المفكرة: لو تحدّثيننا عن الأسباب والخلفيات التي دفعتك إلى تبنّي مشروع مكافحة الفساد؟

عبو: الفساد أصبح اليوم منتشرا بصفة رهيبة مؤثّرا بذلك على الدولة وقراراتها وتوجّهاتها وخياراتها السياسية. هناك أجندات يتم تمريرها عبر القوانين وأهمها قانون المالية تخدم الفساد، ولذلك مسألة مكافحة الفساد لم تعد خيارا أو نتيجة لاعتبارات أخلاقية بل هي متعلقة بأنك كنائب، من خلال دورك الرقابي وواجبك، يتوجّب عليك إنقاذ مؤسسات البلاد.

 

المفكرة: وماذا عن خطاب مكافحة الفساد؟ تبرزين دائما كنائبة تدافع عن الشفافية داخل الدولة لكن هناك من يصف خطابك بالمتشنّج وغير الأنثوي؟ ما قولك في ذلك؟ وما هي مقاربتك في المقابل لخطاب مكافحة الفساد؟

عبو: هنا مربط الفرس.. حديث هؤلاء عن الأنوثة يغفل عن أنني لست موجودة في المجلس بصفتي أنثى. تجدين أحيانا نوّابا يصيحون ولا أحد ينتقدهم، حتى في الإعلام هناك محمد بوغلاّب ولطفي العماري يرفعان صوتهما بالصياح دون انتقاد لهما. هم لا ينتقدون إلاّ المرأة. فبالنسبة لهم، يجب أن تكون المرأة دائما خاضعة وخجولة وتخفّض صوتها وما إلى ذلك من القواعد الأخلاقوية البالية ذات المرجعية الذكورية. أنا شخصيا لا أولي هؤلاء اهتماما ولا أسمع لقولهم، لأنني عندما أتوجّه إلى مجلس النواب لا أكون مركّزة على جانبي الأنثوي. الأمر الذي يصنع الفارق بين النوّاب هو العمل والنزاهة ونظافة ذات اليد. ما دمت مقتنعة بما أفعله وأرى أنّ نبرتي في الحديث هي الطريقة الصحيحة التي تتماشى مع حجم الممارسات وخطورتها، فإنني لن أتهاون ولن أبخل في تقديم ذلك الأداء. أنا لا أبحث عن إرضاء الآخرين بل أن أرضى عن نفسي، فأنا لست بصدد تقديم فقرة أغنية لكلّ مستمع... بل على العكس، أشعر أحيانا أنني مقصّرة عندما أثير ملفا ولا أرى تفاعلا معه ولا ضجّة حوله. هذا الأمر يجعلك تشعر بالخيبة، وتجد نفسك تتساءل إن كنت أنت على خطأ وغيرك على حق. هذه الأمور في الواقع يلزمها إصلاح في العمق ومن داخل المجتمع إذ يتوجّب علينا إعادة ترسيخ مفهوم القيم  لدى المواطنين ومعنى المال العامّ والأداءات والدولة. أحيانا، أقول لعلّهم لا يفهمون بعد كل ما سبق ولذلك يحدث الاصطدام. عندما تتحدّث عن ملفات استخلاص الديون الجبائية وكيف وقع فيها تلاعب وتفريط في آلاف المليارات التي هي أداءاتنا وفيما بلادنا مفلسة، من المفروض أن تقوم الدنيا ولا تقعد، ولكننا لا نرى أي ردّ فعل تجاهها. 

المسألة معقّدة كثيرا. حتى في وسائل الإعلام لا يتمّ التركيز على المضمون بل على كلمة قيلت. مثلا عندما أقول لوزير "لست تحكم وحدك هنا" أو "أنا لا أحترم وزيرا يكذب". فعوضا أن يركّز الإعلام على الكارثة التي قام بها الوزير، نجده يصبّ جلّ تركيزه على كلامي. فهؤلاء الإعلاميون يساهمون في تجهيل الناس وتسطيح وعيهم وكأن عديد وسائل الإعلام تعمل على أن يبقى وعي المواطنين بهذا المستوى. وقد يجد هذا الأمر تفسيره في احتكار لوبيات لها مصالح في الدولة لوسائل الإعلام. يعني الكلّ يحمي الكلّ. ومن يدفع النهاية في الثمن؟ المواطن ونحن (النواب مكافحو الفساد) لأننا نتعب. 

 

المفكرة: حسنا، ماهو أكثر ملفّ اشتغلت عليه في الفترة النيابية الحالية وكانت له نتائج؟

عبو: كلّ الملفات التي اشتغلت عليها أفنيت فيها جهدا كبيرا. لكن ملف الطاقة هو الذي آلمني كثيرا. لدينا مشكل موارد في البلاد والدولة مفرّطة في طاقتها وتتّجه في الآن ذاته إلى سياسة التقشف على حساب التعليم والصحة والمواطن وحقه في العيش الكريم. أطفال رضّع يموتون نتيجة التقشف لعدم إمكانية انتداب موظفين. مستوى التعليم بلغ الحضيض نتيجة التقشف في المصاريف. هناك عديد العقود التي تم تجديدها بطريقة غير قانونية خاصّة تلك المتعلّقة بالاستغلال، عدا عن ظاهرة تضخيم النفقات عندما تكون الدولة شريكة. هناك ملف ربحناه في علاقة بالموارد الطبيعية عندما كانت هيئة دستورية القوانين في بداية عملها وهو ملف الرخام، حيث أن القانون المتعلّق بتسويات وضعيات مقاطع الرخام جاء ليخدم مصالح لوبيات معينة فتصدّينا له وقمنا بالطّعن فيه وحكمت الهيئة لصالحنا، وعلى فكرة، تعرّضت الهيئة مذّاك الحين إلى الضغط ولم تعد "إلى مثل صنيعها".

 

المفكرة: لطالما وصفْتِ حكومة الشاهد بالمتواطئة مع الفساد أو الفاسدة، كما اعتبرْتِ حربها على الفساد فاسدة أيضا. ما الذي، برأيك، يجعل هذه الحكومة كما تصفينها؟ وفيم تختلف عمّا سبقها من حكومات؟

عبو: الحكومة الحالية ليست كسابقاتها التي كانت تكتفي بأن تغمض عينيها بعد التعرّض إلى ضغوطات. حكومة الشاهد هي في خدمة الفساد. آخر ما فعلته مثلا، إعلانها عن بعث لجنة على مستوى رئاسة الحكومة لمحاربة الفساد في كنف السرية. لم يحدث أن رأينا حكومة تعمل في الظلام! المفروض أن يكون عمل اللجنة في إطار الشفافية ويتمّ الإعلان عن تركيبتها والملفات التي تشتغل عليها. كما هناك أيضا مسألة الديوانيين الّذين عيّنوا في هذه اللجنة فيما تحوم حول بعضهم شبهات فساد، ومنهم من سبق أن ذكر في تقرير عبد الفتاح عمر رحمه الله. كما أنّه (الشاهد) أتى بمستشار قانوني تحوم حوله شبهة فساد وواجهناه بذلك ولم يتم رسميا إنكار ذلك. ليس فقط أعضاء اللجنة عندهم شبهات، ولكن ما معنى أن تأتي بديوانيين في حين أنك تملك بالأساس ملفات ضدّ الرؤوس الكبرى؟ لم لم نرهم يحاسبون ويحالون على النيابة العمومية؟ لديّ وثائق تؤكّد أن ثمة توجها لابتزاز المشتبه بهم بالفساد. ثمة مجلسان وزاريان نظّما، مثلا، خصّيصا لمروان المبروك من أجل رفع التجميد عنه، وهي فضيحة. في قانون المالية أيضا يريدون تمرير تخفيضات للتجّار الكبار وفروع الشركات الأجنبية والفضاءات الكبرى. يريدون أن يخفّضوا لهم أداءاتهم الموجبة والتي تدخل حيّز التنفيذ هذا العام.

 

المفكرة: ما هو دور الهيئات الرقابية في خضمّ كلّ هذا؟

عبو: دعيني أبدأ بهيئة مكافحة الفساد. المرسوم 120 الذي أحدثت بمقتضاه الهيئة ينصّ في نصوصه الترتيبية على إصدار أمر لإحداث لجنة تقصٍّ، ممّا كان يعني تمتيع الهيئة بصلاحيات هامة كالتقصي والتحقق والحجز والاستماع للشهود. غير أنّ الواقع يفيد أن الهيئة تقوم باجتهادات في حدود المستطاع. فهي تراسل الجهات الرسمية: فإن هي أمدّتها بالمعطيات المطلوبة، حصلت الهيئة عليها وإلاّ فإنها تبقى دون المعطيات اللازمة. فبالتالي هم تقصّدوا أن يتركوا هيئة مكافحة الفساد ضعيفة وعاجزة عن فعل أي شيء. لم يجرأ أي من رؤساء الحكومات المتعاقبة على إحداث تلك اللجنة. هذا بالنسبة للهيئة، أمّا القضاء، الذي يفترض أنه سلطة، ما هي الملفات التي أثارها وحسم فيها؟ أين الملفات الحسّاسة المتعلّقة باللوبيات التي أحالها عبد الفتاح عمر؟ القضاء أولا منهك ماديا وفقير لوجستيا ومنقوص على مستوى الخبراء والمساعدين. عدد القضاة قليل جدّا مقارنة بأعداد الملفات ممّا يجعل مردود القضاة ضعيفا بدوره. وهناك أيضا النيابة العمومية التي تخضع لوزير العدل والتي لا تقوم بدورها وتخضع لجهات سياسية. هذا كلّه جعل أنّ السلطة القضائية لا تستطيع بدورها كما ينبغي. نأمل مع دخول القانون الجديد حول محكمة المحاسبات والذي منحها صلاحيات أوسع، أن يتعزز دورها في مكافحة الفساد. لكن، يبقى السؤال: هو كيف لتقارير محكمة المحاسبات وهي بتلك الحجم والخطورة أن لا تثير ردود فعل وتفاعلا؟

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا