تناقل الوسط الإعلامي والحقوقي التونسي بتاريخ 17-04-2017 تسريبا صوتيا من داخل مجلس هيئة تحرير قناة نسمة التونسية كشف عن تعمّد مالكها نبيل القروي توظيف فريقها الصحفي في حملة دعاية وتشويه تستهدف أعضاء جمعية "أنا يقظ" على خلفيّة عملهم على ملف تضمن اتهاما له ولمؤسسته بالتهرب الضريبي. لم يمنع هذا التسريب مالك القناة من المضي فيما خطط له كما لم يكن استصدار جمعية "أنا يقظ "بتاريخ 23-04-2017 لقرار قضائي يفرض على القناة تمكينها من حق الرد كافيا لفرض سلطة القانون على قناة اختارت أن يكون خطها التحريري انعكاسا لصورة مالكها وأداة لتحقيق مطامحه.

لاحقا، سخّرت القناة جانبا هاما من بثها للدعاية لجمعية خليل تونس الخيرية، تلك الجمعية التي تولى مالكها بعثها وأعلن تفرغه لإنجاحها. كانت القناة وسيلة تعريف بنشاط الجمعية وأداة تغطية لزيارات رئيسها والعاملين معه لمختلف جهات الجمهورية بدعوى مساعدة المحتاجين.

حوّل التركيز الإعلامي على قوافل الخير وموائد الإفطار الجماعي مالك القناة لرمز من رموز التكافل الاجتماعي في الوسط الشعبي. وتكفلت ذات المنصة الإعلامية مع دنو موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 بالكشف عن وجه استثمار الصورة الخيرة من خلال إعلان مالك القناة مرشحا لرئاسة الجمهورية ورئيسا لحزب سيخوض الانتخابات التشريعية.

يعلن في الأثناء وتحديدا بتاريخ 08-07-2019 وعن غير انتظار عن كون قاضي التحقيق بالقطب القضائي المالي حجر السفر على القروي واتخذ قرارا في تجميد أمواله. يطرح هذا التطور السؤال حول ما إن كان القضاء قد أخذ زمام المبادرة في مكافحة فساد إعلامي أو أن هذا القضاء تدخل بفعل توظيف خفي له لكبح جماح طموح سياسي سلاحه "قناة تلفزية".

بعيدا عن جواب لسؤال لا تتوفر المعطيات الكافية للإجابة عليه، تبيّن لنا الحكاية في بعدها المتعلق بالإعلام أن أزمة البطالة التي اجتاحت قطاع الصحافة وهشاشة العمل في المؤسسات الإعلامية فرضت على صحفي نسمة القبول ولو على مضض بأن يكونوا أدوات تسويق لممارسة سياسية تستبطن الفساد وتستعمل أدواته. وعكس وضعهم هذا إلى حدّ بعيد ما بات يواجه الإعلام التونسي من إكراهات تفرض على مؤسساته والمشتغلين به أدوارا في تبييض ما قد يكون فسادا أو في أدنى الحالات تجنب الدخول في مواجهة معه. وهي ضغوط تماثل ما يتعرض له زملاء لهم قادهم التزامهم المهني لحديث لم يرق لمشتبه في فسادهم.

 

الوظيفية الإعلامية في مرمى الفساد: إستهداف المال لسلطة تحتاجه

تؤكد الأوساط الإعلامية أن تكلفة يوم من البث لمحطة تلفزية تبلغ في تقديرها الأدنى 300 ألف دينار وهي كلفة يمكن أن تتضاعف بشكل كبير متى كان ما يتم بثه إنتاجا خاصا. كما تؤكد ذات الأوساط أن تكلفة عمل محطة إذاعية بشكل مسترسل لا تقلّ شهريا عن هذا المبلغ. فيما يتفق الإعلاميون على كون المردود المالي من بيع الصحف الورقية لا يكفي بذاته لتغطية مصاريف طباعتها وتوزيعها.

