صارت الحملات الإنتخابيّة مشهدا مألوفا في الشارع التونسي. فهي ليست المرة الأولى التي تعيش فيها البلاد مثل هذا الحدث الهام. فالدورة الأولى للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في 15 سبتمبر 2019 والتي سيتنافس خلالها 26 مترشحا، ستكون المرّة الثانية خلال 8 سنوات، التّي تحدّد فيها أصوات التونسيّين واختياراتهمإسم رئيسهم المقبل.

خلال مرحلة الحملات الإنتخابيّة، يحتلّ الخطاب السياسيّ الفضاء العام. فتنتشر ملصقات المرشّحين وبياناتهم الإنتخابيّة على جدران المدن والقرى، وتزدحم الطرقات بالسيارات المؤجّرة التي تحمل صورهم وشعارات أحزابهم. أمّا أرصفة الطرق الرئيسيّة والأسواق الأسبوعيّة، فتضيق بروّادها بعدماانتصبت فيها الخيم الدعائية التّي ينتشر حولها شباب من الجنسين يحملون رقم الإقتراع الخاصّ بمرشّحهم وصوره على قمصانهم وقبّعاتهم. دور هؤلاء هو محاولة إقناع المارّة بإنتخاب هذا المرشح. ولهذه الغاية، تراهم يسوّقون كلّ الحجج ويستعرضون كلّ "محاسن" مرشّحهم.

 

انطلاق الحملات الإنتخابية: موسم العمل المُنتظر

ليس من الصعب أن تلاحظ أن معظم الناشطين في هذه الخيم هم من الشباب. البديهيّ في هذه الحالة أن يكون هؤلاء منتسبينإلى هذه الأحزاب ومن المؤمنين بمبادئها والمتشبّعين ببرنامجها. لكن الواقع مغاير تماما، فمعظم شباب الحملات الانتخابية هم أجراء موسميّون يقومون بهذا العمل بمقابل مادي ويخضعون لتسعيرة معينة. "سأعمل مع هذا الحزب لمدة 10 أيام، سأجني منها 300 دينار، مقابل توزيع البيانات وقيادة السيارة الخاصّة بالحملة". هذا ما قاله لنا حسام ذو 26 ربيعا، والذي منح نفسه إجازة من عمله الأصليّ في قطاع البناء ليسخّر وقته وجهده في الحملة الإنتخابية لمرشّح أحد الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في الانتخابات الرئاسيّة السابقة لأوانها. حسام ليس الوحيد في فريق هذا الحزب، فزميلته وفاء التّي ناهز عمرها 27 سنة دون أن يسعفها الحظّ بمورد رزق بعد تخرّجها من الجامعة، ستكون ضمن هذا الفريق. "لقد اقترحوا علي أن أكون مراقبةً عن الحزب في أحد مراكز الإقتراع، مقابل مبلغ 40 أو 50 دينارا. فلم أتردّد كثيرا ولم يحتج منّي الأمر وقتا للتفكير لأوافق على هذا العرض" وأضافت وفاء، "بالنسبة لي هي فرصة جيدة للحصول على بعض المال، فالبطالة هي أكثر ما دفعني لقبول هذا العرض. أنا لا علاقة لي بهذا المرشح ولا بحزبه، ولن أقوم بانتخابه. كل ما في الأمر أنها فرصة لكسب المال وخوض تجربة من شأنها كسر رتابة الحياة التّي أعيشها".

لا تعتبر ظاهرة التعويل على "أجراء" يقومون بأعمال الحملة الإنتخابية أمرا جديدا في تونس،فهو حلّ لجأت إليه عديد الأحزاب التي تعاني نقصا في عدد المنخرطين وخاصةً من صنف الشباب، منذ أول إنتخابات حرة شهدتها البلاد في أكتوبر 2011. "إتصل بنا شخص للقيام بحملة لصالح أحد الأحزاب التونسيّة في الانتخابات الرئاسيّة والتشريعية سنة 2014. تمّ اختياري لأنّني معروف في جهتي وأملك شبكة علاقات مهمة. في اليوم الأول تحصلت على 30 دينارا، لكن المشرف على الحملة في منطقة الجنوب الشرقيّ للبلاد، أعجب بعملي وطريقة حديثي واستقطابي للناخبين، فقرر أن أتحصّل على 100 دينار في اليوم" هكذا بدأت تجربة محدّثنا شاكر مع العمل السياسيّ الموسميّ. ليضيف هذا الشابّ أنه ما يزال على هامش سوق الشغلرغم تجاوزه العقد الثالث من العمر."لقد جمعت مبلغاً محترما من المال حينها، وكنت في أمس الحاجة إليه، باعتبار أنّني حديث الزواج ولا أملك عملا قاراً. كذلك استطعت زيارة العديد من النزل الفخمة وتنظيم سهرات مع فريق الحملة تحمّل الحزب تكاليفها، وهي فرصة ما كانت لتسنح لي لولا مشاركتي في حملته الإنتخابية". 

