بعد الثورة، لعبت المنظمات الدولية دورا كبيرا في دفع الدولة التونسية نحو تبنّي سياسات وبرامج تكافح الفساد وتدعم مبدأ النزاهة والشفافية داخل مؤسساتها. ساهم هذا الدفع بشكل ملحوظ إلى ترجمة الخطاب السياسي حول الحرب على الفساد إلى خطوات فعلية تشمل استراتيجيات وخططا شارك في وضعها مختلف الفاعلين السياسيين. ضمن سلسلة الحوارات التي تجريها المفكرة القانونية مع مختصين وفاعلين في مجال مكافحة الفساد، كان لا بد من لقاء الأستاذ الكبير العلوي الممثل المقيم المساعد لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية في تونس لمعرفة تقييمه لواقع الفساد في تونس وللاطلاع على عمل البرنامج في مجال مكافحة الفساد.

 

المفكرة القانونية: برأيكم ما هو السياق السياسي العام الذي يؤطر حالياً خطاب مكافحة الفساد؟ وكيف تفسرون اهتمام الأحزاب السياسية المتزايد في مكافحة الفساد، ما هي الأهداف والدوافع؟

الكبير العلوي: مثلت مكافحة الفساد أحد المطالب الرئيسية للثورة التونسية. التحدّي الأكبر آنذاك تمثّل في كيفية تجديد الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم الرسمية وإقناعهم باتباع منهج جديد للحكم يقوم على الشفافية والنزاهة والمساءلة. لذلك، في فترة ما بعد الثورة، تحدثت كل الأحزاب عن مسألة مكافحة الفساد. فلم يكن من الممكن، في تقديري، لأي حزب سياسي إقناع المواطنين بالتصويت لمرشحيه، من دون إدراج مكافحة الفساد في برنامجه الانتخابي.

أعتقد أنه على المستوى الوطني، تمت ترجمة الخطاب السياسي حول مكافحة الفساد بشكل عملي من خلال الاستراتيجية الوطنية للحوكمة ومكافحة الفساد التي أنجزت في إطار مقاربة تشاركية وعكست أهم الأولويات من خلال خطة عملها على مدار سنتي 2017-2018. عكس تقييم تلك الخطة المنجز في الآونة الأخيرة أن نتائجها بلغت الـ 67%.

تتمثل أهم تلك النتائج في تعزيز الإطار القانوني لمكافحة الفساد حيث تم إصدار 4 قوانين بالغة الأهمية وهي القانون المنظم للقطب القضائي الاقتصادي والمالي وقانون التبليغ عن الفساد وحماية المبلغين والقانون المتعلق بحق النفاذ للمعلومات وقانون التصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح. كما شرعت تونس في إصلاحات مؤسساتية ضرورية وفقًا لمعايير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، خصوصا مع إحداث هيئة مستقلة لمكافحة الفساد.

أنا على يقين أن هذه الخطوات ستغيّر واقع مكافحة الفساد في تونس. إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في تفعيلها على أرض الواقع. يمكنني تلخيص تحديات الفترة المقبلة من خلال النقاط التالية:

  • ضرورة التنسيق بين المنظومة القانونية السابقة والجديدة لتجنب تضارب القوانين وسد الثغرات القانونية،

  • تجريم الفساد في القطاع الخاص، الذي لا يزال غائبًا في القانون التونسي،

  • استكمال الأوامر التطبيقية للقوانين المقرّة حديثا وضمان موارد المؤسسات المعنية المالية والبشرية واللوجستية والفنية لتطبيق هذه القوانين.

 

المفكرة: باعتقادكم ما هي أنواع الفساد في تونس؟ ما هي القطاعات الأكثر فساداً؟

العلوي: حسب معطيات المعهد الوطني للإحصاء، برز القطاع الصحي في مقدمة القطاعات المتأثرة بالفساد. بهذا المعنى، يعتبر أكثر من 63٪ من التونسيين في عام 2017 (مقابل 67٪ في عام 2014) أن هذا القطاع يعاني من هذه الظاهرة أكثر من أي قطاع آخر. في حين ظهر قطاع الأمن في المرتبة الثانية بنسبة 52.3٪ في عام 2017 مقابل 68٪ في عام 2014. أما قطاع الديوانة (الجمارك) فيأتي في المرتبة الثالثة بنسبة 46.7٪. أذكر أيضا بعض القطاعات الأخرى منها التعليم بنسبة 43٪ والمساعدة الاجتماعية بنسبة 40٪. أما القضاء، فقد سجل نسبة 29٪. وسجلت أقل النتائج في القطاع المصرفي بنسبة 19٪. أما القطاع الخاص فكانت نسبته من الفساد 21٪ حسب نفس الدراسة.

تبين هذه الأرقام أن القطاعات التي تتعاطى مع المواطن بشكل مباشر ويومي هي الأكثر عرضة للفساد.

 

المفكرة: هل يتناول الخطاب حصراً القطاع العام، ويتجنب القطاع الخاص؟ وما هي مفاعيل هذا التوجه على مؤسسات الدولة، أو الخطاب الداعي إلى الشراكة بين العام والخاص؟

العلوي: لطالما كان تركيز الخطاب السياسي على نزاهة القطاع العام وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى الارتباط المباشر للمؤسسات العامة بالمواطن ووعيه وإدراكه لأهميتها وتأثره اليومي بالخدمات التي تقدمها. لذلك ركز قانون للتصريح بالمكاسب والمصالح مثلا على الموظفين العموميين. كما أن مدونة قواعد السلوك وضعت بشكل خاص للموظفين العموميين. ذلك لأن إصلاح القطاع العام وتحسين سلوك ووعي الموظفين العموميين بمبدأ النزاهة وأهمية مكافحة الفساد ينقذ المؤسسات العامة من الفساد الصغير الذي عادة ما يتورط به الموظف والمواطن ويهدّد نوعية وكمية الخدمات المسداة من قبل المؤسسات العامة. كما أن إصلاح القطاع العام لا يعني فقط إصلاح الشأن العام وعلاقة المواطن بالدولة بل أيضا يشمل مبدئيا إصلاح القطاع الخاص وعلاقة مؤسساته والعاملين فيه، وهم أيضا مواطنون تونسيون، بالمؤسسات العامة.

ولكن هناك خطاب من نوع آخر يركز على أهمية القيام بإصلاحات من أجل مكافحة الفساد في القطاع الخاص. هذا الخطاب تتبنّاه عادة مؤسسات تُعنى بهذا القطاع منها كفيدرالية المؤسسات المواطنة التونسية والمعهد العربي لرؤساء المؤسسات والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة.

يذكر هنا أنه من المفترض أن يتم مستقبلا إدراج تجريم الرشوة في القطاع الخاص في القانون التونسي وفقًا لتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

 

المفكرة: باعتقادكم هل يجوز (أو يمكن) المناصرة من أجل إيجاد أطر ومؤسسات لمكافحة الفساد من دون إعادة النظر بالتركيبة السياسية؟

العلوي: لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سياسة واضحة تحترم السيادة الوطنية وإرادة الشعب الذي أوصل الطبقة السياسية الحالية للحكم. نعمل من خلال شراكة وعلاقة تعاون مع المؤسسات الرسمية كالسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية منها محكمة المحاسبات. تبدل المشهد السياسي لن يغير تلك السياسة. بل على العكس سنعاود العمل مع الطبقة السياسية الجديدة والفاعلين المدنيين الجدد. كما سبق وأشرت، الإرادة السياسية موجودة ولكن تحتاج للخبرة والآليات الصحيحة للعمل بشكل فاعل وفعٌال.

 

المفكرة: هل يمكن أن نتحدث عن مكافحة الفساد من دون قضاء مستقل؟

العلوي: بالتأكيد لا نستطيع. عندما نتحدث عن قضاء مستقل لا يجب أن ننسى أهمية توفير الموارد الكافية ليستطيع من خلالها ممارسة صلاحياته، مع الحرص على تعزيز مهاراته التقنية أيضا لأن مكافحة الفساد تتطلب مهارات تقنية محددة وإطارًا قانونيًا يوفر للقاضي مساحة لتطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

في إطار تعاوننا مع المؤسسة القضائية، قمنا بإجراء دراسة حول احتياجات بناء المهارات للمتدخلين في مجال مكافحة الفساد منهم القطب القضائي الاقتصادي والمالي والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وبعض الهياكل الرقابية.

 

المفكرة: هل من بُنى مجتمعية قادرة أو تقوم حالياً بمواكبة خطاب الفساد؟ وما هي؟ وما هو دور القوى الاجتماعية في المساهمة في فتح أطر موازية تساهم في تعزيز الخطوات الرسمية ورصدها ومراقبتها؟

العلوي: دعيني أتحدث هنا بداية عن دور المنظمات الدولية في تونس في مجال دعم مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة. هناك حوالي عشرة شركاء دوليين يشاركون في تغييرات هيكلية، على غرار الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما يتدخل البعض منهم في قطاعات حساسة مثل الأمن والديوانة، بالشراكة مع المؤسسات الوطنية التي تتقدم بطلب للحصول على هذا الدعم. وقد تمّ الشروع في إنجاز منصة الكترونية للتنسيق بين المتدخلين الدوليين قصد تعزيز النجاعة.

فبالطبع، يمكن أن تكون هناك مقاومة للتغيير في بعض الأحيان، لأن المصالح الشخصية والمنفعة في خطر بنظر البعض. لذلك، القيادة والمناصرة القوية والمساءلة ومشاركة منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والبرلمان مهمة، وهي التي يمكن أن تضمن تماسك مختلف الأطراف في مواجهة الفساد.

من جهة أخرى، تولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تعزيز دور المجتمع المدني بإسناد منح لجمعيات تدخلت لمعاضدة مجهود الدولة خاصة في تكريس النزاهة. على سبيل المثال تولت جمعية صغيرة الحجم والامكانيات بدعم وتمويل من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مراقبة ومتابعة عمل مستشفى في جزيرة جربة التى تقع في جنوب شرق تونس. هذا العمل ركز على توسيع وتسهيل وقت انتظار المرضى. كما قامت هذه الجمعية بتركيز آليات تضمن انتظار المواطنين بشكل مريح وسهل بالعيادات الخارجية وتوسيع اعتمادها لتشمل كافة الأقسام في المستشفى.

من جهة أخرى، وفي إطار دعم دور الإعلام في مجال مكافحة الفساد، تولّى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشكيل شبكة من الصحافيين الاستقصائيين وتكوينهم في هذا المجال. وتبقى مأسسة المؤتمر الوطني لمكافحة الفساد ضرورة لضمان توفير الإطار لمشاركة الإعلاميين والمجتمع المدني وكل الأطراف المتدخلة لمناقشة ما تم إنجازه والخطوات المستقبلية في مجال مكافحة الفساد.

تجدر الإشارة هنا الى أن تونس انضمت إلى الاتفاقيات الدولية وخاصة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ومؤخراً إلى اتفاقية الاتحاد الأفريقي وتلتزم التزاما تاما بآليات المراجعة المنتظمة وتقديم التقارير إلى الشركاء الدوليين عن إنجازاتها في هذا المجال.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا