بالإضافة إلى كونه متخرجا من المرحلة العليا للمدرسة الوطنية للإدارة برتبة مستشار المصالح العمومية وحاصل على درجة الدكتوراه في القانون العام، فإن نزار البركوتي هو مدير عام حقوق الإنسان ومكلّف بمأمورية لدى رئيس الحكومة التونسية، وهو كذلك أستاذ جامعي متخصص بالحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد. فضلا عن ذلك، هو أول من قدم كتابا حول "مكافحة الفساد في القطاع العام في تونس، مقاربة في تطبيق قواعد الحوكمة الرشيدة".

ونظرا لأهمية تجربته ولموقعه، ارتأت المفكرة القانونية أن يكون هذا اللقاء معه، ضمن سلسلة لقاءاتها مع عدد من المختصين في مجال مكافحة الفساد.

 

المفكرة القانونية: برأيكم، ما هو السياق السياسي العام الذي يؤطر حالياً خطاب مكافحة الفساد؟ وكيف تفسر اهتمام الأحزاب السياسية المتزايد في مكافحة الفساد، ما هي الأهداف والدوافع؟

نزار البركوتي: نجاح أي حرب على الفساد أو أي مقاربة لمكافحة الفساد متوقفة على مجموعة من الضمانات من ضمنها توفر العدة والعتاد لخوض تلك الحرب. كما أنها متوقفة على شرط أن يكون لدى الطبقة السياسية التي تتبنى خطاب مكافحة الفساد وضوح في رؤيتها. يجب أن يكون مرادها من رفع هذا الشعار واضحا، وأن يكون مسار المكافحة الذي تتخلله المطبات والأشواك والارتدادات مسارا مندرجا في سياق استراتيجي مهيكل. للأسف على أرض الواقع، أغلب الأحزاب تقدم خطابات مهيّجة للمشاعر إزاء الفساد أو خطابات استعراضية أو خطابات تستجدي الناس في نواياهم الانتخابية ولا تقدم تغييرا فعليا أو قواعد فعلية للقضاء على الفساد. فالكلام في الفساد غير الحرب عليه.

لا أنكر هنا أحقية الأحزاب في استخدام مكافحة الفساد كشعار سياسي بهدف المنافسة الانتخابية. فالفساد مسألة فرضت نفسها على السياسيين في تونس وفي العالم ومن لا يرفع شعار مكافحته اليوم يخسر ورقة رابحة. ولكن المشكلة تكمن في مدى التزام الأحزاب التي استطاعت الوصول لسدة الحكم بتلك الوعود والشعارات التى تبنتها. عندما نقيس المسافة الفاصلة بين ما روجت له القوى السياسية الحاكمة وما حققته على أرض الواقع بعد وصولها للسلطة، نجد أن المسافة جد شاسعة. وما يزيد من هذه المسافة، هو أن الإعلام يلعب دورا أساسيا في تضخيم خطاب الحرب على الفساد، خصوصا في أوقات التنافس الانتخابي. العائد الانتخابي مهم ولكن المضي باتجاه تنفيذ الوعود يصطدم بمعوقات كثيرة بما في ذلك طوبوية خطاب الحرب مقارنة بضراوة هذه الظاهرة وقدرة فاعليها على الكر والفر وإتقان لعبة التخفي وإعادة الانتشار.

في السنوات الأخيرة، أصبحت المسألة الاقتصادية ملحة على السياسيين، سلطة ومعارضة. وقضايا الفساد أخذت تفرض نفسها بشكل كبير جدا في تونس. لذلك رفعت الحكومة التونسية الأخيرة شعار الحرب على الفساد ووضعت استراتيجية وطنية لتلك الحرب وحررت عديد النصوص المتعلقة بمكافحة الفساد والتي على الرغم من جاهزيتها فإنها لم تمرر لا على مجلس الوزراء ولا على المجلس النيابي للمصادقة والنشر. وقد صدرت عديد النصوص المتصلة بالنفاذ إلى المعلومة والتبليغ عن الفساد وحماية المبلغين والنصوص المتصلة بتنظيم هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والخاصة التصريح بالمكاسب والمصالح.

هذا فضلا عن أن رئيس هذه الحكومة يوسف الشاهد تحدث بشكل واضح وغير مسبوق عن الفساد معلنا اندلاع الحرب عليه الأمر الذي مكن الحكومة من نقل الحديث عن الفساد من مكاتب التقنيين إلى الإعلام فوسعت دائرة الحديث والاهتمام بمسألة الحرب على الفساد. فلم تعد محض حديث تقني يملك المختصّون وحدهم إمكانية الخوض فيه ويطرح فقط في الندوات والمؤتمرات العلمية.

