على مرّ التاريخ البشريّ، شنّت الأنظمة والحكومات حروبا لا حصر لها، بعضها كان توسّعيا ظالما وبعضها دفاعا عن النفس أو لاستعادة حقوق مغتصبة. لكنّ التاريخ عرف أيضا أنظمة أعلنت حروبا لم تهدف سوى لتنفيس أزمات داخليّة أو لإلهاء الأنظار عن فشل أو تقصير أو فساد. في هذا النوع من المعارك تعلو الأصوات والشعارات على السيوف والهامات والإنجازات الميدانيّة، ليكون واقع الحال أشبه برحى يطحن الهواء ولا يخلّف سوى الجعجعة ومزيدا من الانتظار لنتائج تُسمع عبر أبواق الدعاية ولا تتحسّسها الأعين ولا تترجمها الأرقام والوقائع. هنا، من تونس، ما تزال البلاد منذ ثلاث سنوات تعيش على وقع الحرب على الفساد، التي أعلنها رئيس الحكومة يوسف الشاهد منذ تنصيبه في 03 أوت 2016 كأولويّة مطلقة بعد الحرب على الإرهاب. عبر محطّات عدّة، بين سنتي 2017 و2018، استفاق التونسيّون على طبول المعارك في هذه الحرب، لكنّهم حتى هذه اللحظة، لم يروا سوى غبار لم ينقشع عن الساحات حاجبا وراءه عشرات الأسئلة والنتائج الموعودة.

مثّل حوار سفير الاتحاد الأوروبي، باتريس برغاميني، يوم 09 جويلية 2019، مع صحيفة لوموند الفرنسيّة، ضربة موجعة للدعاية الحكوميّة حول الحرب على الفساد. هذه المقابلة التي اعترف خلالها برغاميني بتحكّم اللوبيات العائليّة بمفاصل الاقتصاد التونسيّ، ودورها المؤثّر في عرقلة أيّ جهود لإرساء مناخ من الشفافيّة والنزاهة في مختلف القطاعات التي تتقاطع ومصالحهم، أثارت حفيظة الحكومة التونسيّة التي سارعت إلى استدعاء سفير الاتحاد الأوروبي لطلب توضيحات، دون أن يصدر منها بالمقابل ردّ حاسم بخصوص تلك التصريحات. حوار برغاميني جاء بعد أيّام من إعلان تونس تعليق المفاوضات حول اتفاق التبادل الحرّ والشامل والمعمّق بين تونس والاتحاد الأوروربيّ. وفيما فسّره البعض كردّة فعل غاضبة من قبل الأوروبيين على الممانعة التونسيّة الرسميّة المدفوعة برفض مجتمعي وسياسيّ واسع لهذه الاتفاقيّة، إلاّ أنّه يعكس في جانب منه امتعاض الأوروبيّين من تغلغل الفساد في مفاصل الدولة التونسيّة ويعرّي حقيقة الحرب الحكوميّة على الفساد التي تدخل عامها الثالث من دون أيّ نتائج ملموسة على الأرض رغم ترسانة الإجراءات التي أقرّتها الحكومة في العلن ومئات الخطابات والمؤتمرات الموجّهة للاستهلاك المحليّ أو للدعاية الدوليّة حول "المجهودات الصادقة للحكومة في مكافحة الفساد".

وقد جاءت هذه التصريحات بالتزامن مع قرار دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف في تونس بإطلاق سراح كاتب الدولة السابق للطاقة والمناجم هاشم الحميدي في 10 جويليّة الجاري بعد أنّ تمّ إيقافه منذ شهر أكتوبر 2018 بتهم تتعلّق بالرشوة والفساد المالي، وهي تعيد تسليط الضوء على حرب رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الفساد مثيرة التساؤلات حول مغزاها وجدواها وما حقّقته من نتائج طيلة الفترة الماضية.

