المفكرة: أنت معروف كنائب بحديثك دائما عن قضايا الفساد وبرفعك قضايا ضدّ مؤسسات وشخصيات بعينها، ما هي الاعتبارات والخلفيات التي دفعتك إلى تبنّي مشروع مكافحة الفساد؟ وما هي الوسائل التي بإمكانك استخدامها؟

العياري: اهتمامي بهذا الموضوع يعود إلى أنه موضوع مزعج ويمسّ التونسيين. أنا مكلّف بالسّهر على أموال التونسيين، أصوّت على الميزانية وأراقبها. وعندما تكون نائبا يكون لديك الأدوات والوسائل اللازمة.

فكنائب، لديّ نفاذ مباشر إلى السلطة التنفيذية، يمكنني أن أضغط وأحرج وأفضح. أن أجعل الثمن السياسي لمكافحة الفساد أقل من الثمن السياسي لعدم مكافحته. عندما تواجه وزيرا تحت قبة البرلمان وتسائله ويكون كلّ ذلك موثّقا، هذا يجعل أسهل على الوزير وأقلّ تكلفة سياسيا أن يحارب الفساد كي تتلملم الفضيحة من أن يغض الطّرف.

هناك على الأقلّ طريقة العمل الخاصّة بي. أراسل الوزير المعنيّ بسؤال كتابي وأتابع الردّ مرة واثنتين وأكثر. وعندما أجمع أكثر ما يمكن من المعطيات، أكون نائبا له الصفة والمصلحة وأتقدّم إلى القضاء. لديّ الآن 10 قضايا أقمتها ضدّ وزراء، أغلبها قضايا فساد. أهمها القضية التي أقمتها ضد وزارة الخارجية بعدما وجدت أنّ السفارة التونسية في ألمانيا وقّعت عقودا وهمية. 120 ألف يورو صرفت في عقد لا يحترم الشروط والوزير كان على علم بذلك وهذا كلّه موثّق. وعوض أن يحيل الوزير سفيره على القضاء، لأن المال مال التونسيين، أحاله على التقاعد، فأحلتهما أنا كلاهما على المحكمة.

 

المفكرة: أين وصلت هذه القضية؟ وماذا بشأن القضايا الأخرى التي تعمل عليها؟

العياري: في الحقيقة، الإجراءات القضائية تستلزم وقتا طويلا. لا يمكنني أن أصدر حكما قضائيا بنفسي. مهمّتي تنتهي عندما أوصل القضية إلى المحكمة. أعطيك مثالا آخر. بلغني ملفّ بخصوص رئيس مدير عامّ في شركة تابعة لبنك الإسكان، قام ببعث شركة وهو لا يزال رئيسا مديرا عاما. وأصبح يمنح العقود لشركته الخاصّة بطريقة مموّهة قليلا. حملت الوثائق وتوجّهت إلى وزير المالية، طالبا منه شرح الأمر. فأخبرني الوزير أنّ هناك بالفعل تضاربا للمصالح وأنّهم سيقومون بفسخ كلّ العقود التي وقّعوها مع الشركة. فسألته: هذا كل في الأمر؟ ما فعله الرئيس المدير العام هو جريمة. حملت الملفّ وفيه ردّ الوزير وتوجّهت إلى القضاء لأن الوزير على علم بالمخالفة بالقانون ومتستر عليها فهو بالتالي شريك فيها. مثال آخر عن شركة بترولية بلغتني بشأنها مجموعة من التجاوزات فحملت الملف إلى الوزير المعني وطلبت منه مراسلة التفقدية وموافاتي في الموضوع. بعد شهر، عدت إلى الوزير أستفسر عمّا حدث بهذا الخصوص، فأخبرني أنّ ما بلغني صحيح وأنه تمت إحالة المخالف إلى القطب القضائي المالي وعزله.

ولكن أهم ملف أشتغل عليه الآن هو ملف اتصالات تونس التي تتعاقد مع شركات خاصّة لبيع الشرائح. كلّ شريحة يكلّف تصنيعها 2،5 دينار، بينما توزّعها الشركات مجّانا. إذ أنّ هذه الأخيرة تحصل على عمولة مقابل عدد الشرائح التي "تبيعها" في حين أنها فعليا تقوم بتوزيعها مجّانا وتزوّر عقود البيع وتقدّم الشرائح للناس حتى دون بطاقات تعريف. شرائح لم تسجّل يوما ولا استخدمت يوما. بالتالي فاتصالات تونس تخسر قيمة تكلفة الشريحة وتعطي العمولة للشركات لقاء شرائح لم تستعمل يوما. خسائر بالمليارات تتكبّدها الشركة كلّ عام. من جهتي، أعلمت الوزير كتابيا وطالبته بفتح تحقيق فمدّني بأجوبة بهلوانية. توجّهت أيضا إلى الرئيس المدير العام لاتصالات تونس وكانت ردّه فعله شبيهة بالوزير. سأقوم حاليا بتوجيه سؤال شفاهي إلى الوزير. فإن لم يتفاعل سأشتكي ضده إلى القضاء هو والرئيس المدير العامّ لاتصالات تونس.

 

المفكرة: بالنسبة للقطاعات؟ أين ينتشر الفساد أكثر برأيك، في القطاع العامّ أم الخاص؟

العياري: أين وضعت يدك تجدينه، من الفساد الصغير إلى الكبير. لكن أنا كنائب لا سلطة لي إلاّ على القطاع العام أمّا الخاص فهو ليس من اختصاصي. لإحداث التغيير للأسف يجب أن تكون نائبا ومعارضا و"سليط اللسان لا يمكن للنظام أن يتجاهله لأنه يتابع ملفّاته. أنا لا أصيح ولا أقلّل من الاحترام ولكن أتابع ملفاّتي دائما.
 

المفكرة: عندما نتحدّث عن النظام، هل ترى أن النظام السياسي يساهم في انتشار الفساد أو يشجّع عليه؟

العياري: ما فعلته الثورة هو أنها عرّت ما كان يحدث. في السابق، لم نكن نعرف إلا ما نسمعه في أحاديث المقاهي، ولا تصلنا المعلومة ولم يكن هناك تقارير ولا إمكانية مساءلة وزير ولا رفع شكاية بأحد. ما حدث بعد الثورة هو أنّ "البالوعة" التي كانت مغلقة قد فتحت. أن يكون العمدة أو الرئيس أو المدير العامّ فاسدا مثلا ليس لذلك علاقة بالنظام السياسي. هذا الأخير أعطى فقط فرصة للبالوعة أن تفتح فظهر الفساد الموجود في جميع المجالات.

 

المفكرة: بالإضافة إلى الدور الرقابي للنوّاب، ماهي الإمكانيات المتاحة اليوم في المشهد السياسي في علاقة بمكافحة الفساد؟ وما هي أبرز العوائق؟

العياري: الأدوات محدودة صدقا، وضعيفة خاصة بالنسبة للنواب المعارضين. لكن من يريد أن يعمل فهناك الكثير ممّا يمكن فعله. وزراء ورؤساء مديرون عامّون أحيلوا على التحقيق. الأمر ليس سهلا ولكنه ممكن.

النواب الّذين لا يفعلون شيئا يزعجهم أن يكون هناك من يعمل فعليا. النواب المستفيدون بطريقة أو بأخرى من النظام يزعجهم إزعاجك للنظام. وهناك أيضا النواب الذين يعتبرون محاربة النظام مجرّد حجّة تسويقية يزعجهم استخدامها. في الأخير، عندما ترفع كنائب قضية ضدّ وزير هذا يعني أنك رفعت قضية ضدّ الحكومة وهذا يزعج النواب المحسوبين على الحكومة لأنه يكون لديهم وزير متّهم.

ولا أخفي عليك، أنا أستفيد من ضرب الناس لبعضها. فمثلا عندما يتوجّه إليّ أحدهم بالقول إنّ فلانا فاسد وعندي ملفّ يدينه، وأنا أدرك جيدا أن غرض المبلّغ ليس محاربة الفساد بقدر ما هو تصفية حسابات. لكن في النهاية، الشخص المبلّغ عنه يقوم هو الآخر بكشف ملفات تدين الأوّل، وهكذا أكون مستفيدا بوجود ملفّين وكشف فاسدين إثنين بدل فاسد واحد.

