المفكرة: بصفتك رئيسة لجنة الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد، ما هي الأسباب التي دفعتك لتبنّي مشروع مكافحة الفساد؟ وما هي مقاربتك في هذا الصّدد؟

ابراهيم: هذه اللجنة من أكثر لجان البرلمان اطّلاعا على ملفات الفساد في كل القطاعات، وقد قمنا بعمل كبير مع هيئة مكافحة الفساد. أنا وزميلتي ليلى الوسلاني بوصلاح حيث أننا عضوتان الآن في لجنة قيادة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. هناك الكثير من العمل الّذي أنجز لكن هناك عراقيل كثيرة أيضا.

في واقع الأمر، الإنسان السوّي يكون بطبعه ضدّ الفساد، سواء كان موجودا داخل البرلمان أو خارجه. لكن ما جعلني أنتبه إلى الأمر وأهتمّ بمكافحة الفساد هو لقاء أجريته مع مسؤول برامج في منظمة أجنبية سنة 2015 عندما كنت عضوة في لجنة الأمن والدفاع. حيث قال لي المسؤول الأجنبي أننا نحن التونسيين نهتمّ كثيرا بمكافحة الإرهاب ولكن يجب أن ننتبه إلى ضرورة شنّ حرب أخرى بالتوازي معها وهي الحرب على الفساد وإلاّ فإنّ البلاد في ظرف 5 سنين ستكون محكومة من قبل المافيا. فأثار قوله انتباهي وقرّرت التوجّه لعضوية لجنة الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد. بالنسبة للعمل الرقابي البرلماني على الحكومة، خلافا لما يعتقده الكثيرون، فإن صلاحياتنا محدودة "برشة" في هذا المجال. فالأدوات المتاحة لا تعدو أن تكون توجيه الأسئلة الشفاهية والكتابية وتنظيم جلسات الحوار مع الحكومة وجلسات الاستماع لدى اللّجان.

 

المفكرة: ألا يمكنكم أيضا رفع دعاوي قضائية؟

ابراهيم: ليس باسم اللجنة، ولكن كنائب نعم. في بعض البرلمانات في التجارب المقارنة، عندما يطرح سؤال شفاهي ويأتي وزير للجلسة العامّة للردّ عليه يكون هناك أوتوماتيكيا تصويت على سحب الثقة. هذا ليس متاحا لدينا بالنظر إلى الوضع السياسي الهشّ في البلاد. الدعم السياسي المتوفر للحكومة الآن هو تحالف هشّ لا يمكنك من ممارسة آليات سحب الثقة. وهذا كلّه يمسّ من جدوى العمل الرقابي. ها أننا نطرح الأسئلة، وبعد؟ يعود الوزير إلى مكتبه ولا يبقى في وسعك سوى أن تعيد توجيه السؤال أو تفعل شيئا آخر. لا نشعر بنتيجة ملموسة لذلك فعليا. صحيح أنّ هناك بعض التغييرات في ملفات فردية لكن لا توجد نتيجة عامة يمكن ملاحظة أثرها على البلاد. الفساد ماض في الاستشراء، وكان من قبل حكرا على دوائر معيّنة لكننا صرنا نتحدث اليوم عن فساد كبير وفساد صغير. لم يعد الفساد ظاهرة، بل أصبح سلوكا يوميا لدى جميع الناس والأخطر بروز عقلية التطبيع معه.

 

المفكرة: هل للحكومات المتعاقبة دور في استشراء الفساد؟ وكيف ذلك؟

ابراهيم: هناك موضوع السياسات المتّبعة من قبل الحكومات المتعاقبة. هناك مسألة قلّة الحزم في التعامل مع الظاهرة. للأسف، عندما يقول رئيس الحكومة إنّه يعلن الحرب على الفساد ويضع أربعة أو خمسة أشخاص تحت الإيقاف ثمّ لا نجد متابعة للعملية، لا يسعنا إلاّ أن نتساءل عمّا إذا قد أعلن الحرب فعلا أم أنه فقط يقوم باستعراض؟

 

المفكرة: هل تعتبرين أن مخرجات حرب الشاهد على الفساد، كما أسماها، لم تكن كافية؟

ابراهيم: لم أر حربا من الأساس. الفساد موجود كسلوك وهناك في مقابله عنصر الوقاية، ما الذي نفعله نحن في هذا الاتّجاه؟ صحيح أنه يجب أن نكافح الفساد لكن في المقابل يجب أن نصنع رأيا عامّا ونربّي أجيالا جديدة على منظومة الوقاية من الفساد ومكافحته. بناء على تجربتي، أعتقد أنّ الوضع خطير.

 

المفكرة: هل يمكن القول إذن إنّ النظام السياسي يساهم في انتشار الفساد أو يشجّع عليه؟

ابراهيم: النظام السياسي لا، السياسيون نعم، وكذلك السياسات المتّخدة من قبل الحكومة. نحن لا نرى إرادة سياسية، لا أتحدّث هنا عن الصّدق. فأنا لا يمكنني الخوض في النوايا، بل أعني الإرادة الحقيقية لمحاربة الفساد. ملفات عديدة تهم المؤسسات العمومية اشتغلنا عليها ضمن لجنة مكافحة الفساد على غرار شركة الخطوط التونسية والسكك الحديدية والشركة التونسية للكهرباء والغاز إلخ...

 

المفكرة: وما هو الملفّ الّذي تعتبرينه الأخطر من بينها؟

ابراهيم: صدّقيني كلّ ملف يقع بين أيدينا نقول إنّه الأخطر. هناك بالفعل مظاهر كبيرة للفساد في المؤسسات العمومية. وللأسف الشديد فإنّها في تزايد مستمرّ، ما دام هناك أناس يرفضون الاعتراف بوجود فساد في المؤسسات العمومية.

 

المفكرة: في خضم كلّ ما ذكرته، ما هي الإمكانيات الجدية المتاحة من موازين قوى ولاعبين من أجل المضيّ قدما في المحاسبة ومكافحة الفساد؟  وما هي الآليات اللازمة لتحقيق ذلك؟

ابراهيم: إن كنّا نريد محاربة الفساد فيتوجّب على مجلس نوّاب الشعب القادم أن ينصّ في النظام الداخلي للمجلس على التمكين من أدوات رقابية فعالة وحاسمة. بمعنى أنه عندما يقوم النائب بتوجيه سؤال شفاهي أو تكون هناك دعوة إلى جلسة مساءلة للحكومة فإنّ ذلك يعني أوتوماتيكيا وجود تصويت على سحب الثقة. ويجب ألاّ تكون لجنة الإصلاح الإداري مثلها مثل سائر اللجان، بل أن تكون مضيّقة ومنتخبة أي شرعية ولها تمثيلية من كل الكتل. لكن لا يجب أن يبلغ عدد أعضائها 22 عضوا بل يكون فيها نائب أو اثنان فقط عن كلّ كتلة، كما يجب أن تكون لديها صلاحيات كبيرة وسلطة القرار. لأننا حاليا نقوم بعمل مضنٍ وأنجزنا تقارير عن كل المؤسسات الكبرى، ثمّ ماذا بعد؟

أقول هذا... علما أننا نجحنا في هذا العام ببعض الضغط على مكتب المجلس في تمرير تقرير لجنتنا الخاصّ بالأملاك المصادرة. اغتنمنا حينذاك الجدل الذي حدث حول رفع التجميد عن أموال مروان المبروك، وقمنا بالضغط ومرّرنا تقريرنا وصارت جلسة بحضور ثلاثة وزراء. وبين أيدينا الآن ملفّ كبير يهمّ شركة الخطوط االتونسية والذي يتضمّن إخلالا كبيرا وتجاوزات عديدة. شركتا الخطوط الجوية والسكك الحديدية من أهم الملفات التي لدينا. تصلني وثائق عن عمليات تدليس وتزوير شهادات علمية كي يتمّ انتداب البعض وترقية البعض الآخر، وعن سوء تصرّف في الأملاك والعقارات وقطع الغيارات والموارد البشرية. هناك أيضا قضايا بالعشرات مرفوعة في حق مسؤولين في السكك الحديدة أمام القطب القضائي المالي. ثم ينبري المسؤول الأول ليقول أنه لا يوجد إشكال والأمور على ما يرام فقط هناك بعض التجاوزات وسنقوم بوضع استراتيجية إلخ...

 

المفكرة: ممّا يستفيد هؤلاء برأيك؟

ابراهيم: هم يستفيدون من غياب صبغة الإلزامية لما ننجزه. التقارير التي ننجزها في إطار اللجان الخاصة يفترض وفق النظام الداخلي للمجلس أن تعرض على الجلسة العامّة، في حين أنّ تقارير 2016 و2017 و2018 لم تعرض جميعها على الرغم من أنّها مهمّة جدّا، وحتى وإن عرضت فيتم ذلك في غياب الحكومة. ما دام العمل الرقابي يفتقر إلى أدوات النجاعة والحسم، فإنّ الوزير سيبقى مطمئنّا إلى أن لا شيء سيحدث له. ما نشهده حاليا للأسف هو وجود مؤسسات فيها أطراف نقابية بالأساس، تستقوي على المؤسسات نفسها. هناك حالات كثيرة لنقابيين يتحكّمون هم في سير المؤسسات بدل الرئيس المدير العامّ مثلا، فتجد الكاتب العام للنقابة هو من يعيّن ويعزل ويرقّي ويقرّب ويبعد.

 

المفكرة: ما الحلّ برأيك، خاصة وأن الاتحاد العام للشغل يحظى بشعبية كبيرة؟

ابراهيم: الاتحاد على رؤوسنا جميعا وهو منظمة كبيرة وعريقة وشريكة في بناء الجمهورية الثانية ولا أحد يسعه أن ينكر ذلك. لكن الاتحاد العام التونسي للشغل يجب أن ينتبه إلى الممارسات التي يقوم بها بعض منظوريه والتي تسيء إلى الاتحاد في ذاته. لقد برمجنا صلب اللجنة  تنظيم جلسات بحضور الاتحاد لنواجهه بالأسماء والتواريخ بما يقوم به منظوروه ونطالبه بحلّ ذلك الإشكال. لكن للأسف داهمنا الوقت وأرجو أن يستمرّ ذلك في الدورة البرلمانية المقبلة.

 

المفكرة: هناك من يقول اليوم إنّ الفساد أصبح شرّا لا بدّ منه يتوافق مع متطلبات المنافسة الانتخابية أو الانتقال الديمقراطي. ما هو رأيك بالخصوص؟

أنا لا أؤمن بذلك. الفساد ظاهرة وسلوك يمكن التغلب عليهما لو تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية والمنظومة التشريعية الحقيقية  اللازمة لمحاربة الفساد. لدينا في الإدارة التونسية كفاءات شابة عديدة تحب الخير لبلادها وتريد مقاومة الفساد لكنها لا تعرف كيف.

 

المفكرة: تتحدّثين سيدتي عن الإرادة السياسية كما لو أنّ حزبك، حركة النهضة، لم يكن في الحكم يوما ولا يزال؟ الإرادة السياسية لمن؟

ابراهيم: نحن عنصر في الحكومة ولسنا كلّ الحكومة. في حركة النهضة تتوفر الإرادة لمحاربة الفساد بدليل اختيارنا رئاسة لجنة الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد. وقد نظمنا جلسة استماع مع 3 وزارات، لم يحضرها خلال الساعة الأولى سوى الأعضاء نواب حركة النهضة قبل أن يلتحق بنا زميلان آخران لاحقا. نحن في النهضة تتوفّر لدينا الإرادة والفعل، لكن هناك أحزاب أخرى لديها رئيس الدولة ورئيس الحكومة والبرلمان و80% من الوزراء وكتاب الدولة و90% من الرؤساء المديرين العامين والولاة والمعتمدين، وبالتالي هم من أعنيهم بالحديث عن وجوب توفر الإرادة السياسية.

 

المفكرة: ألا ترين أن فترة التوافق ساهمت في تمرير قوانين تتعارض مع مكافحة الفساد وفي غضّ البصر عن بعض الملفات؟

ابراهيم: يجب علينا أن نضع التوافق في إطاره. في فترة ما، لم يكن يمكن أن نخرج ببلادنا من عنق الزجاجة لولا التوافق. أن يصبح التوافق هو الشماعة التي نعلّق عليها ضعفنا أو ضعف إنجازاتنا فهذا غير صحيح. قانون المصالحة قد يكون جزءا من ثمن دفعناه من أجل هذا التوافق، مع العلم أنني صوّت ضدّه وأثرت حوله جدلا كبيرا في المجلس. ولكن كان القانون المذكور ثمنا سيئا اضطررنا للأسف الشديد إلى دفعه لإنقاذ التوافق، لأنه عندما تجد أطرافا تقول لك إمّا أن يمرّ القانون وإمّا أن يسقط المسار كلّه في الماء، ستكون مضطرّا أن تنقذ المسار، وإن كنّا حاولنا حينها أن ندخل على القانون تعديلات من شأنها التخفيف من وطأته.

 

المفكرة: وماذا عن الهيئات الرقابية الأخرى؟ كيف تقيّمين أداءها؟

ابراهيم: أميّز هنا بين الهيئات الرقابية التابعة للسلطة التنفيذية والتي تعمل (على روحها)، وبين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي أتعامل معها شخصيا وأرى أنها تقوم بدور مهمّ. لكن نقيصتها هي ضعف الاتصال والحال أنها تقوم بعمل كبير على مستوى الوقاية والمكافحة ولها إنجازات كبرى خاصة على مستوى الديوانة في كل من حلق الوادي ورأس الجدير بالخصوص.

 

المفكرة: وماذا عن محكمة المحاسبات؟ وماذا بشأن القضاء؟

ابراهيم: بداية بورك جهد محكمة المحاسبات، فهي تقوم بدور كبير خاصة بعد الصلاحيات التي مكّنها منها دستور 2014 مثل صلاحية نشر التقارير الأمر الّذي شكّل نقلة نوعية في أعمال المحكمة. حيث لم تعد تقاريرها تمرّ في الخفاء بل صارت تثير الجدل وتحظى بالمتابعة. ونحن داخل لجنة الإصلاح الإداري نرتكز في عملنا على تقارير دائرة المحاسبات، حيث نطّلع على التقرير السنوي ونستخرج أهمّ المحاور المطروحة ونختار بناء عليها المؤسسات التي سنشتغل عليها. ولاحقا أيضا في مرحلة الاستماع، نقوم بالاستماع إلى محكمة المحاسبات ثم الوزير المشرف على المؤسسة المعنية، بما يعني وجود توازن في الروايات يمكّننا من وضع تصوّرنا الخاصّ.

إحداث القطب القضائي مثّل بدوره نقلة نوعية، لكنه للأسف يبقى منقوص الموارد البشرية والمادية للأسف. نحن نأمل أن تتحسن ظروف عمله كي يتحسّن دوره في محاربة الفساد.

 

المفكرة: تحدّثنا سابقا عن الحرب على الفساد، هل تعتقدين أنه يمكن أن يكون هذا المفهوم أو المصطلح ضمن آليات التعبئة في الحملة الانتخابية؟ وألا تخشين من المال السياسي الفاسد في الانتخابات؟

ابراهيم: من المؤكّد أن بعض الأحزاب أو الأشخاص سيستعملون عبارة الحرب على الفساد في حملتهم الانتخابية ولكن يجب أن يقدّموا أولا جردا لما أنجزوه سابقا بالخصوص، وهنا أعني تحديدا رئيس الحكومة. وأنا بالطبع أتخوف من المال السياسي.

 

المفكرة: هل ترين أن مساحة الحرية التي تسمح للمجتمع المدني والإعلام بالخوض في ملفات الفساد كافية؟

بالنسبة لتونس فإنّني أرى أنّ المجتمع المدني والإعلام يقومان بدورهما. ومع ذلك، يجب على المجتمع المدني أن يكثّف من يقظته تجاه الأحزاب أو الحكومة أو الأفراد. نحتاج أيضا أن نطوّر منظومتنا التشريعية في مجال مكافحة الفساد. يبقى أن أوّل خطوة في محاربة الفساد هي الوقاية منه وهذا ما يجب أن يقوم عليه الخطاب. أنا أنادي بضرورة إدراج محاربة الفساد في مناهج الدراسة بدءا بالروضة فالإبتدائي ثمّ المعاهد، وبتكريس مفهوم المواطنة، وبأهمية بعث نوادٍ في المدارس والمعاهد يتمّ فيها تدريب أطفالنا على الوقاية من الفساد، كي يكون لدينا بعد جيلين قاعدة من الموارد البشرية لديها القدرة على التوقّي من الفساد.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا