"إمّا تونس وإمّا الفساد .. وأنا اخترتُ تونس" .. شعارٌ رفعه رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد منذ ما يربو عن السنتين مبشّرا بميلاد عهد جديد لا مكان فيه للفاسدين. لم يمرّ هذا الشعار مرور الكرام بل نُصِبت له الموائد في بلاتوهات الراديو والتلفزيون وعَلّقت أعمدة كبريات الصحف التونسية مهلّلة لعدّة أيّام لما أُطلقَ عليه آنذاك تسمية "الحرب على الفساد" والتي تجلّت أساسا في إيقاف عدد من التجّار والمهرّبين منهم من كان فاعلا في المشهد السياسي كممول أو كطامح لاحتلال موقع علني فيه، أبرزهم صاحب الأعمال والسياسي شفيق جرّاية.

ومثلما رفع السّواد الغالب من الإعلام التونسي، في وقت سابق، شعار "لا حياد مع الإرهاب"، فقد هرعت المنابر ذاتها لتعديل الشعار تماشيا مع تبدّل ترتيب أجندات الحكومة ليصبح "لا حياد مع الفساد".  تتغيّر الشعارات بتغيّر المرحلة: إلا أنّ أجندات وسائل الإعلام، وعلى وجه أدقّ التجاري منه، ظلّت دائما رهينة المصالح الاقتصادية لمالكيها. هذه المصالح تتقاطع في أحيان كثيرة مع مصالح من باتت تدعي الانخراط في الحرب ضدهم. وهو ما يجعلنا نتحدّث عن "تحالف خفيّ" بين شقّ من الإعلام وبارونات الفساد الذين يمارسون سلطتهم على الإعلام من خلال الدّعم السخيّ الخفي أو من خلال السيطرة على مسالك الإعلانات والإشهار.

بالتوازي مع ذلك، مازال نزر قليل من المنابر يصارع من أجل البقاء ساعيا ما قدر إلى محاربة الفساد وفضح رموزه، مع المحافظة على الاستقلالية. 

 

من يملك وسائل الإعلام؟

خلال فترتيْ حكم الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، كانت وسائل الإعلام أداة بيد السلطة وركيزة أساسية من ركائز الديكتاتورية حيث لعب التلفزيون، بشكل خاص، وبقيّة المحامل الأخرى من راديوهات عمومية وصحف ومجلّات، دورا مفصليا في تثبيت دعائم النظام والدعاية له وفي دفع ما كان ينسب له أو لمن كانوا قريبين منه من فساد. وهنا كان الإعلام الورقي في مرحلة أولى والإعلام السمعي البصري في مرحلة ثانية بيئة جاذبة للاستثمار بالنسبة إلى المقرّبين من النظام حيث كانوا يتمتّعون بعديد الامتيازات التي لم تكن متاحة لغيرهم من الراغبين في الاستثمار من خارج دائرة النظام الضيّقة.

ولعلّ قضيّة "كاكتوس برود" تعتبر حالة فارقة في تغلغل الفساد داخل الإعلام تحت رعاية السلطة. شركة "كاكتوس" المملوكة لسامي الفهري وبلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق كانت تستغلّ المرفق العمومي المتمثّل في تجهيزات مؤسسة التلفزة التونسية من أجل إنتاج برامج وبيعها لاحقا للتلفزيون العمومي مقابل مساحات إشهارية حرّة تجاوزت السقف الزمني الذي يضبطه القانون بكثير دون أن تطاله يد القانون.

تعتبر حالة فارقة في تغلغل الفساد داخل الإعلام تحت رعاية السلطة.شركة "كاكتوس" المملوكة لسامي الفهري وبلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق كانت تستغلّ المرفق العمومي المتمثّل في تجهيزات مؤسسة التلفزة التونسية من أجل إنتاج برامج وبيعها لاحقا للتلفزيون العمومي مقابل مساحات إشهارية حرّة تجاوزت السقف الزمني الذي يضبطه القانون بكثير دون أن تطاله يد القانون.

بعد الثورة، تمّت مصادرة نصيب بلحسن الطرابلسي وتعيين متصرّف قضائي على الشركة.إلّا أنّ سامي الفهري نجح -وفق ما توضّحه الوثائق الرسمية التي نتحوّز عليها- في التخفّي وراء مجموعة شركات إنتاج جديدة مملوكة لأقاربه وبعض معاونيه (على غرار آيت برود وساموراي برود الخ) لمواصلة الإنتاج والبثّ على قناة الحوار التونسي .

وفي هذه الأثناء، ما زالت مؤسسة التلفزة التونسية تطارد، منذ ما يربو عن ثماني سنوات، مستحقاتها المالية من دون جدوى، علما أنّ القضية منشورة الآن أمام أنظار الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس.  

قناة الحوار التونسي استضافت على مدى سنوات عددا من أصحاب الأعمال الذين تعلّقت بهم شبهات فساد من بينهم. وبالرغم من إنتاجها لبرنامج متخصّص في الصحافة الاستقصائية بعنوان "ما لم يقل"، إلّا أنّ قناة الحوار التونسي تتجنب ذكر أي شخص متورّط بالفساد لا صراحة ولا تلميحا. كما أنّ خطّها التحريري يميل إلى عدم المساس بأيّ صاحب أعمال (أغلبهم من المستشهرين) والعمل على تفادي نشر الأخبار التي من شأنها أن تشهّر بهم حتّى وإن كانوا من الأشخاص الذين ثبت تورطهم بالفساد. بالمقابل، كانت قناة الحوار التونسي أحد المنابر التي دافعت بشراسة على قانون المصالحة الاقتصادية في كلّ نسخه، والذي كان اقترحه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واعتبره طيف واسع من التونسيين "مبادرة لتبييض الفاسدين ومساعدتهم على الإفلات من العقاب.

قناة "نسمة" هي من قنوات التلفزة الخاصة التي انطلقت في البث قبل الثورة وهي تعود بالملكية للأخوين قروي (نبيل وغازي) الذين تلاحقهما شبهات قوية للتهرّب من الضرائب. وقد تطوّرت هذه الشبهات لتبلغ مستوى الاتّهامات المباشرة بعدما قرّر القطب القضائي الاقتصادي والمالي تجميد أملاكهما وتحجير السفر عليهما في انتظار استكمال الأبحاث في القضية التي اتهما فيها. وتعتبر قناة نسمة شوكة في خاصرة المجتمع المدني حيث عمدت، بقرار مباشر من مديرها نبيل القروي، وفق ما توثّقه التسجيلات الصوتية، إلى إنتاج وبثّ مضامين تحريضية ضدّ عدد من النشطاء على غرار أعضاء المكتب التنفيذي لمنظمة أنا يقظ، فضلا عن إدارة حملات تشويه ضدّهم على خلفية دور هذه المنظمة في تقديم أدلة حول شبهات فساد وتهرّب ضريبي ضد الأخوين القروي. تمتدّ من تونس إلى لكسمبورغ مرورا بالجزائر والمغرب. قناة نسمة كانت، أيضا، من المدافعين الشرسين على تمرير قانون المصالحة.

وترتبط قناة "تي آن آن" هي الأخرى، بشبكة شركات دولية تحتمي بملاذات ضريبية لإخفاء هويّات مالكيها وطمس مصادر تمويلها. وقد كرّست هذه القناة مساحة وفيرة في برامجها، خلال فترة حكم الترويكا، للدفاع عن وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، وتبييضه غداة تورّطه في ما اصطلح على تسميته بقضية "شيراتون غايت" التي فجّرتها المدوّنة ألفة الرياحي. وكشف تحقيق أنجزه موقع انكفاضة في إطار التحقيق الدولي حول "وثائق بنما" تأسيس مالكي القناة، شركة أخرى في احدى الجنّات الضريبية تحمل اسم الشركة المحلية ذاته، تمرّ عبرها أغلب المعاملات التجارية والتحويلات المالية في خرق واضح للقانون.

ولئن ترفع قناة "تي آن آن" شعار محاربة الفساد وفضح الفاسدين ويُحسب لها أنّها المنبر التلفزي الوحيد في تونس الذي تجرّأ على الحديث عن مخرجات تحقيق "سويسليكس" الذي فضح تورّط عدد من كبار أصحاب الأعمال في التهرّب الضريبي وتبييض الأموال عبر فتحهم لحسابات سرية في الفرع السويسري لبنك HSBC في ظلّ صمت مطبق من كلّ وسائل الإعلام التونسية بلا استثناء بما في ذلك العمومية، فإنّ هذه القناة ذاتها تتهم بالانتقائية في فضح الفساد أو الدفاع عنه وتبييضه خصوصا.

 

إعلام يحارب الفساد؟

في مطلع أفريل 2016، استيقظ العالم بأسره على دويّ قنبلة "وثائق بنما". ذلك التحقيق العالمي التشاركي الذي أسقط القناع عن آلاف الفاسدين والمتهربين من الضرائب. كانت الساحة التونسية في قلب المعترك إذ حصل موقع انكفاضة على إمكانية الإطلاع الحصري على الجانب التونسي من وثائق بنما.

أثار نشر أسماء عدد من السياسيين، آنذاك، حالة من الجدل والتفاعل اللامنتهي في بلاتوهات الإعلام، إلا أنّ كبريات المؤسسات الإعلامية المهلّلة لما وصفته بـ"زلزال بنما" على غرار قناة الحوار التونسي ونسمة والزيتونة وراديو موزاييك و شمس آف آم صمتت تماما بمجرّد نشر الجزء المتعلّق بأصحاب الأعمال المتهرّبين من الضرائب. بل أنّ بعضها خصّصت عددا من البلاتوهات لتشويه التحقيق والفريق الصحفي الذي أنجزه مع الاستماتة في الدفاع عن أصحاب الأعمال "الوطنيين" الذين يسعى الموقع الاستقصائي لـ"النّيل من سمعتهم خدمة لأجندات خارجية" وفق ما ورد على لسان ضيوف البلاتوهات الذين تمّ انتقاؤهم بدقّة. 

وعليه، يمكن الجزم بأنّ الإعلام التجاري التونسي، عدا استثناءات قليلة، كان دائما يغلّب مصالحه المادية ويطوّع مضامينه وخطّه التحريري خدمة لذلك حتّى إن تطلّب الأمر الدفاع عن الفاسدين وتبييضهم أو في أحسن الأحوال غضّ البصر عنهم.

ولئن سعى الإعلام العمومي خلال السنوات الأخيرة ممَثّلا في القناة الوطنية الأولى والإذاعات العمومية ووكالة تونس إفريقيا للأنباء، للانفتاح على  الصحافة الاستقصائية من خلال التشجيع على إنتاج التحقيقات الاستقصائية، فإنّ هذه التجربة لاقت عديد الصعوبات واصطدمت بمعوقات كثيرة أساسها السياسة التحريرية المحافظة التي تنتهجها مؤسسات الإعلام العمومي التي مازالت تتقيّد بالرواية الرسمية للأحداث وتخشى الذهاب بعيدا في البحث والتدقيق.

ذلك الفراغ الذي خلّفه الاعلام العمومي والخاصّ على حدّ السواء في مستوى دورهما في محاربة الفساد شرع في ملئه الإعلامُ الجمعياتي الذي ما انفكّ، منذ الثورة، يقطع خطوات هامّة وإن بدت بطيئة في إطار محاربة الفساد ودعم الصحافة الاستقصائية.

ويستند الإعلام الجمعياتي على غرار موقعيْ نواة وانكفاضة بالإضافة إلى بعض المنظمات الأخرى (أنا يقظ، مركز تونس لحرية الصحافة، مركز تطوير الإعلام، جمعية المراقبين العموميين الخ) إلى الاستقلالية المالية وعدم الحاجة لعائدات الإعلانات، من أجل إنتاج -أو المساعدة على إنتاج- محتوى صحفي أو استقصائي مستقلّ يفضح الفساد ويكشف اللوبيات التي تقف خلفه وتحرّك خيوطه.

وإذا قمنا بعملية إحصائية بسيطة لأغلب ملفات الفساد التي تفجّرت خلال السنوات الأخيرة لوجدنا أنّ جلّها إن لم نقل كلّها قد أخرجها إلى الرأي العام مدوّنون مستقلون أو صحفيون يشتغلون لحساب مواقع جمعياتية. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، كان موقع نواة قد نشر مطلع سنة 2013 تحقيقا حول تجاوزات وشبهات فساد قام بها مكتب محاماة صلاح الدين قائد السبسي رفقة سليم شيبوب في ما يعرف بقضية شركة "فواياجور". هذه القضية ظلّت حبيسة موقع نواة ولم تتطّرق لها إلّا بعض  المنابر المحسوبة على حركة النهضة في إطار عملية انتقائية الغرض منها تصفية حسابات سياسية لا أكثر ولا أقلّ، في حين صمتت بقية المؤسسات الإعلامية الرسمية والتجارية.

من جانبها، مثّلت قضيّة صاحب الأعمال مروان المبروك المتمثّلة في تدخّل رئيس الحكومة يوسف الشاهد لدى الاتحاد الأوروبي لرفع التجميد عن أملاكه في أوروبا، منعرجا خطيرا في الإعلام التونسي الذي لازم الصمت المطبق نظرا الى أنّ شركة أورنج التي يملكها المبروك تعتبر أحد أكبر المستشهرين في الاعلام التونسي، وهو ما يفسّر عزوف الجميع عن الحديث ولو بالتلميح عن القضية باستثناء المواقع الجمعياتية المذكورة أعلاه والتي ظلّت تجدّف عكس التيّار من أجل إماطة اللثام عن خفايا هذه القضية وإنارة الرأي العام بكل مستجداتها.

إنّ محاربة الفساد لم تكن يوما من أولويات الاعلام التونسي بشتّى مكوّناته وتوجّهاته. فاعلامنا ينتمي الى صنف "الإعلام المعاشي"، الذي لم ينجح الى حدّ الآن في العثور على منوال اقتصادي (بزنس مُودل) قادر على ضمان ديمومته خارج سلطة المستشهرين من جهة والدعم العمومي للدولة من جهة أخرى. إلا أنّ الإعلام الجمعياتي بدأ يسير بخطى حثيثة نحو كسر هذه الثنائية وإيجاد مصادر تمويل مستجدّة تتيح له الصمود في وجه الفساد وإعلان الحرب عليه دون الخوف من التبعات المادية لتلك الحرب.

إنّ تجربة الإعلام الجمعياتي تستدعي التفاف النُّخب وعموم الناس على حدّ السواء حولها على اعتبار أنّها تلُوحُ بصيصَ الأمل الأخير الذي من شأنه شحذ الهمم من أجل قول لا للفساد بدل مهادنته او الذّوبان فيه.

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا

 

المراجع الرئيسية :

  • مشروع ملكية وسائل الاعلام تونس
  • المعهد الوطني للإحصاء
  • الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا)
  • منظمة أنا يقظ
  • موقع انكفاضة
  • موقع نواة
  • Northwestern University in Qatar (2015), Media Use in the Middle East 2015
  • UNESCO (2012), Assessment of Media Development in Tunisia