 

المفكرة: هناك من يقول إنّ الفساد أصبح شرّا لا بدّ منه؟

العياري: لا، ليس قدرنا الفساد. بالإمكان ممارسة السياسة في إطار النزاهة واحترام القانون. هذا برأيي كلام فارغ. هي مجرّد تبريرات يقدّمها الفاسدون لفسادهم. هم الآن لم يعودوا يحاولون دفع تهمة الفساد عن أنفسهم بل صاروا يدّعون أنّ الجميع فاسدون مثلهم.

 

المفكرة: كيف تقيّم مخرجات ما سمّي وقتها بالحرب على الفساد؟

العياري: هناك مثل فرنسي يقول "الذباب لا يصنع العسل". هو فقط استعراض ... الشاهد فهم من سبر الآراء أن الناس يهمّهم محاربة الفساد، فماذا فعل؟ وجد أنّ شفيق جراية ينفق على منافسه (منافس الشاهد) حافظ قائد السبسي فقام بوضعه في السّجن.

 

المفكرة: لكن زميلك النائب الصحبي بن فرج قال إنّ القضاء قضى بصحّة ملفّات 22 من أصحاب الأعمال من أصل 23، ممّا يعني ضلوعهم فعلا في شبهات فساد؟

العياري هذا أمر عادي. هو (الشاهد) بحث عن أصحاب الأعمال الفاسدين الّذين ينفقون على حافظ (قائد السبسي) ووضعهم في السجن ولم يحارب الفساد... هو استعمل الدولة. هو لم يحارب الفساد بل استعمله كشعار لمزيد من الفساد.
 

المفكرة: هل تعتقد أنّ محاربة الفساد ستكون ضمن الأجندة السياسية في الانتخابات القادمة بالنسبة لك وبقية الأحزاب الأخرى؟

العياري: أعتقد أنّ الحملة الفاشلة التي قام بها يوسف الشاهد أضرت بمحاربة الفساد كحجّة سياسية لأن الناس سمعوا جعجعة ولم يروا طحينا. برأيي، أننا يمكننا استخدام محاربة الفساد كأجندة سياسية. أمّا بالنسبة للساحة السياسية ككلّ فقد فقدت الكلمة بريقها ومعناها.
 

المفكرة: حسنا، لنتوقّف الآن عند تقييمك لدور الهيئات الرقابية أمام كلّ ما ذكرته...

العياري: بالنسبة لهيئة مكافحة الفساد أعتقد أنّ نتائجها هزيلة جدا. هناك عدّة نقاط استفهام على عملها. استراحات القهوة أكثر من العمل الملموس... أشخاص كثيرون اشتكوا من تسريب هويّات مبلّغين. ملفات لم يتمّ التعامل معها بجدية. ملفات أخرى طواها النسيان. ثم هناك مسألة أخرى، بقدر ما لدينا من فاسدين في تونس لم نسمع عن فاسد هاجم الهيئة... وهذا إن دلّ على شيء فعلى أن الهيئة لا تزعج أحدا أو أنها غير فعالة. لو أنها كانت تؤلم لسمعنا الأنين.

أمّا بالنسبة لدائرة المحاسبات التي أصبحت محكمة الآن، أرى أنها تقوم بعمل هائل على مستويين إثنين: أوّلا عملها، وهو الرقابة، حيث أنها لا تعرف الرحمة بمواطن الفساد. وثانيا، التواصل. فالمحكمة تقوم بمجهود كبير للتبسيط وتشرح عملها لهذا الجيل على غرار تنظيمها ل"هاكاتون" في الغرض. أرجو لو أنّ كثيرا من الميزانيات التي تذهب سدى تقدّم لمحكمة الحسابات لتواصل أداءها، فهي طبيب الديمقراطية الذي يشخص الأمراض في جسم الدولة، ويجب أن نوفّر له الإمكانيات كي يقدّم التوصيف اللازم.

أنا شخصيا وجّهت أسئلة لكل الوزراء الذين وردت أسماؤهم في تقارير محكمة المحاسبات. أنا أتمنى أن يكون لديّ حجم أكبر في المجلس المقبل. فاليوم المجلس يراقب السلطة التنفيذية بأدوات التنفيذي، يعني أنني أطلب تقرير التفقدية الفلانية فيطلب منّي الاتصال بها لطلب المعلومات. ليس للمجلس أداة رقابية حقيقية. حتى لجان التحقيق كانت أكبر مسرحية ومهزلة مكوّنة بالتمثيل النسبي. لجنة تحقيق حول عمل الحكومة يرأسها حزب الحكومة ولم تأت طبعا بأي نتيجة. فيجب أن يكون للمجلس أداة رقابية خاصّة به وذات صلاحيات واسعة تكلّف بالتحقيق في كل ملف يرد عليها.
 

المفكرة: كيف تقيّم أداء الهيئات القضائية الأخرى في علاقة بمكافحة الفساد؟

لدينا مشكلة حقيقية في هذا الصّدد هي البطء. عندما تعاين عدد القضايا التي يتعهد بها قاضي تحقيق واحد والإمكانيات الموجودة في المحكمة تدرك أن القضاء التونسي مريض. قضايا من كلّ الأصناف يفصل فيها بعد خمس وعشر سنوات، هذا مشكل حقيقي.

 

المفكرة: وما هو تقييمك لدور منظمات المجتمع المدني في كشف الفساد ومحاربته؟

العياري: مشكلتنا مع المجتمع المدني أنه لا يعمل من تلقاء نفسه بل ما يطلبه المموّل. ليس لديه استقلالية ولا هو يتمتّع بتمويلات ذاتية ومحلية. لم يطوّر نفسه. وهذا لا يجعل منه مجتمعا مدنيا بقدر ما يجعله وكيلا لدى المموّلين يشارك في عروض طلب المشاريع. هذا لا يعني أن الجمعيات لم تفعل شيئا. فثمة مشاريع قوانين عملت عليها الجمعيات كثيرا وساعدت النواب تقنيا وقامت بالضغط الإعلامي، لكنّ دورها خاصة بالنسبة لما هو مسموح في تونس كان يمكن أن يكون أفضل.
 

المفكرة: ومن هم اللاعبون الآخرون في المشهد السياسي الذين يمكنهم لعب دور هام في مجال مكافحة الفساد؟

العياري: الاتّحاد العامّ التونسي للشغل لو يبدأ أوّلا بتنظيف نفسه من "التبوريب" النقابي أي من الفساد في النقابات. فالاتحاد قوة عظمى، بمعنى أنهم يضغطون على الحكومة وأقوى حتى من الحكومة ومن القضاء ومن الجميع. لكن، للأسف ثمة إصلاحات داخلية واجبة كي يكون قادرا على أداء دوره. هل تعلمين ماذا يفعل الفاسد الذي يريد حماية نفسه؟ يعمد إلى الترشح في الانتخابات في الجامعة المحلية أو الجامعة الشغلية التابعة للاتحاد فيصبح نقابيا، وهكذا، إن فكّرت أن تمسّه ستتّهم بهرسلة العمل النقابي.

 

المفكرة: حسنا، بالنسبة للمستقبل، كيف ترى أفق خطاب مكافحة الفساد؟

العياري: في الحقيقة، هو مرتبط بموازين القوى السياسية. يعني عندما يصل إلى البرلمان أشخاص أكلوا من مائدة مروان المبروك لا أعتقد أنّهم سيحاربون الفساد. قد يحاربون الأشخاص الّذين يمثّلون خطرا بالنسبة لهم لكن ليس في المطلق. لو يتغيّر المشهد السياسي ويصبح هناك توازن معين ربّما يصبح هناك تحسن بعض الشيء في خطاب مكافحة الفساد وعلى مستوى محاربته ميدانيا.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا