إضافة لكونه عضوا فاعلا في الهيئة الإدارية لفرع المفكرة القانونية – تونس، شرف الدين اليعقوبي هو المنسق الوطني للتحالف التونسي في مجال الطاقة والمناجم وعضو هيئة الجمعية التونسية للمراقبين العموميين. تلك الجمعية التي نشرت مؤخرا، في جانفي 2019، دراسة تحليلية تعد الأولى من نوعها فيما يخص قطاع المحروقات في تونس تحت عنوان "خفايا عقود المحروقات في تونس"، شارك هو ومجموعة من المتخصصين في إعدادها. نظرا لاطلاعه على الشأن الاقتصادي التونسي وخبرته في إصلاح الإدارة العمومية التونسية، خصوصا فيما يتعلق بمنظومة المراقبة العمومية، كان للمفكرة القانونية هذا الحوار مع اليعقوبي ضمن سلسلة الحوارات مع مجموعة من المعنيين حول موضوع مكافحة الفساد في تونس.

 

المفكرة القانونية: برأيكم، ما هو السياق السياسي العام الذي يؤطر حالياً خطاب مكافحة الفساد؟ وكيف تفسر اهتمام الأحزاب السياسية المتزايد في مكافحة الفساد، ما هي الأهداف والدوافع؟ 

شرف الدين اليعقوبي: في تونس، أصبح ملف الفساد جزءا أساسيا من الخطاب السياسي والبرامج السياسية للأحزاب، سلطة حاكمة ومعارضة. عندما يتحدث سياسي عن الفساد فهو يتحدث وفقا "لما يطلبه الجمهور" ليس إلا. حتى في برامجها السياسية، تخصص أغلب الأحزاب فصولا كاملة عن الفساد وآليات مكافحته. يشعرنا ذلك وكأنه هناك رهان سياسي من سيكون أكثر جرأة بين الأحزاب والسياسيين في الحديث عن الفساد. تأتي شهرة السياسية المعارضة سامية عبو مثلا، من خلال فضحها لملفات فساد. حتى من هم في الحكم، يحاولون تخصيص مدوناتهم على فيسبوك وأحاديثهم في الجلسات العامة للحديث عن ملفات الفساد. إذا الفساد هو أهم ملف يطرح في أي خطاب. ولكن على مستوى الفعل والنزول للميدان في سبيل محاربة حقيقة للفساد فهذا غير موجود. وقت زين العابدين بن علي، كانت الانتماءات الأيديولوجية هي التي تستخدم لتصفية المعارضين. اليوم تستخدم الحكومة ملفات الفساد لإقصاء المعارضين. 

بالرغم من تطلب الحرب على الفساد أسلحة وأدوات، أقول إننا في تونس غير محتاجين إلا لإرادة سياسية، فالأدوات والموارد البشرية والمادية موجودة أو يمكن إيجادها بسهولة. ولكن السلطة الحاكمة اليوم غير مبالية بمحاربة لا الفساد الكبير ولا الصغير منه حتى.

أعطي مثالا على ذلك. هناك غياب كبير لحوكمة الإدارة التونسية. فالسلطة التقديرية للإدارة التونسية واسعة. وبالتالي موظف صغير يستطيع تعطيل صفقات وموازنات كبيرة طالما أن التقديرات التي يمتلكها واسعة، الأمر الذي يعرضه للفساد. كما أن هناك غياب شبه تام للإجراءات الداخلية للإدارات. بمعنى أنه ليس هناك رقابة داخلية تتابع عمل الموظفين في الإدارات.

الأمر نفسه نستشفه من تأخر الحكومة في رقمنة بعض الإدارات أو الخدمات تمكينا للمواطن من إنجازها عبر الإنترنت. فهذا التأخر يبين بشكل واضح وصريح عدم رغبة الحكومة بمحاربة حتى أصغر منابع الفساد الصغير. 

أما بالنسبة للقوانين، فكل القوانين التي صدرت في سبيل محاربة الفساد كانت بسبب الضغط الخارجي والإملاءات الدولية أكثر من كونها نابعة عن إرادة سياسية حقيقية. فقانون التبليغ عن الفساد والنفاذ للمعلومة وغيرها من القوانين على أهميتها واستجابتها للمعايير الدولية، لا تأخذ بعين الاعتبار مدى سهولة تطبيقها من قبل الإدارة التونسية. أذكر على سبيل المثال القانون المتعلق بالتصريح بالمكتسبات يشمل مئات آلاف المواطنين. فهل الإدارة التونسية قادرة على متابعة كل هذا العدد؟ بالرغم من أن تلك القوانين جيدة نصا، إلا أننا نفرغها جزئيا من محتواها لأننا أضعفنا قدرة الإدارة على الرقابة والتفعيل.

 

المفكرة: ما هي أنواع الفساد في تونس؟ ما هي القطاعات الأكثر فساداً؟

اليعقوبي: باعتقادي، كل القطاعات معنية بالفساد دون استثناء، خاصة تلك التي تتعاطى بالمال ولها علاقة مباشرة مع المواطن. فهذان العنصران يجعلان قطاعا معينا أكثر عرضة للفساد من غيره. لذلك نجد قطاع الجمارك (الديوانية) وقطاع الصحة ووزارة العدل ووزارة الداخلية أكثر فسادا من سواها. اليوم، بعد تفعيل اللامركزية وإعطاء البلديات صلاحيات واسعة، أخذ الفساد الصغير والكبير يزيد على مستوى البلديات، خصوصا فيما يتعلق بالقيام بأنشطة اقتصادية أو العقارات أو الاستثمار، إلخ.

كما أننا اعتقدنا أن الفساد الكبير نقص مع رحيل بن علي وعائلته الحاكمة التي كانت على ارتباط كبير بلوبيات الفساد. ولكن اليوم، بحسب العديد من الباحثين والمعنيين، هناك رجوع للفساد الكبير وللوبيات الفساد. أذكر السنة الفارطة، كان هناك قانون يتعلق بالترفيع في الضريبة على القطاعات الريعية، كما مراكز التسوق الكبرى، تصل إلى 35 ٪. للأسف تم ممارسة ضغط كبير على المجلس التشريعي من قبل اللوبيات الكبيرة التي تملك تلك القطاعات ليتم تأجيل تطبيق القانون في السنوات القادمة بالرغم من إقراره من قبل مجلس النواب. 

أختم إجابتي عن هذا السؤال بطرح تساؤل حول العدد الكبير لأصحاب الأعمال والعائلات الغنية والكبيرة والنافذة في مجلس نواب الشعب، كما زهير إدريس ورضى شرف الدين وغيرهم من الأعضاء المعروفين بنفوذهم المالي ونشاطاتهم الاقتصادية الكبرى. لماذا هناك كل ذلك العدد في المجلس؟ حتى أن المراقب لأدائهم البرلمان يجد أن حضورهم في مجلس نواب الشعب قليل جدا. هل هناك تفسير منطقي لتلك الظاهرة مثلا؟ 

 

المفكرة: هل يتناول الخطاب حصراً القطاع العام، ويتجنب القطاع الخاص؟ وما هي مفاعيل هذا التوجه على مؤسسات الدولة، أو الخطاب الداعي إلى الشراكة بين العام والخاص؟

اليعقوبي: الخطاب السياسي متعلق فقط بالقطاع العام بالطبع. فالمواطن العادي لا يهمه إلا القطاع العام، فهو القطاع الذي يصب في مصلحته مباشرة. رغم أن الفساد في القطاع الخاص يضر باقتصاد البلاد بشكل كبير، إلا أنه كما سبق وذكرت: السياسي يتحدث "بما يطلبه الجمهور" في سبيل تسكين العام واسترضاء الناخب في أوقات الانتخابات.

طبعا هناك فساد كبير داخل القطاع الخاص بعضه ببعض وبينه وبين القطاع العام. ولكن القطاع الخاص عامة مرتبط بشخصيات وعائلات نافذة يمكن أن تكون مقربة من الأحزاب الحاكمة وتمدهم بالتمويل، لذلك من المستحسن لهم عدم ذكر الفساد في القطاع الخاص.

 

المفكرة: باعتقادك هل يجوز (أو يمكن) المناصرة من أجل خلق أطر ومؤسسات لمكافحة الفساد من دون إعادة النظرة بالتركيبة السياسية؟

اليعقوبي: لا أتصور إطلاقا أن الطبقة السياسية الحالية راغبة فعلا في العمل على إنتاج آليات وأساليب لمحاربة الفساد. أعتقد أنه من أبرز أسباب ذلك كون الطبقة السياسية تلك هي نفسها أصبحت جزءا لا يتجزأ من الفساد، حكومة وبرلمانا وأحزابا. فأعضاء الطبقة الحاكمة هم أنفسهم عرضة للبيع والشراء. فالسياحة الحزبية والتنقل من كتلة برلمانية إلى أخرى تطرح إشكالات وتساؤلات كثيرة. كما ترؤس وجوه وشخصيات معروفة بالفساد وتبيض الأموال على رأس قوائم انتخابية تشكل ظاهرة خطيرة. بالإضافة إلى تمويل الأحزاب السياسي التي تأتي أساسا من لوبيات وعائلات نافذة متورطة بالفساد والصفقات المشبوهة. 

أتمنى من المواطن التونسي في الانتخابات القادمة أن يعاقب الطبقة السياسية على تشريع الفساد وأن يعكف عن التصويت لها مرة أخرى. ولكن في نفس الوقت أعرف أن وعي المواطن في اختياراته السياسية ما زال لم يتشكل بطريقة واضحة وصحيحة بعد. شاركت وأشرفت على دراسات عديدة حول تركيبة المواطن النفسية وتبلور لدي اعتقاد أن المواطن يوافق الفساد في حال كان يصب في مصلحته. وإن كان لا يصب في مصلحته يرفضه. لم يتشكل رفضنا للفساد على أساس مبدئي بل مازال مصلحيا. وفي النهاية الطبقة السياسية التي تحكمنا هي نتاج قراراتنا وانعكاس لسلوكنا كمواطنين. 

 

المفكرة: هل يمكننا محاربة الفساد دون قضاء مستقل؟

اليعقوبي: برأي، القضاء هو الأساس. اليوم، هناك عدد كبير من الملفات أمام القضاء. هيئة مكافحة الفساد تتحدث عن امتلاكها للعديد من ملفات الفساد. كما أن عددا من منظمات المجتمع المدني رفعت وترفع قضايا عديدة أمام القضاء. هناك اليوم العديد من التحقيقات الصحفية حول قضايا فساد وتبيض أموال وغيرها. ولكن هناك بطء شديد في البت في تلك الملفات، بالرغم من تطور تقنيات وخبرات القضاة المتعهدة بتلك القضايا.

اليوم يجب على القضاة الحديث في المنابر الإعلامية حول القضايا التي بعهدتهم وأهم تطوراتها في سبيل تخفيض الضغط الذي يقع عليهم من قبل لوبيات الفساد ومن يريد التعتيم على قضايا الفساد والمتورطين فيها. كما يساهم ذلك في تنوير الرأي العام التونسي على أهمية مكافحة الفساد ويبين له مدى جدية السلطة القضائية واستقلاليتها في محاربة الفساد. 

أؤمن أن القضاء هو السلطة التى إن صحت في مكافحة الفساد، صحت تدريجيا باقي مؤسسات الدولة وتعزّزت ثقة المواطن بالدولة بأهمية مكافحة الفساد.

 

المفكرة: برأيك، ما هو دور منظمات المجتمع المدني في المساهمة في فتح أطر موازية تساهم في تعزيز الخطوات الرسمية ورصدها ومراقبتها؟

اليعقوبي: العديد من الجمعيات تعمل على مكافحة الفساد في تونس ولكن هناك فوارق في التعاطي وآليات العمل والممارسة. منهم من يتجه نحو أسلوب المواجهة المباشرة وفضح المفسدين وتسميتهم بأسمائهم، “shaming and naming”. هذا أسلوب منظمة "أنا يقظ". هناك جمعيات أخرى تعمل على دراسة القطاعات والمؤسسات من خلال مقاربة مكافحة الفساد، مثل الجمعية التي أعمل بها، مراقبين. تعمل هذه الجمعية على المنظومة التي تخلق الفساد، مثل ضعف منظومة الرقابة الداخلية والسلطة التقديرية الممنوحة للإدارة في قطاع معين أو مؤسسة معينة. فنحاول دراسة تلك المنظومة ومكافحة الفساد فيها وسد الثغرات حتى لا يتسرب إليها الفساد مجددا. برأيي عمل جمعية مراقبين فيه ديمومة أكبر ولكن يتكامل مع النشاطات الأخرى التي تقوم بها الجمعيات. 

من جهة أخرى، المنظمات الدولية توفر دعما كبيرا لمنظمات المجتمع المدني المعني في مكافحة الفساد. مكافحة الفساد موضوع كبير يحتاج لدعم مادي ومعنوي وحماية دولية، هذا لا يعني أن هناك مسا باستقلالية قرار الجمعيات. 

تساهم المنظمات المعنية بمكافحة الفساد بتوعية الرأي العام حول هذا الموضوع. كما تساهم، من خلال أبحاثها، بتوعية المنظومة الحاكمة على خطورة الوضع. ولكن يبقى أسلوب الفاعلين السياسيين "قولوا ما شئتم وسنفعل ما نريد". 


 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا