اتهم قضاة المحكمة الإبتدائية في تونس في بيان صدر عنهم "مجموعة المحامين"، مما يصطلح على تسميتهم بهيئة الدفاع في "ملف الجهاز السري"، باحتلال مكتب وكيل الجمهورية بالمحكمة بشير عكرمي صباح يوم 19-09-2019 والتهجّم بالشتم والثلب على نحو يشكل تهديدا لسلامته الجسدية فضلا عن ارتكاب أعمال عنف كان من آثارها تهشيم وبعثرة محتويات المكتب. وقد أكد هؤلاء أن الجهات القضائية استنجدت بداية بعميد المحامين وبرئيس فرع الهيئة الوطنية للمحامين طلبا لتدخل منهم بكفّ الاعتداء، لكن هذا لم يفضِ لنتيجة تذكر لإصرار المهاجمين على موقفهم وتعمّدهم توجيه شعارات نابية فيها شتائم واتهام بالإجرام للمسؤول القضائي. وذكر بيان القضاة أنه بالنظر لكون المكتب يضم وثائق على درجة عالية من السرية والخطورة وتمس الأمن العام، فقد أذن وكيل الجمهورية للمصالح الأمنية بالتدخل لإرغام مجموعة المحامين على إخلاء المكتب. وقررت جميع هياكل القضاة (وعددها ستة) في بيانات صدرت مساء ذات اليوم دعوة عموم قضاة تونس لإضراب حضوري عن العمل مدته أسبوع واحد.

من جهتهم برر المحامون المنسوب لهم الاحتلال موقفهم بما قالوا أنه امتناع من وكالة الجمهورية بتونس عن اتخاذ موقف من شكايات تقدموا بها يتهمون صلبها قيادات حركة النهضة بالضلوع في الإرهاب والاغتيالات السياسية باعتماد ما يسمونه الجهاز السري لحركة النهضة. وذكروا أنهم دخلوا المكتب بعد تحصيل إذن في ذلك من وكيل الجمهورية وإن ما أقدموا عليه كان اعتصاما بالمكتب. ويذكر هنا أن هؤلاء روجوا في مرحلة أولى خبرا مفاده أن عميد المحامين الذي تدخل لمنع استعمال القوة في مواجهتهم قد تعرض لاعتداء بالعنف من الأمن وهو الأمر الذي عاد العميد لينفي حصوله.

اللافت أن هيئة الدفاع وجدت مساندة في ذات يوم الوقائع وتاريخها من الرابطة التونسية لحقوق الإنسان التي أدانت ما قالت أنه "اعتداء على حق الولوج للعدالة"، مظهره عدم البت في الشكاية التي تقدموا بها منذ 02-10-2018 مضيفة أن "التعجيل بفتح بحث تحقيقي للوصول إلى الحقيقة، ليست مسألة إجرائية أو قانونية فقط، بل ترتقي إلى جوهر الدفاع عن استقلال القضاء وحق التونسيين والتونسيات في معرفة الحقيقة" ونبهت إلى أن "استعمال العنف، من طرف أي جهة كانت، ضدّ المحامين، سوف يدان ولن يخدم المساعي المبذولة لكشف الحقيقة". كما وجدت الهيئة ذات المساندة من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أصدر بيانا أدان ما ذكر أنه "إعتداء من قبل قوات الأمن على عدد من المحامين المعتصمين في قصر العدالة وبينهم أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي" واعتبر "أن هذا الاعتداء يعدّ انتهاكا لحرم المحكمة وتعدّيا على حرمة المحامين وكرامتهم، مؤكدا "مطلق المساندة" للمحاميات والمحامين ولعميدهم ومطالبا بتتبّع المعتدين ومحاسبة من أعطى الأمر بذلك وطالب  النيابة العمومية والهيئات القضائية "بالاستماع إلى طلبات هيئة الدفاع بعد أن ذكرها بأنه طرف في القضية لكونه قائما بالحقّ الشخصي" في اغتيال بلعيد والبراهمي.

وكانت مصادر قضائية أكدت للمفكرة أن الشكايات المدعى أنه لم يتم البحث فيها تتولى فرق أمنية متخصصة إجراء بحث أولى فيها وأن تلك الأبحاث تقدمت بشكل كبير نافية حصول تعطيل بها وملاحظة أن فريق الدفاع يتابعها على مستوى الباحث مضيفة أن التحرك الذي تم يرد خلال فترة الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية التي من بين من شارك فيه وعددهم لا يتجاوز العشرين محاميا من هو مرشح فيها بما يكشف بوضوح -حسبها- عن كون خلفية التحرك محاولة الزج بالقضاء في الصراع السياسي. وأضافت ذات المصادر القضائية أن الهيئات (الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والاتحاد العام التونسي للشغل) التي تبنت مواقف مطابقة لرواية فريق الدفاع لم تتنقل لمكان الوقائع ولم تطلب سماع وجهة نظر الجهات القضائية التي تمسك تسجيلات مرئية تفند الادعاءات التي تبنتها جملة وتفصيلا مستغربة منها ذلك.

فشل وزير العدل محمد كريم الجموسي في احتواء الأزمة رغم دعوته ممثلين عن مجلس القضاء والهيئة الوطنية للمحامين لجلسة حوار. وتتجه الأزمة على ما يبدو لمزيد من التصعيد في ظلّ ما برز من موقف قضائي وبالنظر لتمسك هيئة المحامين برفض التدخل الأمني، هذا التدخل الذي اعتبرت أنه يمس من هيبة المحامين، وإن كان ما أعلن من عزم المجلس الأعلى للقضاء بذل مجهود لحلها قد يحقق نهاية سريعة لها تبدو مطلوبة باعتبار ما للقضاء من دور هام في الفترة الانتخابية.