مع إغلاق مكب عدوي في مطلع شهر نيسان 2019، بدأ موسم جديد من مسلسل أزمة النفايات تشهده هذه المرة الأقضية الشمالية الأريعة المتضررة وهي تباعا المنية - الضنية، الكورة، زغرتا، وبشري. فبدأت سلسلة حلقات حيث يتم اختيار موقع لمطمر في بلدة ما وفق حسابات سياسية ليهب اعتراض شعبي وتدخلات سياسية تدفع لفرض مواقع جديدة للطمر. أمس شهدنا حراك جديد في دير نبوح أو "الحواكير" حيث تقرر طمر نفايات هذه الأقضية، وهو حراك يأتي بعد أقل من أسبوعين من حراك تربل وما تبعه من تراجع للدولة.

 

"لغز" إغلاق مكب عدوي

كثر توجيه أصابع الاتهام والنظريات حول إغلاق مكب عدوي الذي كان يستوعب نفايات الأقضية الشمالية الأريعة لأكثر من 13 عام ولا يزال حتى اليوم الجواب متنازعا عليه. فهناك من يتهم التيار الوطني الحر الممثل بوزير البيئة فادي جريصاتي بتصفية حساباته السياسية مع خصومه في الشمال عبر الملف البيئي كما ورد في خطاب النائب طوني فرنجية. وهناك من يبرر إغلاق المطمر ب "أسباب مالية" وتراكم مستحقات أصحاب المكب على البلديات كما ورد في خطاب الوزير جريصاتي. ولا يزال حتى اليوم السبب غير واضح لعدم حل المشكلة بعدما عرض رئيس اتحاد بلديات الضنية محمد سعدية (وهو نفسه رئيس بلدية دير نبوح) دفع مبلغ كبير من أموال البلديات لإعادة فتح المكب.

 

"مطمر التهجير"

 يقع موقع الحواكير ضمن النطاق العقاري لبلدة دير نبوح (قضاء الضنية) على تلة كثيفة الأشجار الصنوبرية ويشرف على بلدتي صخرة (بلدية مزيارة) والخالدية، وتشرف عليه بلدات عيمار، كهف الملول، وزغرتغرين (قضاء الضنية). وهو موقع سابق لكسارة حيث طبيعة الأرض صخرية ومساحتها تقل عن 80000 متر مربع[1]. تعود ملكية العقار للنائب الزغرتاوي السابق سليم كرم وشقيقه أسعد. وما أن أعلن وزير البيئة جريصاتي خطته "المتكاملة" لإدارة النفايات الجديدة والتي تقتضي بإنشاء مطمر في الحواكير حتى اتّحدت، وللمرة الأولى، دير نبوح والضيع المجاورة المذكورة أعلاه، سكانا وبلديات، لمعارضة المطمر. نالت هذه المعارضة دعما من شخصيّات دينية بارزة في المنطقة ومن مختلف المذاهب كشيوخ دير نبوح ومديرة مدرسة الراهبات الأنطونيات في الخالدية الأخت بازيل الصياح بالإضافة إلى دعم من بلديات مجاورة (مزيارة ورشعين). شرح المسؤول الإعلامي لبلدية عيمار روميو أبو ملحم لـ"المفكرة" أسباب رفض الأهالي القاطع لإنشاء مطمر سيضر المنطقة بأسرها وأكّد تأييد وزارة البيئة لهذا التقييم:

  • اتجاه الدولة نحو استملاك العقار دون القيام بدراسة بيئية،
  • عدم ثقة أهالي المنطقة بآليات التنفيذ المعتمدة من قبل الدولة،
  • الموقع الملاصق للطريق العام والقريب عن مناطق سكنية ولا سيما مدرسة دير نبوح الرسمية التي تبعد حوالي 380 متر على التلة المقابلة من الموقع،
  • خطر تلوث الينابيع الأرتوازية، المياه الجوفية ونبعي رشعين والقاضي (خاصةً بعد تأثر الأرض بمتفجرات عمل المقالع)،
  • ضيق مساحة الموقع مقارنةً إلى كمية النفايات التي ستطمر في الموقع (يقدرها ابو ملحم ما بين 150 إلى 200 طن يوميا)ً ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى النفايات فوق مستوى الطريق الملاصقة وما قد يدفع الدولة إلى توسيع المطمر والقضم من غابة الصنوبر المحيطة بالموقع
  • الضرر الإنمائي للمنطقة التي ترتكز على إرثها البيئي.

كما أضافت مديرة مدرسة الراهبات الأنطونيات في الخالدية الأخت بازيل الصياح خلال اعتصام أمام الكسارة أسباب رفضها للمشروع من جهة مصلحة المدرسة. عبرت خوفها على صحة التلاميذ من جهة والخطر المروري والتأخير التي ستسببه شاحنات النفايات لباصات المدرسة وسيارات أهالي التلاميذ من جهة أخرى.

 

موقع كسارة الحواكير

 

فيعتبر الأهالي أن المطمر سيهجرهم من مناطقهم، ونرى يافطات معلقة على مدخل الكسارة تحمل شعارات مثل "الحروب الأهلية ما هجرتنا من جرودنا، جايين تهجّرونا بقرار عشوائي" و"لا لمكب نفايات يبعد أمتار قليلة عن مدرسة رسمية".

بالنسبة لأبو ملحم البديل واضح: "إذا عندك موقعان واحد متضرر (عدوي) وموقع غير متضرر (الحواكير)، البديهي بقول إنك تروح تعالج المتضرر وتصلحه أحسن ما تضرر الاثنين"، أي معالجة وإعادة فتح مكب عدوي.

 

موقع كسارة الحواكير من مدرسة دير نبوح الرسمية 

 

توحّد البلدات بوجه المطمر

انقسمت معارضة مطمر الحواكير إلى جبهتين: جبهة رسمية على صعيد البلديات وجبهة شعبية على صعيد أهالي البلدات. وتتميز الجبهتان بتعاون واتّحاد لم تشهده ضيع هذه المنطقة سابقاً خاصةً أنها تنتمي إدارياً لأقضية مختلفة واجتماعياَ لمذاهب مختلفة. فبلدات عيمار، كهف الملول، وزغرتغرين المسيحية تابعة إدارياً لقضاء الضنية ولكن لا تربطها طريق إلى القضاء بل هناك طريق وعلاقات اجتماعية تربطها بزغرتا المسيحية. على صعيد البلديات يتم العمل من خلال التواصل مع زعماء ووزارة البيئة، وفي حالة بلدية عيمار تم تنظيم ندوة في البلدة عن الموضوع. لكن الأثر الاجتماعي للمعارضة ضد المطمر بات الأبرز اليوم على صعيد سكان المنطقة، حيث أدى إلى تعزيز العلاقات الاجتماعية الشخصية بين الأفراد  من مختلف المذاهب بعدما كانت سابقا ضعيفة. فخلقت هذه العلاقات الشخصية عبر تنظيم اعتصامين، التواصل والتنظيم عبر مجموعات الواتساب (وبعض هذه المجموعات تضم اليوم أكثر من 400 عضو من سكان إلى أعضاء بلديات ومخاتير)، والنوبة الليلية لحراسة الموقع. فأخذ سكان البلدات مبادرة شعبية بالالتقاء كل مساء على مدخل الكسارة لمنع دخول أي شاحنة تحوي نفايات حراسة الموقع حتى ساعات الفجر بالمناوبة، "نحن مسيحية وإسلام عم نحرس منطقتنا"[2]. أفادنا أبو ملحم الذي نال تعهدا من القوى الأمنية في المنطقة أنهم لن يسمحوا لأي شاحنة تحوي نفايات بدخول الكسارة قبل صدور أي قرار رسمي بخصوص المطمر المرتقب، ولكن أفاد شباب الضيعة حارسو الموقع ليلاً والذين تحدثت معهم "المفكرة"، أنهم يفضلون القيام بعمل الحراسة أنفسهم ليلاً حيث "لا ضمانة من القوى الأمنية بالليل". ومن شأن هذه العلاقات الجديدة أن تسهل طبعا أي تحرك يخص قضايا أخرى مشتركة في المستقبل.

 

مجموعة من أهالي البلدات تحرس الموقع ليلاً

 

سردية بلدية زغرتا المعاكسة

لدى سؤال أهالي البلدة عن المناصر الأساسي لإنشاء مطمر الحواكير، كثر توجيه الأصابع إلى النائب طوني فرنجية ورئيس بلدية زغرتا انطونيو فرنجية التابع لنفس الجهة السياسية. فهم يعتبرون أن فرنجية تحت الضغط بسبب النفايات المتراكمة في قضاء زغرتا وأن أهالي الضيع المحيطة بالحواكير لن يدفعوا ثمن هذا الضغط وبعضهم مستعد لحرق أي شاحنة نفايات تدخل الموقع. ويجدر الإشارة على أنه يوجد دعم سياسي عادةً في قضاء الضنية لآل فرنجية وقد أفاد أحد سكان دير نبوح التابعة لقضاء الضنية أن أهالي بلدته وعند الحاجة "ما بدقوا على أبواب نواب الضنية، بينزلوا بدقوا على باب فرنجية وعطول بيسمعلن"، مشيراً إلى العلاقة الزبائنية القائمة في القضاء (كمعظم البلدات في لبنان). ولكن مع دعم فرنجية بحسب أهالي دير نبوح لإنشاء المطمر، عبّر الأهالي عن استيائهم من رئيس بلدية زغرتا فعمدت "المفكرة" إلى مقابلته للاستماع إلى سرديته وفهم موقف البلدية حول إنشاء مطمر الحواكير.

 

النفايات المتراكمة في إهدن، قضاء زغرتا

 

طلب رئيس البلدية فرنجية بالاستماع أولاً إلى أسباب معارضة أهالي الضيع المجاورة وعلّق على بعضها مبتدئاً بإعلامنا بأنه ستتم دراسة بيئية وجيولوجية للموقع ولن ينشأ المطمر إلّأ بعد صدور نتيجة الدراسة، وأفاد أنه تم اختيار شركة "خطيب وعلمي" الذي يعتبرها رائدة في المجال للقيام بالدراسات. واعتبر أن المطمر الصحي لا يسبب أذى على السكان ويتفهم عدم ثقة الأهالي بآليات تنفيذ الدولة وصرّح أن "مش من مصلحتنا نحن يكون المطمر غير صحّي" وأن شركة "خطيب وعلمي" ستراقب التنفيذ. ردّ فرنجية على حجة المساحة غير الكافية بأن المطمر سيتحمل نفايات قضاء الضنية وزغرتا والضيع المجاورة فقط وليس الأقضية الشمالية الخمسة كما يتم تداوله، و يعتبر المقترح البديل وهو إعادة فتح عدوي غير ملائم ويعتبره مكبا "مش محترم" غير مدروس. أما بما يخص تلوث المياه الجوفية و الينابيع المجاورة يجد فرنجية أن حلولا تقنية يمكن أن تخفف من التلوث من جهة، ويعتبر ويأسف بأن نبع رشعين ملوّث أصلاً بسبب البلدات المعارضة نفسها. فعندما سؤل عن المدرسة التي لا تبعد عن المطمر قال أنها أُغلقت من قبل وزارة التربية منذ أكثر من عشرة أعوام رغم تأكيدنا على أن المدرسة لا تزال مفتوحة لتلاميذ الضيعة. يمكن اعتبار هذا الجواب ناتجا عن خلط بين مدرسة دير نبوح التي أُغلقت سابقاً والمدرسة التي تم إنشاؤها حديثاً، أو محاولة تشويه لسردية المعارضة الشعبية للمطمر. انطلاقاً من هذه التعليقات، بلدية زغرتا "مع أي مطمر صحي مراعي للمواصفات" وحتى لو كان داخل بلدتها  بحسب رئيسها.

 

حل بيئي أو حل سياسي؟

يميز ابو ملحم بين جهات سياسية تعمل بمنطق وتقدم حلولا وجهات أخرى تعمل "انتخابياً ومناطقياً ومذاهبياً"، ويرى أن الجهة التي تقدم حلولا ستواجه حتماً بمعارضة من الأطراف الأخرى. وعلى ضوء هذا التمييز، هناك مسألة يجب طرحها وهي كيف وبحسب أبو ملحم تؤكّد وزارة البيئة تأييدها لعدم ملاءمة الموقع لإنشاء المطمر، وصدور اقتراح موقع الحواكير عن الوزارة نفسها؟ فهل الحسابات لاقتراح الموقع كانت مراعية لشروط بيئية أم سياسة؟ يجب تسليط الضوء هنا على التفاوت في وجهات النظر حول موقف رئيس اتحاد بلديات الضنية ونفسه رئيس بلدية دير نبوح محمد سعدية من مطمر الحواكير. ليس هناك من ينكر جهده على إعادة فتح مكب عدوي ولكن عندما لم يفلح هذا الطرح ووصل اقتراح إقامة المطمر في بلدته اختلفت الآراء بخصوص موقفه. فأبو ملحم يعتبره "من أشدّ المعارضين" اليوم للمطمر ويسند قوله للمقابلات الإعلامية التي أجراها سعدية وعبّر فيها عن معارضته هذه. ولكن مجموعة من أهالي دير نبوح يؤكّدون أنه بعيدا عن الخطاب الإعلامي المعارض يدعم رئيس بلديتهم الموالي لآل فرنجية إنشاء المطمر وهم يسندون فكرتهم بالقول أن سعدية لم يدعُ أهالي دير نبوح للانضمام إلى اعتصام 27 آب كسائر رؤساء البلديات المجاورة وحتى "ما خلّى يلّي بمون عليه من أن يطلع يتظاهر". فهل الحراك التي تشهده دير نبوح، صخرة، الخالدية، عيمار، كهف الملول، وزغرتغرين هو نتيجة سوء إدارة ملف النفايات وتحول هذا الملف إلى ساحة معركة بين التيارات السياسية؟

 


[1] روميو ابو ملحم (المسؤول الإعلامي لبلدية عيمار)، مقابلة مع المفكرة، 28/8/2019

[2] أحد أهالي دير نبوح من أمام مدخل الكسارة، 28/8/2019