعل العدوانيّة تجاه ما يظنّه الإنسان (ولو أنّ ما يظنّه هو غير صحيح) اعتداء على مقدّساته. لكن لحسن الحظّ، للإنسان مواقع في القشرة الدماغيّة الأماميّة تسمح له بضبط الانفعالات، ولهذا فالإنسان مسؤول عن ردّات فعله ويُحاسب عليها. هذا الجزء من الدماغ يسمح لنا بضبط الغضب والعدوانيّة وغيرهما. ليس الإنسان مسؤولاً بالضرورة عن انفعاله ولكنّه مسؤول عن تصرّفاته؛ وكلّ مسار الإنسانيّة وتطوّرها كان في اتّجاه الخروج من ردّات الفعل الغريزيّة المُبَرمجة وبروز العقل الذي بواسطته نخطو خطوات ضبط وتوجيه الغرائز، نحو غاية أبعد ألا وهي المحبّة.

لا يمكننا التحجّج بالغريزة الجنسيّة لتبرير الاعتداءات الجنسيّة، ولا يمكننا التحجّج بالغضب والعدوانيّة لتبرير الاعتداء على الآخرين. إنسانيّاً ومسيحيّاً الإنسان مطالب بالسموّ عن ردّات الفعل الغريزيّة والانفعالات لضبطها وتوجيهها بشكل يتيح حماية الحياة الذاتيّة وحياة الآخرين؛ والطبيعة -والله خلف الطبيعة- قد زوّدتنا بدماغ يسمح لنا بالقيام بهذه الخطوات. لا أحد لا متديّن ولا غير متديّن يمكنه أن يبرّئ نفسه من أفعاله (ما خلا حالات مرضيّة جدّ استثنائيّة). بالنسبة إلى المسيحيّين الذين يغضبون من المسّ بمشاعرهم، هناك زاوية لا بدّ من مواجهتها ألا وهي المحبّة المسيحيّة التي يتغنّى المسيحيّون بها، خاصّة أنّهم يؤمنون بأنّ الله نفسه هو محبّة. المسيحي مُطالب بتبنّي أحد أقوال المسيح «أحبّوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، باركوا ولا تلعنوا». إن المحبّة المسيحيّة ليست أمراً بسيطاً وسهلاً، قولها بالطبع يسهل وفهمها قد يكون بسيطاً إلى حدّ ما (ولو أنّ هناك سوء فهم للمحبّة)، ولكن أن يقوم الإنسان بتنفيذ مقتضيات المحبّة أمر صعب. في حالة المسّ بالمعتقدات والشعور الدينيّ، فإنّ وصيّة محبّة الآخر الذي يمسّ بالمعتقدات لا تقتضيّ بالطبع إيذاءه، وإنّما الحوار معه إن أراد، وحتّى عندما يفشل الحوار تقتضي المحبّة التعالي على الانفعالات.

ثمّ عوض البدء بلوم الآخرين الذي قد يكون مسّاً بالمعتقدات، على المسيحيين تحويل نظرهم داخلاً نحو ذواتهم أولاً («الخشبة التي في عينك» كما أوصى يسوع) والقيام بعمل جماعيّ من التفكير والمراجعة لوضع اليد على الأخطاء الذاتيّة للمسيحيّين، وللتربية المسيحيّة الموجودة، لاكتشاف مواطن الخلل فيها، وللتوبة الذاتية عن أخطاء تربويّة وانحرافات في التعليم قد تكون سبّبت ردّات فعل الذين يُظَنّ أنّهم يمسّون بالمقدّسات. كما وعليهم مراجعة مواقفهم حتّى لا تكون فرّيسيّة: فالمسيحيّون الذين لا يرون إنساناً يمسّ بمشاعرهم الدينيّة إلّا ذاك الذي يمسّ الشعائر، يكونون بالفعل قد بقوا عند الطقوس والعقائد كأُطر إيمانيّة، ولم يبلغوا جوهر إيمانهم ألا وهو الاهتمام بحياة الإنسان؛ فالعقائد والطقوس هي وسائل تعبير إيمانيّ وليست أهدافاً إيمانيّة، هي وسائل تعبير عن ضرورة الاهتمام بحياة الإنسان والخليقة، هذا الاهتمام الذي يمثّل هدفاً أساساً ملموساً للإيمان. هناك أمور أفظع وأكثر أهمّية وأكثر حيويّة وتدمّر حياة الإنسان، غاية الطقوس والعقائد يجب أن تمسّ بالمشاعر الدينيّة الأصيلة لكنّنا لا نراها تمسّ مشاعر هؤلاء الذين يغضبون من المسّ بالأُطُر: أي الطقوس والعقائد. الوقوف عند الشكل الدينيّ وعدم العبور إلى الغاية الدينيّة هو صفة الفرّيسيّة في الإنجيل وقد حذّر منها يسوع ودانها، الانتباه ومراجعة الذات ضرورتان في الإيمان. ثمّ هناك جُبْنٌ في استسهال التهجّم على ضعفاء لا قوّة اجتماعيّة لهم فقط لمسّهم بقوالب إيمانيّة على أهمّيتها، بينما يُتْرَكُ «الأقوياء» الذين يدمّرون بالتفقير والنهب حياة الإنسان جوهر الطقوس والعقائد. لا بدّ للمسيحيّين (والمسلمين) ليكونوا مخلصين للبّ الإيمان من تجاوز الانتماء الطقوسيّ للانتماء العميق الذي يركّز على حماية حياة الإنسان وما يمسّ بها.

وطالما أنّ الإعلام ووسائل المعلوماتيّة قادرة على فبركة أوهام وإقناع الناس بأنّها حقيقة، فالحرص في زمن المعلوماتيّة أشدّ ضرورة من الأزمنة الغابرة. كما أنّ الحرص والترويّ ومراجعة الذات أمورٌ واجبة أيضاً، لأنّ الإعلام يمكنه أن يخلق مقدّسات وهميّة لا علاقة لها بالإيمان بالله؛ إذ أنّه يمكننا أن نلاحظ في مجتمعنا مقدّس الزعيم السياسيّ مثلاً، وهذا مقدّس وهميّ. وأخيراً، فالصدق مع الذات يقتضي المزيد من الحرص، فكما ذكرنا قد يتحامل إنسان على آخرين ويستضعفهم، أو ينحدر بتهوّر إلى العنف الجسديّ بحقّ آخرين أكانوا مستضعفين أم لا، فقط للتعويض عن خسارته لكرامته يوميّاً أمام أبٍ قمعيّ أو زعيم سياسيّ قمعيّ ومُسْتَغِلّ أو رجل دين متسلّط أو رئيس في الوظيفة ساديّ، وذلك ليشعر بدفاعه عن «المقدّس» (الحقيقيّ أو الوهميّ) بتعويض عن فقدان كرامته لخضوعه الذليل وخسارته لكرامته الحقيقيّة؛ أي ليشعر بوهم انتصاره لكرامته في عالم الرموز كتعويض عن خسارته لكرامته في عالم الواقع اليوميّ.

أوليس من الأفضل والحال هذه، أن نتروّى ونستعمل العقل لنراجع أنفسنا بعد هيجان الغرائز، عوض أن ننزلق إلى ردّات فعل نحن قادرون على لجمها؟ إنّ الذين يتحمّلون الوزر الأكبر والأوسع والأعمق عن زيادة الهيجان، وعن أفعال سيّئة ناتجة عنها إن حدثت، هم رجال الدين والسياسيّون والإعلاميّون المصطادون في الماء العكر، للوصول إلى حصّة ماليّة أو سلطويّة، الذين يستعملون بكلّ خسّةٍ، اللهَ والمقدّسَ وحياةَ الناس نفسها، وسائلَ لأهداف الغنى والتسلّط تحت غطاء الدين، أليست هذه الشيطانيّة بحدّ ذاتها؟

من بقي على مستوى المشاعر الدينيّة وردّات فعلها الغريزيّة بقي على المستوى الطبيعيّ للخليقة (غرائز وانفعالات) دون استعمال مستوى طبيعي أرفع ألا وهو العقلانيّة. لكن أبعد من ذلك، المسيحيّة لا تدعونا لأن نبقى على المستوى الطبيعيّ فقط، المسيحيّة لها غاية ألا وهي اللقاء بالله-المحبّة عبر محبّة الآخرين، إنّها دعوة محبّة تدعونا إلى أن ننمو إلى مستوى اللقاء بالآخر، واللقاء بالذات عبر مراجعتها.

الإنسان المسيحيّ ملزم بدعوة المسيح إلى المحبّة، وهي دعوةٌ حَرِيّةٌ بأن يلبّيها كلّ إنسان لأنّه ينمو ويفرح بها. مَن يجرؤ على تلبيتها بالجهد والتعب، عبر الأخطاء، بحرّيةِ محبّةٍ لا تعرف حدوداً دينيّة أو طائفيّة خاصّة، بحرّيةِ المحبّة التي «لا تفرح بالإثم بل تفرح بالحقّ» ولكن التي أساساً «ترفق وتتأنّى...لا تتفاخر، ولا تنتفخ، ولا تُقَبِّح، ولا تطلب ما لنفسها، وَلاَ تحتدّ، ولا تظنّ السوء.. وتحتمل كلّ شيء... وترجو كلّ شيء، وتصبر على كلّ شيء»، ينضمّ إلى قلب المسيح.