يعاني الشباب في تونس من عديد المشاكل الإقتصادية نتيجة لتفشي ظاهرة البطالة والتشغيل الهشّ. هنا، تستغلّ الأحزاب هذا الوضع الماديّ والإجتماعيّ الصعب لجلب يد عاملة سياسية رخيصة الثمن لإستغلالها في حملاتها الإنتخابية. في المقابل، لا يحصل هذا "العامل" على شيء سوى بعض الدينارات دون أن يوقّع عقدا أو يتحصّل حتّى على وصل باستلام هذه الأموال. أمّا عمليّة الإختيار والفرز فتتمّ وفق معايير معيّنة.فالعاطلون عن العمل ممن تركوا مقاعد الدراسة مبكّرا والذين لا يتمتعون بزاد ثقافي جيد، توكلإليهم مهام قيادة السيّاراتونصب الخيام وحماية الحملة من المتطفلين. أما المعطلّون عن العمل من خرّيجي الجامعات وذوي العلاقات الواسعة في قراهم ومدنهم فتُعهد إليهم مهام الترويج للمترشح والحزب واستقطاب الناخبين وإقناعهم.

ورغم أن "الأجير" في الحملة الإنتخابية يقوم بالترويج لمرشح يتناقض في بعض الأحيان مع مبادئه وأفكاره السياسية، إلا أن هشاشة وضعيته الإقتصادية تدفعه للقبول بهذا الأمر. واقع يؤكّده محدّثنا شاكر قائلا؛ "عملي في تلك الحملة ظلّ وصمة عار في حياتي. فحتى بعد مرور 5 سنوات مازال أصدقائي يعيرونني بما قمت به حينها ويعتبرونه موقفاً مقرفاً. لكن مع ذلك،ورغم اشمئزازي ممّا قمت به، مازلت أبحث في هذه الإنتخابات عن مرشح لأعمل في حملته الإنتخابية" ليضيف، "الوضع لم يتغير، أنا مازلت عاطلاً عن العمل ولا أملك قوت يومي، وبالنسبة لي فإنّ هذه الإنتخابات هي موسم سخيّ لجني بعض المال، كنت أنتظره منذ سنة 2014."

بالنسبة لهؤلاء الشباب لا تمثل الإنتخابات عرساً ديمقراطياً، ولا موعدا هاما للتغيير أو محطةً في مسار الإنتقال الديمقراطي في تونس التّي تتحوّل خلال هذه الفترة إلى محطّ أنظار العالم كلّه. فهُم لايروْنه من منظارهم الخاصّ بعدسات البطالة والفقر، سوى موسما جديدا لجني المال.


 

ظاهرة تأجير الأنصار: إبحث عن اليأس

لا يمكن الإقتصار على البطالة وهشاشة الوضعية المادية لتفسير ظاهرة عمّال الحملات الإنتخابية. بل يلعب المعطى السياسيّ دورا أساسيّا في بلورة هذا الخيار. فالهوة الشاسعة بين الشباب والنخبة السياسية من الحاكمين والمعارضين على حدّ سواء ساهمت بشكل كبير في ترسيخ علاقة من الفتور واللامبالاة بين الشباب من جهة والدولة والشأن العام ومختلف المفاهيم ذات العلاقة بالواجب الوطني والمواطنة من جهة أخرى. " ماذا قدمت لي تونس؟ لا شيء. سنوات من العمل في حضيرة البناء ونذر بأفق مسدود. 6 سنوات من أجمل فترات حياتي قامت تونس باختطافها." بهذه الكلمات لخّص حسام علاقته بالدولة قبل أن يكمل الحديث، أنا من أحبّاء مرشّح يساريّ وسأصوّت له في الإنتخابات كما فعلت له سابقاً. رغم أنه لم يقدم لي شيئاً من قبل ولن يفعل لاحقا، شأنه شأن كل السياسيين." ينظر معظم الشباب في تونس إلى السياسيين على أنهم مجموعة من المرتزقة الذّين يتكالبون على المناصب لا غير، و يبيعون النّاس،منذ الثورة، كلام مُتخم بالوعود التي تذهب هباء بعد الإنتخابات. أمّا الشعب فلا يحضر في أجنداتهم سوى خلال المحطّات الإنتخابيّة ولا يكون لأصواتهم قيمة سوى في صناديق الإقتراع. كل هذه التصوّرات دفعت الشباب إلى فقدان الثقة في السياسيين وفي الدولة بشكل عام، وأجهضت لديهم أحلام الثورة والتغيير، ليبقى وحده اليأس معشّشا في قلوبهم وأذهانهم. من هنا يمكن أن نفهم السبب الرئيسيّ الذّي يدفع هذا الشباب إلى بيع مبادئهم مقابل بعض الدينارات، وتسخير جهده ووقته لفائدة مترشّح وبرنامج وحزب لا تجمعه وإيّاه أيّ أرضيّة مشتركة سوى مصلحة ظرفية متبادلة. بل ويمكن أن تتطوّر المسألة إلى قيام بعض هؤلاء الشباب بالإنخراط في عملية بيع وشراء الأصوات، وهو ما يهدد بحقّ الديمقراطية التونسية الناشئة. 

تدفع الوضعية المادية الصعبة التي يعيشها الشاب التونسي وحالة اليأس العامة التي تسيطر عليه، بعض الشباب إلى اختيار طرق خلاص فرديّة. يكون فيها الحل ظرفيّا و شخصيّا. ففي حين يبيع البعض أصواتهم، يختار الآخرون أن يكونواأجراء في الحملات الإنتخابية، لا يملكون من بضاعة إلا جهدهم الفكري والجسديّ للأحزاب السياسية، التي لا يملك البعض منها من رصيد سوى المال السياسي الفاسد لتقدمّه إليهم. مصالح تتقاطع أسابيع معدودة لتعود القطيعة في انتظار الموسم الإنتخابي القادم وصفقة جديدة.