تبين هذه المعطيات المالية عن كون الإشهار يعد عصب الحياة في المؤسسات الإعلامية الخاصة، لكونه مصدر الدخل المالي الذي يمكنه أن يضمن لها ما يفترض في نشاطها من ربحية ومردودية مالية. على صعيد آخر، تستفيد مؤسسات إعلامية من حضور مكثف للمستشهرين يستحيل في كثير من الأحيان لفرض هيمنة لهؤلاء على خطها التحريري.

في جوابه عن السؤال حول علاقة أموال الإعلانات بالفساد1، يذكر هشام السنوسي عضو الهيئة العليا المستقلة للاتّصال السمعي البصري "الهايكا" لل "المفكرة" أن هيئته رصدت عددا من المؤسسات الإعلامية تواصل العمل منذ سنوات دون أن تستفيد من إشهار عمومي أو خاص، بما يؤشر عن حضور مال مشبوه أو سياسي في دورة إنتاجها ويعزز بالتالي شبهة فساد خطها التحريري. كما لاحظ السنوسي كون عدد من المؤسسات الإعلامية التي تستفيد من الإشهار ترفض مدّ الهيئة بكشف حول معاملاتها المالية، بما يرجح أن يكون ما تتوصل به من أموال من قبيل الفساد المقنّع. ولاحظ في هذا الإطار أن هيئته حاولت تقصي أثر المال الفاسد في الإعلام، فلجأت للبنك المركزي التونسي من أجل تحديد حركة الأموال بالمؤسسات الإعلامية طلبا لإيجاد التقاطعات مع القائمات المالية المقدّمة للهيئة وبين حركة الأموال. لكن البنك المركزي التونسي رفض الطلب استنادا لما ذكر أنه حماية للمعطيات الشخصية. وقد اضطر ذلك الهيئة إلى اللجوء إلى هيئة النفاذ إلى المعلومة، بتاريخ 13-05-2019 على أمل استصدار قرار في الغرض يصلح أن يكون مدخلا لفرض شفافية أكبر في الإدارة المالية لمؤسسات الإعلام تلائم خصوصيات هذه السلطة وتمنع قيام علاقة خفية بينها والفساد المالي. ولك يكن قرار الهيئة صدر بعد حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر2.

يتبين مما سلف أن السلطة الرابعة باتت اليوم مستهدفة بالمال الفاسد الذي يسعى لأن يتحكم فيها، طلبا لأن تكون أداة يستغلها في توجيه الرأي العام أو طلبا لمنعها من فضح تجاوزته. وتحتاج هذه السلطة في دفاعها عن نفسها لمساندة من غيرها من السلط عنوانها الأهم تخليق الفضاء العام وتنقيته من الفساد. وينتظر هنا أن يكون القضاء الرائد في ذلك، هذا القضاء الذي يشتكي جانب من الإعلام من محاولات توظيفه للحد من محاولاته بفضح الفساد.

 

تخوّفات من أن يتحوّل القضاء إلى حربة في يد مال فساد يحاول فرض قانون الصمت

لا يخفي الإعلاميون تخوفاتهم من دور قد يلعبه القضاء هدفه منعهم من ممارسة دورهم في مكافحة لفساد. يتجلى هذا الدور من خلال مظهرين: أولهما، زجري في مواجهتهم وثانيهما متهاون في مواجهة من يستهدفونهم على خطورتهم.

  • التتبعات الجزائية لتكميم الأفواه : مؤشرات مطمئنة وحذر واجب .

كشفت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في تقريرها السنوي لسنة 2019 عن رصدها ل 12 تتّبع قضائي ضدّ صحفيين بسبب محتوى إعلامي أو صفتهم الصحفية وذلك خلال الفترة الممتدة بين غرة ماي 2018 و30 أفريل 2019. ورصدنا من بين تلك الحالات حالتين فقط يمكن تصنيفهما من قبيل التتبعات التي تمت على خلفية عمل صحفي كشف فسادا أو مسّ دوائر نافذة.

الأولى، بتاريخ 4 أفريل 2018 وتمثلت في تقدم وزارة الصحة العمومية بشكوى ضدّ المراسلة الصحفية بولاية مدنين (جنوب تونس) يثرب مشيري على خلفية مقالين صحفيين لها صدرا بجريدة الشروق اليومية والإذاعة الجهوية الخاصة "صبرة أف أم" موضوعهما سرقة أدوية مخدّرة بمستوصف بروموت بتطاوين الشمالية. وقد وجّهت لها تهمة نشر أخبار زائفة على معنى الفصل 128 من المجلّة الجزائية. انتهى التتبع القضائي لاحقا بحفظ القضية خلال شهر فيفري 2019.

الثانية، بتاريخ 4 مارس 2019 وتمّ في إطارها استنطاق رئيس مكتب الجزيرة بتونس الصحفي لطفي الحاجي أمام فرقة الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية بحي الخضراء بتهمة التآمر على أمن الدولة بناء على شكاية رفعها ضدّه وزير الداخلية السابق لطفي براهم أمام النيابة العمومية. وتناولت الشكوى محتوى إعلاميا أعده الحاجي وتعرض فيه لما ورد بمقال نشره الصحفي الفرنسي "نيكولا بو" على الموقع الالكتروني "موند أفريك" ذكر فيه أنّ براهم قد عقد لقاء أواخر شهر مارس 2018 برئيس جهاز الاستخبارات الإماراتي بجزيرة جربة. ولا زلت القضية في طور البحث والتحقيق.

نلاحظ هنا أن التتبعات محدودة من حيث عددها. وإذ يوحي نقص التتبعات بوجود مزاج من السلطة أو من دوائر المال يؤشر إلى سأم من حرية الإعلام، إلا أن هذا النقص يجد تفسيره ايضا في الرقابة الذاتية التي يفرضها أصحاب المؤسسات الإعلامية على مجالس تحريرها فيما يتعلق بملف الفساد. فدور الإشهار في تمويل مؤسسات الإعلام الخاص يحتّم على مالكي تلك المؤسسات تجنّب إثارة مسائل قد تحرج المستشهرين. أما في الإعلام العمومي، فإن النزعة المحافظة لتلك المؤسسات والتي ما زالت سائدة تجعل أيضا من تناول ملف الفساد خارج إطار الخطاب السياسي السائد في شأنه من قبيل المحظورات. إلا أنه وبصرف النظر عن محدودية الإحالات، يلحظ أن القضاء لم يلتزم في الحالتين اللتين تم رصدهما بما يوجبه مرسوم الصحافة3 من منع لتتبع الصحفيين على خلفية عملهم بقواعد القانون الجنائي العام. وفيما يشكل هذا التجاوز خروجا عما يلزمه احترام الحريات الصحفية، إلا أنه يجدر أن نسجل أن القضاء تعاطى في الحالتين بمهنية مع الإثبات الجزائي للتهم.

ونقدر هنا أن مناخ الحريات الذي يسود تونس ما بعد الثورة ويقظة الهياكل المهنية للصحفيين يفسران ما يمكن أن يعدّ ضعف المخاطر الآنية التي تهدد حرية الإعلام. ولكن هذا لا يمنع ضرورة التنبه لما يمكن أن يجد من تطورات مستقبلا خصوصا في ظل ما يلاحظ على مستوى المشهد السياسي من تطور لحضور دوائر النفوذ المالي في المشهد السياسي.
 

تساهل مع المعتدين على الإعلاميين: استثمار في هشاشة الصحفي

على خلفية تحقيق استقصائي لها بتاريخ 30 أفريل 2019 تحت عنوان "القضاء أثبت أنّه قام بغسل 652 مليون دينار .. سليم الرياحي امبراطور غسيل الأموال"، تعرضت الصحفية بجريدة الصباح اليومية منية العرفاي لتهجّم لفظي وهرسلة. كما تعرضت نفس الصحفية والصحفي وليد الخفيفي لحملة تشويه سمعة من قبل المدير العام لشركة سبر الآراء "امرود كونسلتينغ" بلغ حدّ إصدار بيان بتاريخ 25 جوان 2019 ضدّهما مرده حجب نشر نتائج سبر الآراء حول نوايا التصويت للانتخابات المقبلة، بعد تفطنّهما إلى تلاعب بمنهجية العمل المتفّق عليها مع الشركة المذكورة حسب الاتّفاق بينهما منذ سنة 2015.

يكشف المثالان عن كون الدوائر النافذة تعمد في كثير من الأحيان لاستعمال التشهير كسلاح في مواجهة الصحفي وهدفها من وراء ذلك ترهيبه. وترى النقابة الوطنية للصحفيين أن مواجهة هذه الظاهرة بغاية منع تطورها في اتجاهات تمس من الحرمة المعنوية والجسدية للصحفيين يوجب على النيابة العمومية أن تتعامل بصرامة أكبر مع كل ما قد يتعرض له الإعلاميون من اعتداءات على خلفية نشاطهم المهني وبمناسبته.

 

خلاصة

يتبين مما سلف أن المال الفاسد وقد استغل هشاشة المؤسسات الإعلامية وضعف الحماية الفعلية للصحفيين من الاستغلال الاقتصادي نجح لحد بعيد في صناعة أذرع له في الوسط الإعلامي. ويخشى اليوم أن يستغلّ المال الفاسد تلك الأذرع ليفرض سيطرته على العملية الانتخابية ومؤسسات الدولة. كما يتبين أن الإعلام التونسي بسبب ما يعاني من إشكاليات وضعف قدرته على التقصي والتحقيق لا زال يخطو خطواته الأولى في صناعة إعلام قادر على مكافحة الفساد. ويجب دعمه في خطواته تلك منعا لسقوطه لكونه إن سقط اسقط المشروع الديمقراطي


 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا

 

 

1 أسند القانون للهيئة صلاحية تنظيم الإشهار في القنوات التلفزية والإذاعية من خلال استصدار القواعد السلوكية للإشهار عبر كراس شروط تقوم المؤسسات الإعلامية السمعية والبصرية بالإمضاء عليها عند حصولها على الترخيص القانوني،

2 15/7/2019.

3 اعتمدت قبل الثورة العقوبات السجنية التي كانت تتهدد الصحفيين في جرائم التشهير لترهيب الصحافة وأدت لصدور عدد من الأحكام بالسجن في حق صحفيين في قضايا رأي. كما ساهمت في تنمية هواجس الخوف وبالتالي الرقابة الذاتية لدى عدد هام من الصحفيين. تنبه مشرع ما بعد الثورة للموضوع وحرص بمناسبة سنّ المرسوم 115 المتعلق بالصحافة على أن تكون عقوبات جرائم الصحافة خطايا مالية. رصدت النقابة الوطنية للصحفيين والمجتمع الحقوقي والمدني التونسي رغم ذلك ترددا من القضاء في تفعيل مرسوم الصحافة وإصرارا منه على إحالة الصحفيين طبق قواعد القانون الجزائي العام. تراجع نسبيا هذا التوجه خلال السنة الماضية بفعل تطور الوعي والضغط الحقوقي. لكنه ما يزال متواصلا. وفي هذا الإطار رصدت وحدة الرصد الراجعة للنقابة الوطنية للصحافيين إحالة 6 صحفيين على أنظار القضاء بسبب محتوى إعلامي أو صفتهم الصحفية على معنى المجلة الجزائية في الفترة الممتدة بين شهر 11 من سنة 2017 و شهر 10 من سنة 2018.