 

الحرب على الفساد: مُكره أخاك لا بطل

كانت البلاد تعيش على وقع الفشل في إدارة الملف الاقتصادي وتفاقم حالة الاحتقان الاجتماعي الذي بلغ ذروته في انفجار موجة الاحتجاجات في أكثر من 16 محافظة بداية شهر جانفي سنة 2016، حين أعلنت رئاسة الجمهوريّة عن اتفاق قرطاج الذي نصّب ما عُرف بحكومة الوحدة الوطنيّة التي ترأسها يوسف الشاهد. هذه الوثيقة التي وقّعتها اثنتا عشرة منظّمة وحزبا تضمّنت ما يشبه خطّة عمل مستقبليّة للحكومة القادمة، واضعة الفساد كأحد أبرز أوليّات العمل الحكوميّ عبر جملة من التوصيات تمحورت بالأساس حول وضع خطة وطنيّة لمقاومة الفساد، الإسراع في سنّ القوانين والإجراءات الدّاعمة للشفافيّة ومقاومة الفساد وفقا للمعايير الدّوليّة إضافة إلى دعم دور المجتمع المدني في مقاومة الفساد.

لم يخرج الشاهد عن توصيات الاتفّاق، ليرفع بدوره شعار مكافحة الفساد كأحد النقاط الرئيسيّة لبرنامجه خلال جلسة المصادقة على فريقه الحكوميّ في مجلس نوّاب الشعب في 26 أوت 2016. هذا الشعار الذي طغا على الخطاب السياسيّ في مرحلة ما بعد اتفاق قرطاج، فرض نفسه كأولويّة مطلقة مغيّبا جملة من محاور التجاذب السياسيّ التي طغت على المشهد طيلة السنوات السابقة على غرار قضايا المديونيّة والتدهور الاقتصاديّ ومشروع الإصلاح الهيكليّ للقطاع المالي، خصوصا وأنّ مختلف مكوّنات الائتلاف الحاكم الذين غضّوا الطرف عن ملفّ الفساد طيلة سنتين تقريبا، كانوا قد قرّروا سلفا قبل تشكيل حكومة الوحدة الوطنيّة المحافظة على سياسات الدولة وخياراتها الاقتصاديّة التي كانت مسؤولة عن تأزّم الوضع الحالي. خيار أعلنه الباجي قائد السبسي في الثاني من جوان 2016، قائلا: “حكومة الوحدة الوطنية ستناقش الخيارات التي مضت فيها سابقتها، وتواصل فيها”. لكنّ مقتضيات التغيير الحكوميّ فرضت البحث عن خطاب سياسيّ بمرتكزات وأولويات جديدة.

لكنّ الحضور الطاغي لخطاب الحرب على الفساد لم ينشأ من منطلقات أو استحقاقات سياسيّة بحتة. فقد اقترنت تلك المرحلة بتعاظم ضغط المنظّمات والجمعيّات وعدد من مكوّنات المعارضة السياسيّة لفتح ملفّ الفساد والبدء بحرب حقيقيّة ضدّ هذه الآفة التي نخرت مختلف مؤسّسات الدولة. ففي تلك السنة كانت التقارير الصادرة عن هيئات الرقابة المحليّة تعرّي حجم الفساد المستشري في البلاد. فقد كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أنّها تعالج أكثر من 14 ألف ملّف يتعلّق بالفساد، تنقسم إلى 5000 آلاف قضيّة تعود إلى عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن عليّ، بينما ورد إليها بين سنتي 2015 و2016 ما يفوق 9000 ملفّ.

وقد شملت الإخلالات وشبهات الفساد بحسب التقرير المذكور والتقرير العام السنوي الثلاثون لدائرة المحاسبات، أغلب المؤسّسات العموميّة في مجال التصرّف والصفقات العموميّة والانتدابات والتي تمظهرت عبر استغلال النفوذ والاختلاس والرشوة في 27 مصلحة إداريّة وشركة عموميّة. وقد أدّى استشراء هذه المعضلة إلى تكبيد الدولة خسائر تقدر ب 25% من الحجم الجملي للصفقات العمومية نتيجة الفساد في التصرف في الشراءات العمومية بحسب رئيس الهيئة وبقيمة جمليّة تناهز 820 مليون دولار. هذا التشخيص يتقاطع بدوره مع تقرير "التقييم الوطني لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب" لسنة 2016 والصادر عن اللجنة التونسيّة للتحاليل الماليّة التابعة للبنك المركزي التونسي. وقد حذّر هذا التقرير بشكل صريح من تفاقم جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب والذي بلغ مستويات مرتفعة نسبيّا، مشيرا إلى ضعف فعاليّة الإجراءات والممارسات الخاصة بالرقابة وغياب جهة رقابية محددة معنية بهذا النوع من الجرائم، إضافة إلى تأخر تطبيق العقوبات الإدارية من قبل الأجهزة الرقابية والهيئات التعديلية وتأخر صدور أحكام قضائية ضد مرتكبي هذه الجرائم. أمّا على الصعيد الدوليّ، فلم يكن التشخيص أقلّ سوءا، إذ احتلّت تونس المرتبة 75 في مؤشّر مدركات الفساد الصادر عن منظّمة الشفافيّة الدوليّة بعد أن كانت تحتل المرتبة 59 سنة 2010، لتصدر نفس المنظّمة لاحقا تقريرا بعنوان «الناس والفساد» في إطار دراسة مسحيّة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2016، كشفت فيه أنّ حجم الفساد في تونس يعادل 2% من الناتج الداخليّ الخام ويتسبّب في إهدار مليار دولار سنويا من موارد الدولة.

الاتحاد الأوروبي بدوره كان أحد المحذّرين من تفاقم انتشار الفساد في مفاصل الدولة التونسيّة، حيث نبهّت وثيقة صادرة عن البرلمان الأوروبي في 14 سبتمبر 2016، تتضمّن 70 نقطة في شكل دعوات وتوصيات بعنوان ”علاقات الاتحاد الأوروبي بتونس في السياق الإقليمي الراهن”، إلى خطر هذه الآفة على مسار الانتقال الديمقراطي. وقد دعت الوثيقة الحكومة التونسيّة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لمحاصرة الفساد خصوصا فيما يتعلّق بالصفقات العموميّة وتوفير الاعتمادات اللازمة لتعزيز عمل الهيئات الرقابيّة وإرساء مناخ من الشفافيّة والنزاهة في الوسط الاقتصاديّ. الامتعاض الأوروبي سرعان ما تحوّل إلى اجراءات عقابيّة تمثّلت في مصادقة وزراء ماليّة الاتحاد الأوروبي في 05 نوفمبر 2017 على إدراج تونس ضمن قائمة من 17 دولة تمّ تصنيفها كملاذات ضريبيّة تتقاعس في مكافحة التهرّب الضريبيّ.

 

الحرب على الفساد تحجب فسادا آخر

كان الأمر يتطلّب سنة تقريبا لتبدأ حكومة الشاهد حربها المُعلنة ضدّ الفساد. فبينما كانت معظم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي منكبّة على متابعة تطوّر الأحداث في محافظة تطاوين خصوصا عقب مقتل الشاب أنور السكرافي أثناء فضّ إعتصام الكامور، انتقل الاهتمام الإعلامي والشعبي إلى مقرّ رئاسة الحكومة في القصبة يوم 23 ماي 2017 بعد إيقاف صاحب الأعمال الصاخب شفيق جرّاية ومرشّح الانتخابات الرئاسيّة 2014 ياسين الشنّوفي وعدد آخر من أصحاب الأعمال والمهرّبين. وفي 26 ماي 2017، أعلنت لجنة المصادرة قرارها بمصادرة أملاك أصحاب الأعمال الموقوفين على ذمة التحقيق. تتالى لاحقا الأخبار حول إيقافات في صفوف عدد من المهرّبين بجهة صفاقس والقصرين ومدينة بن قردان الحدوديّة، لتبدأ التركيبة البشرية التي استهدفتها حملة الإيقافات في التشكلّ أساسا من المهرّبين ومن عدد من أعوان الحرس الديواني دون أن تتجاوز هذه الحملة رؤؤس الفساد لا بل حتى أذرعها.

هذه الضربة، التي شتّتت الأبصار عن حراك أهالي تطاوين الذين رفعوا في احتجاجاتهم أحد أبرز المطالب المحرّمة وهي مراجعة عقود استغلال الثروات الطبيعيّة وأخرجت الحكومة الفتيّة من مأزق داخليّ وخارجيّ، سرعان ما فترت، مع اندلاع حرب جديدة في أروقة مجلس نوّاب الشعب وبين قصري القصبة وقرطاج، بعد تعاظم طموحات رئيس الحكومة يوسف الشاهد وتصادمه مع رغبات رئيس حزبه الأمّ ونجل رئيس الجمهوريّة حافظ قائد السبسي.

احتدام الحرب السياسيّة الجديدة بين الشاهد وحافظ قائد السبسي الذي جرّ والده إلى صفّه، ومطالبة السبسي الأب رئيس الحكومة في 15 جويليّة 2018، بالاستقالة أو تجديد الثقة في مجلس نوّاب الشعب، دفعت هذا الأخير إلى الاستنجاد مرّة أخرى بشعار الحرب على الفساد. فجأة ودون مقدّمات، يخرج الناطق الرسميّ باسم الحكومة، إيّاد الدهماني في 31 أوت 2018، معلنا اكتشاف الحكومة لشبهات فساد تتعلّق بامتياز الحقل النفطيّ حلق المنزل في ما عُرف لاحقا على مواقع التواصل الاجتماعيّ بقضيّة “بيع النفط خلسة“. إعلان تلاه إلغاء وزارة الطاقة وإقالة وزيرها وأربعة مسؤولين وتجميد عمليات الحفر. لم تدم البروباغندا التي أحاطت بقرار الشاهد طيلة الأيّام اللاحقة طويلا، لتدخل الحادثة سريعا طيّ النسيان أو التناسي. فالرواية الحكوميّة التي اتهمت شركة TOPIC باستغلال الحقل النفطيّ من دون ترخيص منذ سنة 2009، تغيّرت ليدور الحديث لاحقا حول التباس في تأويل فصول مجلّة المحروقات. أمّا شبهة الفساد فتحوّلت إلى تقصير إداريّ. لكنّ الملّف الذي خَفتَ بنفس السرعة التي خرج بها إلى الرأي العام، خلّف وضعا غامضا للشركة “المُتّهمة”خسائر بأكثر من 95 ألف دولارا يوميّا ستتحمّل منها الدولة التونسية ما نسبته 70% وفق النظام الجبائي المعمول به بالنسبة للقطاع النفطي، ليتحمّل الشعب التونسيّ تبعات معركة استدعيت على عجل لإنقاذ رأس الشاهد وحكومته.

أمّا على الصعيد التشريعيّ، فقد تمّ خلال السنوات الثلاث الماضية، المصادقة في 23 نوفمبر 2016، على نصّ القانون الأساسي عدد 57 لسنة 2016 الذي عهد رسميّا للقطب القضائي الاقتصادي والمالي للإشراف على مسار التحقيق في الجرائم الاقتصادية والمالية المعقدة. كما صادق البرلمان في 22 فيفري 2017 على قانون الإبلاغ عن الفساد وحماية المُبلغين عنه. لكن، وخلف هذه المعارك الصاخبة ضدّ "الفساد"، كانت الحكومة تخطّ مسارا آخر يتناقض وخطابها المُعلن عبر إجراءات وقرارات أو تعامٍ عن ملفّات أحاطت بها وما تزال العديد من التساؤلات وشبهات الفساد. فبعيدا عن سياق التضخيم الدعائي للحرب الحكوميّة، تكشف ممارسات السلطة عن وجود فساد ”ممؤسس“، ترعاه أجهزة الدولة ومؤسسات الحكم، لتُعبّر عنه الخيارات الحكومية في محطّات عديدة. أول هذه الخيارات تجلّى في التغاضي عن فتح ملفات الفساد البنكي والإداري وعلى رأسها قضيّة البنك الفرنسي التونسي الذي تمّ توظيفه لخدمة حاشية النظام السابق والدائرة القريبة منه من أصحاب الأعمال والذي كلّف الدولة حتّى الآن أكثر من 300 مليون دولار، دون أن يتمّ اتخاذ قرار حاسم بإنقاذ هذه المؤسّسة الماليّة العموميّة وملاحقة المستفيدين من القروض غير المستخلصة. كما تراخت حكومة الشاهد في مقاومة التهرّب الضريبي لتذهب إلى حدّ تكريس الإضطهاد الجبائي في قانون المالية لسنة 2019 عبر تأجيل تطبيق الفصل 13 من قانون المالية 2019 والخاصّ بمراجعة نسبة الضريبة على الشركات وإخضاعها لنسبة 35% وإرجائه إلى سنة 2020، ومحاولات سابقة لتمرير عدد من فصول قانون المصالحة الاقتصاديّة ضمن فصول الموازنات العموميّة لسنة 2017. إجراء لا يقرأ خارج إطار محاباة الممولين المستقبليّين للحملات الإنتخابيّة المنتظرة في نهاية سنة 2019، والذين صاروا مكوّنا أساسيّا في المشهد السياسيّ لتونس ما بعد الثورة. لتتجلّى محاباة الفساد بصورة أكثر فجاجة في تدخّل رئاسة الحكومة مباشرة وتسخير القنوات الرسميّة لإنقاذ أصول وأموال صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، مروان مبروك عبر مراسلة تقدّم بها رئيس الحكومة يوم 22 نوفمبر 2018 إلى الاتحاد الأوروبي طالبا رفع التجميد الأوروبي عن أموال هذا الأخير منذ 28 جانفي 2011 وحذف اسمه من قائمة ال 48 المشمولين بهذا القرار.

هذا وتعدّ الحكومة خطوتها الأخيرة عبر تقديم مشروع حكوميّ للمصالحة الاقتصاديّة بدعم من مختلف الكتل البرلمانيّة للائتلاف الحاكم، وهو مشروع سيكمّل قانون المصالحة الإداريّة الذي تمّ تمريره في 13 سبتمبر 2017. ويرتقب أن يكون هذا القرار الهديّة الأخيرة من حكومة الحرب على الفساد، بمنح طوق نجاة تشريعيّ جديد للوبيات الاحتكار والفساد المالي والتجاريّ. مشروع ما يزال قابعا حتّى هذه اللحظة في أدراج مجلس نوّاب الشعب، في انتظار اقتناص اللحظة المناسبة لطرحه، ربّما لما قد يسبّبه من احتجاجات ومعارضة واسعة لن تكون في مصلحة المراهنين على الاستحقاق الانتخابيّ قبيل الأمتار الأخيرة منه.

 

تحصين الفساد: زواج السلطة والثروة

يشرّح الكاتب الأمريكي والباحث في العلوم السياسيّة مايكل جونستون؛ في كتابه "متلازمات الفساد، الثروة والسلطة والديمقراطيّة" ظاهرة تحالف السلطة والثروة وفساد المناخ السياسيّ قائلا:

"عندما تعمل نخب الدولة في بيئة من المؤسسات الضعيفة وقدر محدود من المنافسة السياسية وتوسّع في الفرص الاقتصادية فإن المجال يصبح مفتوحاً للفساد والإفلات من العقاب. في هذه الحالة نكون أمام متلازمة “المسؤولون الحكوميون” حيث تمسك الشخصيات السياسية وأقربائهم وإخوانهم بكل الأوراق. وهنا يستشري الفساد على شكل أحادي الجانب من قبل السلطة، ففي حالة المسؤولين الحكوميين الأثرياء فإنه ما من شيء يمنع الشخصيات السياسية الطموحة من سلب المجتمع والاقتصاد."

في ظلّ اتفاق ضمني بين مختلف أطياف المشهد السياسيّ على بقاء الفساد مفهوما هلاميا غير واضح المعالم، امتدّت هذه الآفة "الأسطوريّة" في تونس لتتعدّى بعدها الاقتصاديّ والماليّ فتشمل البعد السياسيّ. من هنا تحوّلت مؤسّسات الحكم إلى فناء ثانٍ لممارسات فساد جديد بالتحايل على إرادة الشعب وأحكام العمليّة الانتخابيّة بخلق قنوات خلفيّة لصنع التوافقات السريّة وتصريف الخلافات والتساهل مع السياحة الحزبيّة وشراء المقاعد والولاءات. هذا الفساد الذي نتج عن تزاوج الثروة بالسلطة عقب اندفاع أصحاب الأعمال إلى ترأس القائمات الانتخابيّة سنة 2014 لتبلغ نسبة حضورهم أكثر من 10% من إجماليّ النوّاب إضافة إلى تمويل الأحزاب المتنافسة، أنتج واقعا مشوّها أخضع سياسات الدولة للمصالح الخاصة وحسابات الربح والخسارة وجعل من الحقل السياسيّ أرضا خصبة لشتّى أنواع الفساد.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا