من أمام الأسكوا، وبمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، وتحت سور السرايا الحكومية وعلى بعد أمتار من مجلس النواب، رفعت رئيسة لجنة أهالي المفقودين وداد حلواني الصوت باسم كل أهالي المفقودين والمخفيين قسراً لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم: رئيس الجمهورية الذي دعم القانون وتبنى تطبيقه لدى زيارة لجنة الأهالي له في القصر الجمهوري إثر إقراره مباشرة، وكذلك دعمه "الفولاذي" للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان والمتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، عندما أقسم أعضاؤها اليمين أمامه، لتقول له " نحن اليوم ننتظر الإيعاز لجميع المعنيين بالإنتقال من القول إلى الفعل، الى الشغل الفعلي يا فخامة الرئيس".

ودارت حلواني برأسها نحو القصر الحكومي لتذكّر الرئيس سعد الحريري بدعمه القانون ولجنة الأهالي في تطبيقه وإيفاده النائبة بهية الحريري العام الماضي تأكيداً لالتزامه. وقالت له "القانون يا دولة الرئيس صار في مرمى الحكومة، بعدما أودع وزير العدل رئاسة مجلس الوزراء، في شهر تموز الماضي، مشروع مرسوم تشكيل الهيئة الوطنية المستقلة عملا بنص المادة (10) من القانون. وعليه، ولما كنت قد أعلنت أن الحكومة قد استعادت نشاطها بعد انقطاع، وأنها سوف تستأنف عملها وستعقد جلسات مكثفة لتسيير شؤون البلد وناسه". وسألته "ما الذي يمنع أن يدرج مرسوم تشكيل الهيئة على جدول أعمال أول جلسة لمجلس الوزراء؟" وكان القاضي جوني قزي صرح قبل يوم في احتفال نظمته البعثة الدولية للصليب الأحمر، أن مشروع مرسوم تشكيل الهيئة يقترح 4 نساء من أعضائها العشرة.

وتزامن صدور قانون الاشخاص المفقودين والمخفيين قسرا في لبنان قبل تسعة أشهر مع الذكرى ال 36 لولادة لجنة الأهالي. وهو ما اعتبرته حلواني "مصادفة لافتة، لكنها بالتأكيد غير مقصودة، فنحن لم نُمنح القانون كهدية عيد. نحن انتزعناه بعرق جبين مضن وشاق. عملنا على مدار سنوات حصدت وتحصد منا سنويا عددا من الأمهات والآباء، يمضون وغصة اللاخبر تدفن معهم".

بعرق الجبين نفسه، انتزع أهالي المفقودين وعبر مجلس شورى الدولة حقهم بمعرفة مصير ذويهم، وهو الحق نفسه الذي لم يتنازلوا عنه، ولأجله اليوم يطالبون بتطبيق القانون، القانون الذي لم يكن خاتمة النضال، بل باكورة البدء بتفعيل حق الأهالي بمعرفة مصير أحبتهم.

ومن حولها أهالي المفقودين الذين أتوا من كل لبنان، توجهت حلواني إلى جميع المسؤولين والفاعليات واللبنانيين واللبنانيات بالقول: "هيا إلى العمل كل من موقعه. إن الإسراع في تشكيل الهيئة الوطنية المستقلة للكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسريا وفق المعايير المعتمدة دوليا لن يكون بمثابة هدية إلى الضحايا وذويهم وحسب، بل سيكون الدليل على استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، وعلى إعادة سمعة لبنان في ما يتعلق بحقوق الانسان بعدما ارتجّت صورته في العالم. نريدها هيئة يقال عنها بعد إتمام مهمتها، "بلى، هذا كان ممكنا في لبنان.. بلى، هذا ما زال ممكنا في لبنان، وبإشراف الدولة اللبنانية". هل صار ممنوعا تصور الدولة بدون محاصصة؟ هل صار الحلم ممنوعا أيضا؟

وعلى طريقتها في متابعة النضال وعدم الركون إلى الإنجازات، أكدت حلواني أن الأهالي لن يكتفوا بتشكيل الهيئة، بل "سنبقى على قدر المسؤولية الموازية لنبل وقدسية قضيتنا. سنواكب ونراقب عمل الهيئة. سنكون إيجابيين وفعالين بعلاقتنا بها. سنكون إيجابيين بالتعامل معها وبتسهيل عملها. نحن سنضع كل إمكانياتنا بتصرف هذه الهيئة، لن نبخل ولن نحجب أي معلومة نملكها، وندعو من خلالها (الهيئة) الجميع، خصوصا المشككين، المتخوفين والمترددين، وفي أي موقع كانوا، إلى حذو حذونا".

ووفق حلواني، لا يريد الأهالي أي هيئة بل "هيئة مطابقة للمواصفات الإنسانية، وأكرر عن قصد، ولا أقول الطائفية أو المذهبية، وخذوا وطنا معافى، سيدا حرا، مستقلا، تخطى المحاصصة والتبعية، وصار يتسع لجميع أبنائه والمقيمين على أرضه. وليكن الشعار كلنا من أجل الوطن. كلنا للوطن". 

وبشعور من يمتلك قانوناً بين يديه، تصرف أهالي المفقودين هذا العام "خرجوا عن المألوف ، أحسوا بوجوب مضاعفة جهودهم وتوسيع دائرة التحرك، حملوا القانون بيد ورفعوا مطلب تطبيقه باليد الأخرى. لم ينتظروا تاريخ 30 آب المحدد من قبل الأمم المتحدة، فنزلوا الى الشوارع والساحات في مختلف المناطق اللبنانية".

ومن زحلة بدأت الاحتفالات في 20 آب 2018. هناك، في ساحة المدينة، استعاد الأهالي بالصوت والصورة على "شاشة عملاقة محطات من تاريخ نضال طويل خاضوه باللحم الحي، مسلّحين بالحق وبحبهم للذين سُرقوا من أحضانهم وبيوتهم ولم يعودوا". وأخبرت حلواني عن الأهالي الذين تجمعوا "في طرابلس، في ساحة النور، وزينوها بجدارية نقشوا عليها بالألوان والأحرف تاريخ وجعهم ونضالهم وتمسكهم بحقهم. وانضم إليهم العديد من أهل المدينة وممثلي بعض الأحزاب، رفعوا معهم راية حق المعرفة".

ووصفت مشهد المعتصمين في صور، حيث "حمل الأهالي كراسي مفقوديهم الفارغة من الأجساد إلى شاطىء المدينة. حفروا حقهم بمعرفة مصير أحبتهم على رمل الشاطىء. قالوا أن البحر يستطيع إيصال صوتهم إلى من يفقدون. حتما البحر يستطيع إيصال بريدهم إلى العالم".

وقبل الختام في وسط بيروت، شيد الأهالي في 29 آب 2018 على تقاطع كنيسة مار مخايل في الضاحية الجنوبية، البيت الرمز "بيت عكس حجم الإشتياق، وأكد حق كل مفقود بالعودة الى دفء بيته وعائلته. هذا الحق مكرس في الإعلان العالمي لحقوق الانسان". وختاماً، هنا في العاصمة بيروت، جاء الأهالي يختزلون اعتصاماتهم، وفق حلواني، بشعار لازم يخلص الحكي ويبلش الفعل"، "لازم يخلص الحكي ويبلش الشغل".

جرى التحرك في تمام الساعة الحادية عشر صباحا حيث عُقد مؤتمر صحافي شارك فيه إلى جانب الأهالي، النائب غسان مخيبر والمحامي وليد ابو دية ممثلا نقابة المحامين في بيروت، والممثل الاقليمي لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في المنطقة العربية رويدا الحاج، ورئيسة الفريق المعني بالمفقودين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر مايكيه خرون، ورملة الخالدي من الأمم المتحدة، وعدد كبير من مناصري القضية. وبدأ المؤتمر بالنشيد الوطني والوقوف دقيقة صمت استنكارا وتكريما "لأرواح الموتى ونزلاء المقابر الجماعية من المفقودين، وتحية لأرواح الغائبين الحاضرين من الأهالي وتحية لروح غازي عاد".
وبعد كلمة حلواني، توجه الجميع نحو "بيت بيروت" في السوديكو الشاهد على شراسة الحرب ومرارتها حيث تنظم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي معرضا تفاعليا للمناسبة عينها، ويستمر المعرض حتى السادس من أيلول 2019.
 

هل أنت جاهز للبحث عن أهل إبراهيم؟

من داخل "بيت بيروت" ترحب بك شاشة تلفزيونية تعرفك على "إبراهيم" (الممثل طوني نصير) يخبرنا عن حادثة اختفاء ذويه، قصة وهمية تحاكي قصص المفقودين ومن ثم ينتقل الحضور داخل الغرف المرقمة من واحد إلى خمسة، من أجل البحث على أدلة كافية لإيجاد والد ووالدة إبراهيم اللذين فقدا في الحرب الأهلية خلال توجههم إلى مطار بيروت.

ففي كل غرفة يوجد دليل معين، رسالة، صورة، خبر من جريدة، وحتى تقارير وقعها أطباء تدل على عدد الضحايا ونوع الإصابات، طبعا كل هذه الأدلة وهمية لكنها تحاكي الواقع المشؤوم الذي يعيشه ذوو المفقودين. تخبرنا ملاك جعفر التي رافقت فريق لـ"المفكرة" بجولة على غرف المعرض وهي من فريق الصليب الأحمر الدولي، أن الهدف من إختيار شخصية وهمية وأدلة وهمية هو مراعاة شعور أهالي المفقودين الذين لا طاقة عند البعض منهم لذكر تفاصيل الإختفاء، فكان من الأفضل الإستعانة بـشخصية "إبراهيم" المتخيلة.

وبحسب رونا حلبي، المتحدثة الإعلامية باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، "الهدف من هذه التجربة التفاعلية تعريف أهالي المفقودين على طبيعة عمل الصليب الأحمر خلال جمع المعلومات والبيانات، وهي خطوة تحضيرية من أجل تسليم هذه البيانات فيما بعد للهيئة الوطنية المراد إنشاؤها فلا تبدأ عملها من مرحلة الصفر. فهذا المعرض غير تقليدي جعل الأهالي جزءاً من فريق البحث الموكل بجمع المعلومات".