كما أنه عندما تعلن الحكومة أمام الملأ أنها بصدد محاربة الفساد وتعلن عن أسماء الفاسدين وتجند الجهاز التنفيذي لملاحقتهم، هذا جيد بالطبع. ولكن برأيي على الحكومة وجهاز مكافحة الفساد أن يخفيا بعض استراتيجياتهما وأوراقهما، حتى لا تسمح للفاسدين بترتيب بيتهم وهندامهم والانصهار مع الأسوياء بعد طمس الآثار والإثباتات. فكما في الحرب الحقيقية، يجب تغيير الأسلوب والوتيرة. العنصر الزمني والمواقيت فضلا عن الأدوات أمر مهم في قنص الفاسدين وتطويق أثر ممارساتهم بشكل مباغت. الدولة تتحرك طبقا للقانون والقواعد أما الفاسدون فلا، هم يتحركون بكثير من الليونة ونسقهم سريع في مطاردة الفريسة، نحن في حاجة إلى إطار مختلف للحرب على الفساد كما في الحرب على الإرهاب، حرب المرتب الرتيب والبيروقراطي مع ذلك الذي صار مشروع الذكاء والتنظم المستعمل للتكنولوجيات الحديثة والعابر للقارات لا تمضي بعيدا في رأيي ولابد من رؤية مختلفة بعيدا عما هو متاح مؤسسيا بشكل نمطي.

بالنهاية أقول إن حربنا على الفساد ليست حربا موضعية أو حينية بل هي حرب دائمة ترفع من كلفة اقترافه. هي تحتاج إلى استراتيجيات يتم تنفيذها على المدى الطويل ودون كلل ولا ملل.

 

المفكرة: ما هو تقييمكم للمنظومة القانونية الحالية في تونس الخاصة بمكافحة الفساد؟

البركوتي: هناك تقصير من البرلمان في استحداث البناء المؤسسي الذي يحصن الدولة من أي فساد. من أوجه التقصير، التأخر في تشكيل الهيئة الدستورية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد: يمكننا وصف هذا التعطيل وكأنه عملية مخاتلة من قبل الطبقة السياسية. فهي من جهة تستجيب للنص الدستوري، كونها صادقت على القانون الأساسي، وتريد مكافحة الفساد، ولكنها في المقابل تعطل إطلاق أعمال الهيئة بعدم انتخاب أعضائها.

عموما، المنظومة القانونية هي الآن بصدد التشكل رغم العثرات. نحن نحتاج (وهذا ما توسعت فيه في كتابي) إلى صائغ قانوني ملمّ بحزمة النصوص القانونية برمتها فيستحضر المشكلة ويضع قواعد مناسبة تسدّ الثغرات القانونية وتحل مسألة التعارض بين القواعد القانونية الموجودة والفجوات التي تنشأ في التطبيق، نحتاج الى تجويد النصوص المعالجة للفساد، لأن الفساد يتسلل كذلك من النصوص سيئة الصياغة وغير المقبولة في التطبيق.

 

المفكرة: ما هي أنواع الفساد في تونس؟ ما هي القطاعات الأكثر فساداً؟ وهل هي نفسها التي تندرج على أجندة الأحزاب السياسية، وكيف تفسر ذلك؟

البركوتي: مصطلح الفساد أصبح مفردا مشاعا يستعمله الناس كلما تراءى لهم نوع من العفن في مجال ما. فهناك اليوم مصطلحات جديدة كالفساد الثقافي والفساد الفني وغيرها. هذا جيد ويدل على ارتفاع في نسبة الوعي العام بظاهرة الفساد. ولكن أعتقد أن الفساد الحقيقي هو الفساد الذي يرتبط بالعنصر المادي، كالرشوة والميزانيات والصفقات العمومية. كما أن الفساد هو الذي يقترن في تقديري بالنفوذ والسلطة وتحقيق الثروات. هناك في تونس نوعان من الفساد، الفساد العام وهو المرتبط بالحاجة والعوز الناتج عن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه المواطنين. وهناك الفساد الذكي الذي تجاوز الحاجة ليصبح نمط حياة وأسلوب عمل واستراتيجية وتكتيكا واستخداما للتقنيات الحديثة والثغرات القانونية وليرسي أحيانا تعاونا مع خبراء ومتخصصين في التحايل على القانون. كل ذلك بهدف تحقيق الثروات وزيادة النفوذ.

بالنسبة لفساد الحاجة، فإن القطاعات الأكثر فسادا هي عادة القطاعات التي تكون في علاقة مباشرة بالمواطن من جهة ونوع الخدمة المسداة للمواطن من جهة أخرى. غالبا يكون هناك فساد في المجال الأمني، لأن أعوان الأمن يكونون على علاقة مباشرة بالمواطن. كذلك القطاع الجمركي والقطاع الصحي وجملة من القطاعات الخدمية. أما الفساد الذكي فيكمن في الصفقات الكبيرة والموازنات والتشبيك مع مؤسسات خاصة. هذا ليس انطباعيا وإنما ذكر في دراسات إحصائية أنجزها مختصّون.

كل تلك المجالات والقطاعات التي ذكرت وغيرها مشمولة ضمن الاستراتيجية الوطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التى أطلقتها هيئة مكافحة الفساد وقبلتها الحكومة التونسية والتي تهدف من خلال تطبيقها القضاء على كافة أنواع الفساد في تونس.

 

المفكرة: باعتقادك هل يجوز (أو يمكن) المناصرة من أجل خلق أطر ومؤسسات لمكافحة الفساد من دون إعادة النظرة بالتركيبة السياسية؟

البركوتي: ولم لا؟ الإرادة السياسية لمكافحة الفساد موجودة وهذا ما نستنتجه من الخطاب السياسي الحالي من كل الطبقة السياسية المحتشدة للحرب على الفساد. كما أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد تشتغل اليوم بكل ما لها من قوة وجهد لمقاومة الفساد. وقد وضعت استراتيجية لهذا الغرض بترحيب ودعم من التركيبة السياسية الحالية. الرغبة والإرادة السياسية لمكافحة الفساد موجودة. كما أن آليات وتقنيات المكافحة موجودة. ولكن تبقى مسألة مكافحة الفساد قضية مجتمعية وتتطلب عملا جماعيا تتضافر فيه الجهود ويستبسل فيه كل الناس من كل الأجيال والفئات والجهات لتطويقها ومضايقة فاعليها وتجفيف منابعها.

ولكن أعتقد أن التركيبة السياسية تحتاج لميثاق أخلاقي يدوّن الواجبات الأخلاقية الضرورية في ممارسة السياسة وإدارة الشأن العام.
 

المفكرة: هل يمكن أن نتحدث عن مكافحة الفساد دون قضاء مستقل؟

البركوتي: الجاني (الفاسد) قد يكشف وقد يتمكن من التخفي أو الهروب ويبقى المتضرر الأكبر في جريمة الفساد هو الشعب والحق العام. وحده القاضي هو الأداة رئيسية للدفاع عن المجني عليهم، وهم المواطنون. في تونس، لا نشك في نزاهة واستقلالية المؤسسة القضائية، ولكن لا بد من الاعتراف أن هناك تباطؤاً في البت في بعض القضايا أمام القضاء.

مسألة التخصص القضائي مهمة كونها تمكن الجهاز القضائي المتخصص من مراكمة الخبرات. فالفساد موضوع معقد وحساس. يجب أن يكون القاضي الناظر في تلك القضايا على قدر كبير من مراكمة الخبرة والاطلاع واليقظة وخاصة الإمكانيات. هذا يسهل ويسرع عمل القضاة والبت في القضايا التي تعرض أمامهم.

 

المفكرة: هل من بنى مجتمعية قادرة أو تقوم حالياً بمواكبة خطاب الفساد؟ ومن هي؟ وما هو دور المجتمع في المساهمة في فتح أطر موازية تساهم في تعزيز الخطوات الرسمية ورصدها ومراقبتها؟

البركوتي: الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد والأساسي لمكافحة الفساد. يجب ألا تكون هي المستأثر الوحيد بالشأن العام، بل عليها أن تبني علاقة ثقة وتعاون بينها وبين المجتمع المدني والقطاع الخاص. 

في تونس هناك قوة خير داخل الجمعيات والمنظمات المدنية المحلية. أعتقد أن بإمكانها أن تساهم في ثلاثة اتجاهات أساسية. أولا، تتولى إجراء البحوث والتصورات في تقنيات الرقابة. هذه المهمة التي يصعب على الدولة اليوم أن تبرع فيها. كما أنني أرى بإمكان منظمات المجتمع المدني أن تغير حالة الملل العام لدى الناس جراء الحديث الكثيف والمستمر عن الفساد. حقيقة، ضجت البرامج الإعلامية والصحف والمواقع الالكترونية ومنابر التواصل الاجتماعي بالحديث عن الفساد بشكل صعب علينا أن نفرز من هو فاسد ومن هو غير فاسد. كما أننا انتقلنا من حالة عدم الكلام عن الفساد قبل الثورة إلى حالة التعايش مع الفساد اليوم. ثالثا، هناك ضرورة اليوم بتعريف الناس بالقوانين، خصوصا تلك الخاص بمكافحة الفساد والتبليغ عنه والحماية من الانتهاكات جراء التبليغ وعدم الاكتفاء بنشر القانون بالرائد الرسمية.

حرية التعبير لابد أن تكون نتاجا لإعمال العقل وحرية التفكير. فالإعلام دوره ضروري في تطوير خطاب معاضد لقوى الخير في المجتمع وفي صناعة واحتضان القدوات النزيهة والإعلاء من مكانتهم بدل الترويج للثراء دون جهد وتحقيق الربح بأي طريقة.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا