في صبيحة 12 أيلول 2019، نشرت صحيفة الأخبار مقالا تناولت فيه عودة عامر الفاخوري، وهو المسؤول السابق عن معتقل الخيام إلى لبنان وأحد الأشخاص الأكثر تورّطا بالعمالة مع إسرائيل في فترة احتلالها للبنان. وتساءلت الصحيفة عن الجهات التي جعلت عودة فاخوري ممكنة، من دون أن يتعرض لأي مساءلة أو ملاحقة، خصوصا أن عميدا في الجيش تولّى تسهيل ختم جوازه في المطار وأن اسمه قد شطب مؤخرا عن لائحة وثائق الاتصال التي تضعها مخابرات الجيش اللبناني. وقد خصصت الصحيفة للموضوع عنوانا معبرا، وضعته على غلافها قوامه: "الدولة تكرم جزار الخيام". ما أن صدر الخبر حتى انطلقت على الصعيدين الاجتماعي والسياسي المواقف المندّدة بالعودة الآمنة لهذا الرجل إلى وطن عانى الكثير من أفعاله التي بقيت من دون حساب.

ولم تنقضِ ساعات حتى فُتحت العديد من المنابر لضحايا التعذيب في معتقل الخيام، في مقدمتهم الأسيرة الأشهر سهى بشارة، ليرووا ما تعرّضوا له فيه. وفيما سرت أنباء عن إسقاط الحكم الغيابي الصادر بحق الفاخوري في 1996 بعد مرور عشرين سنة على صدوره عملا بأحكام مرور الزمن، أعرب العديد من السياسيين (تغريدة للوزير كميل أبو سليمان) والصحافيين (حسن عليق) عن اعتقادهم أن جرائم كهذه لا تخضع أو لا يفترض أن تخضع لمرور الزمن، وذلك في مواقف خطابية تعكس مدى الاشمئزاز إزاءها أكثر مما تعكس حقيقة القانون، الذي للأسف لا يتضمن قاعدة مماثلة. كما لفت هؤلاء أن ثمة ضرورة بأية حال في محاكمة فاخوري حول العمالة المرتكبة منه بعد خروجه من لبنان، والتي رجحوا أن تكون ما زالت مستمرة. على هذا الأساس، مثل الرجل بتاريخ 17 أيلول أمام قاضية التحقيق العسكرية نجاة أبو شقرا التي أصدرت بحقه مذكرة توقيف وجاهية، على وقع احتجاجات عدد من الضحايا الذين احتشدوا خارج المحكمة.

من هذا المنطلق، بدا أن عودة فاخوري حققت بشكل تلقائي ما عجزت عن تحقيقه مجمل المحاكمات الحاصلة سابقا للعملاء (وعددها يناهز الآلاف) وعشرات الندوات حول العدالة الانتقالية وكيفية التعامل مع الماضي منذ الخروج من حرب 1975-1990. فكأنّما الوعي الحقوقيّ تمكّن للحظة من خرق غشاءات السياسة والطائفية، ليأذن لضحايا التعذيب أن يخرجوا من دائرة النسيان ليصبحوا محطّاً للأضواء الأكثر إبهاراً، في مشهد يذكر بسماعات الضحايا الحاصلة في تونس والمغرب والعديد من الدول الأخرى التي انتهجت بدرجة أو بأخرى مسارات يصطلح على تسميتها العدالة الانتقالية. وبفعل هذه السماعات، أمكن المواطنين أن يتأملوا بالعين المجردة المظالم التي كانوا نسوها أو حاولوا تناسيها خوفا من بشاعة الماضي وانقساماته. وقد بدا الأمر فجأةً كأنما لبنان وجد نفسه مجددا أمام ماضيه، بعدما كانت قواه الحاكمة سعت جاهدا لطمس هذا الماضي أو حصر تذكره ببطولات بعض زعمائه.

وفيما يبقى انقشاع هذا الوعي (والذاكرة) محصوراً حاليا في حقبة زمنية وفي انتهاكات معينة مع ما يحفّزها ويفسّرها من اعتبارات وطنية أو مواقف سياسية ضد العمالة وإسرائيل (العدو أو الآخر) أو ما يجابهها من ردود أفعال، فإنها تشكل شاهدا بليغا على أن الماضي لم يمضِ وأن المجال يبقى مفتوحا في أي لحظة لعودته مع ما يطرحه من أسئلة، مهما بلغت سياسات طمس الذاكرة أو تأطيرها من قوة. ومن شأن هذا الأمر أن يشكل محفّزا لإعادة النظر في سياسات الدولة في مجاليْ التعامل مع الماضي والمنظومة الحقوقية على حدّ سواء.

 

أسئلة حول تعامل الدولة مع الماضي:

لماذا غيبنا الضحايا عن محاكمات العملاء؟

في مناسبات عدة، عرضنا كيفية تعامل السلطة الحاكمة في لبنان مع الماضي في مختلف المنعطفات الأساسية من تاريخه، وهي تباعا: منعطف خروجه من حربه الأطول في 1990، ومنعطف انسحاب الجيش الإسرائيلي منه في 2000 ومنعطف انسحاب الجيش السوري منه في 2005 تبعا لاغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري. وقد رأينا أنه رغم اختلاف أشكال تعامل السلطة مع الماضي في هذه المنعطفات (عفو عام، محاكمات عسكرية، محاكمة دولية)، فإنّها تتّحد في عمقها لجهة تغليب الاعتبارات السياسية على اعتبارات العدالة وما يستتبعه من تغبيش للوعي الحقوقي. ونتبين هذا الأمر بوضوح كليّ من خلال استعادة أبرز المعطيات التي شهدناها في خضم التدابير المعتمدة لمحاكمة الأشخاص الذين تعاملوا مع إسرائيل في فترة احتلال لبنان.

أول هذه المعطيات تمثل في تمسّك السلطات العامة بمقاربة الماضي بالطرق القضائية التقليدية، من دون أن تستشعر أي حاجة في وضع تشريعات تميّز جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان الكبرى عن أعمال العمالة البسيطة أو في مراعاة الظروف الخاصة التي كان يرزح تحتها الشريط الحدودي الجنوبي والتي دفعت العديد من قاطني هذه المناطق إلى التعامل مع إسرائيل بدرجة أو بأخرى. ومن سلبيات هذه السياسة، أنها أدّت إلى إبراز جرم العمالة بما يحتويه من أبعاد سياسية بالنسبة إلى جميع الجرائم الأخرى، بما فيها جرائم الحرب المقززة مهما بلغت خطورتها. وقد تجلى ذلك من خلال وضع كل هذه المحاكمات في بوتقة واحدة، عنوانها الأوحد "محاكمة العملاء" (وهي التسمية التي هيمنت على الخطاب الرسمي والإعلامي لوصفها)، والأهم من خلال تمديد أذرع المحكمة العسكرية لتنظر في جميع هذه الجرائم، على اعتبار أن اختصاصها الحصري بالنظر في جناية العمالة (الخيانة والتجسس والتعامل مع العدو) يستتبع اختصاصها "تبعيا" بالنظر بجميع الجنايات الملازمة لها. وما فاقم من هذه السلبيات هي الأصول المتبعة في هذه المحكمة والتي تمنع الضحايا من التمثّل أو اتخاذ صفة الادعاء المباشر أمامها، مما يعمق بالتالي من تغييب معاناتها. وعليه، حصلت مئات المحاكمات في هذه المحكمة من دون أن يعطى أي من الضحايا مجال لسرد معاناته من جراء جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضده. وإذ اكتفت المحكمة بالاستماع لبعض الشهود منهم، لم يلقَ هذا الأمر في حينه أي صدى في الإعلام. وما ضاعف من هذه السلبية، هو أن المحكمة العسكرية أصدرت أحكامها في القضايا تلك، وفق ما ينص عليه قانونها، على شكل أجوبة على أسئلة حول مدى توفر المسؤولية الجزائية، بنعم ولا ودون أي سرد للوقائع أو تعليل. وفيما عدا العملاء الكبار (ومنهم فاخوري) أو الفارين، انتهت غالبية هذه الأحكام إلى عقوبات مخففة، في محاولة لضبضبة الانقسام السياسي الداخلي، بما يعكس هنا أيضا غلبة الاعتبارات السياسية على الاعتبارات الإنسانية.

على أساس مجمل هذه المعطيات، برز "المتهم" في هذه المحاكمات – ليس كجلاد نقيضه الضحية- مع ما يستتبعه من وعي حقوقي ومشاعر إنسانية، إنما كعميل نقيضه المقاوم الذي أرغم إسرائيل على الانسحاب، في مشهدية مؤداها إبراز الطابع السياسي للجريمة، ومعه انتصار حزب الله أو النظام على إسرائيل، بمعزل عن أي اضطراب ضميري.

انطلاقا مما تقدم، تأتي صحوة ما بعد عودة الفاخوري لتعيد طرح أسئلة مركزية على القوى السياسيةـ، حول مدى ملاءمة اعتماد المحاكمات العسكرية، لمحاكمة جرائم بخطورة الجرائم المنسوبة إليه. فما الذي حققته هذه المحاكمات التي تمت على عجالة وأقحم فيها أخطر العملاء وأبسطهم على حد سواء، كل ذلك بغياب كلّي للضحايا؟ وألم يكن من الأجدى التفكير مليا غداة التحرير حول طبيعة الجرائم المنسوبة للعملاء وكيفية التعامل معها والأهم حول طبيعة وأصول المحاكمة الواجبة بما يضمن حضور الضحايا ويمكّنهم من شهر أصابعهم في عيون جلاديهم وتوثيق سرديتهم عن الماضي بكل بشاعته، في سجلات المحاكم، فلا ننسى؟ وماذا الآن؟ هل سيترك الضحايا يهتفون ضدّ من يعتبرونه جلادهم على أبواب المحكمة العسكرية أم سيتاح لهم أخيرا أن يدلوا بدلوهم أمام مرجع رسمي قد يكون محكمة أو هيئة رسمية يتم إنشاؤها خصيصيا لتوثيق انتهاكات الماضي وتذكّرها فلا ننسى؟

هذه هي أبرز الأسئلة التي تطرحها بإلحاح عودة الفاخوري الآمنة وما استتبعها من ردود أفعال، وهي أكثر إلحاحا من أي سؤال حول تورط هذا المسؤول أو ذاك في تأمين هذه العودة. وهي أسئلة ضرورية لإخراج مسألة العمالة وما رشحت عنه من انتهاكات من كونها مسألة سياسية لجعلها قضية إنسانية يتعاطف معها كل ضمير حرّ وعادل. وإلى هذا السؤال المركزي، سؤال آخر يفرضه أيضا هذا الحدث ولا يقلّ وجاهة عن الأول، وهو سؤال حول مدى ملاءمة مقاربتنا كدولة لجرائم التعذيب.

 

جرائم التعذيب، هذه الجرائم المقززة

السؤال عن مقاربتنا لجرائم التعذيب لا يقلّ أهمية عن أسئلتنا أعلاه، وهو يبرز تبعا للحيّز الهام الذي أخذته هذه الجرائم في سياق الإستهجان إزاء عودة الفاخوري الآمنة، وهو استهجان يبدو متناقضا مع المقاربة الرسمية وإلى حدّ ما القضائية (أقله لدى النيابات العامة وقضاء التحقيق) لهذه الجرائم.

تجليّات هذه المقاربة كثيرة. سنكتفي هنا بأن نذكّر بالتجلي الذي نراه الأكثر رمزية والذي يتمثل بالمناقشات الحاصلة في البرلمان في 2017 في سياق مناقشة قانون مناهضة جرائم التعذيب. فعدا عن أن عددا كبيرا من النواب رفض المسّ بصلاحية المحكمة العسكرية معتبرين إياها خطّاً أحمر لا يجوز تجاوزه بمعزل عما يستتبعه من تضحية بشروط المحاكمة العادلة أو تهميش للضحايا مماثل لتهميش ضحايا العملاء، بدت بعض مداخلاتهم بمثابة إقرار بوظيفة القضاء العسكري في تحصين العسكريين ضدّ اتهامات التعذيب. وهذا ما نستشفه بشكل خاصّ في تصريح النائب وليد سكريّة الذي بعدما ذكّر أن كلفة إعداد ضابط تراوح مئتي ألف دولارأ اميركيا، تساءل فيما إذا كانت الدولة "تتخلى عنه لأنه ضرب هذا المجرم أو المتهم". وقد أنهى النائب تصريحه بأن العسكريين والضباط يحاكمون أمام المحاكم العسكرية وأن أي حديث عن محاكمتهم أمام القضاء العدلي هو خطأ كبير وتجاوز لقانون الدفاع. ف "أمام مقتضيات الأمن الوطني، كلّ المحرّمات تزول". وفيما أعرب النائب السابق بطرس حرب عن حيرته بشأن مدى ملاءمة معاقبة التعذيب، عارض وزير الدولة لشؤون المرأة والنائب آنذاك جان أوغسابيان الاقتراح بحجة أنه إذا تم السير به، فعلى الدنيا السلام بالشؤون المتعلقة بالإرهاب ولن تجد ضابطاً قادراً على التحقيق مع أحد."

 لاحقا، وبعدما كادت النقاشات تطيح باقتراح قانون مكافحة التعذيب، تم إقراره مع تعديلات عدة عليه، سواء لجهة تعريف التعذيب أـو العقوبات أو مرور الزمن أو عدم المس باختصاص المحكمة العسكرية، وهي تعديلات جوبهت باعتراضات حقوقية كثيرة.

وبعد سنتين من إقرار القانون، تبدو الأمور كأنه ما يزال حبرا على ورق، وخصوصا في ظل تقاعس النيابات العامة وقضاء التحقيق عموما عن إيلاء شكاوى التعذيب الأهمية والأولوية التي أشار إليها المشرع. والدليل الساطع على ذلك هو أنه رغم توفر أدلة قوية على رواج التعذيب في عدد كبير من القضايا ومن قبل العديد من الأجهزة الأمنية، ما تزال سجلات المحاكم خالية من أي حكم إدانة على أساس هذا القانون.

وهكذا، وهنا أيضا، جاء الخطاب المنبثق عن قضية الفاخوري، بمثابة علامة استفهام كبرى في مواجهة السلطات العامة. ففيما كان التنديد بأعمال التعذيب محصورا حتى اللحظة بالمنظمات الحقوقية التي غالبا ما تتهم بالمثالية أو الطوباوية أو خدمة أجندات خارجية، اتسعت بفعل هذه القضية دائرة التنديد لتشمل قوى سياسية واجتماعية عدة، بدت وكأنها تغلّب حرمة الإنسان على أي اعتبار آخر. يقظة حقوقية ثمينة يؤمل أن تترك آثارها واضحة في التشريع... وبالأخص في سجلات القضاء. فكِرهنا لإسرائيل لما تمثله من عدوان وإجرام لا يسمح لنا بحال من الأحوال التوفيق بين شيطنة التعذيب حين ترتكبه هي أو عملاؤها، واستسهال التبرير إلى حد التماهي مع جرائم التعذيب التي ترتكبها أجهزتنا الأمنية هنا وهنالك.