المفكرة: نظّمت اليوم ندوة صحفية قدّمت فيها معطيات ووثائق حول عدم استخلاص ديون الاتحاد العامّ التونسي للشغل المتراكمة تجاه صندوق الضمان الاجتماعي، واصفا الحكومة بالتواطؤ، فما الّذي تقصده بالتواطؤ؟ وهل لذلك خلفية تاريخية أم أنّ هذا يهمّ الحكومة الحالية فقط؟

الدايمي: الموضوع بالتأكيد له خلفية تاريخيةـ، باعتبار أنّ عدم استخلاص ديون الاتّحاد لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كان ضمن سلسلة من المعاملات بين الاتحاد ونظام ما قبل الثورة وكان جزءا ربّما مما يسمّى بشراء السّلم الاجتماعي. ذلك أنّ عددا من الامتيازات تمنح للاتحاد على غرار تقديم منح متنوّعة والسّكوت عن عدم استخلاص الديون والمستحقات لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هناك وثيقة رسمية لوزير الشؤون الاجتماعي محمد الفاضل خليل في سبتمبر 1992 وهي مذكّرة تنصّ على عدم تطبيق بطاقات الإلزام وتجميد إجراءات الاستخلاص للاتحاد تجاه الصناديق.

عدد من الوزراء المتعاقبين ظلّوا يعتمدون تلك المذكّرة رغم افتقارها إلى أي صفة قانونية فهي ليست أمرا ولم تنشر في الرائد الرسمي، بل هي مجرد مراسلة داخلية. ولكن عدد من وزراء الشؤون الاجتماعية كان يطلب منهم سياسيا أن لا يضغطوا على الاتحاد، فكانوا يقومون بوقف إجراءات الاستخلاص اعتمادا على تلك المراسلة ويعتبرونها مرجعا قانونيا والحال أنها ليست كلذلك. وبالتالي فهم يتحملون مسؤولية تعطيل إجراءات الاستخلاص.

والمشكل أنه بعد الثورة حصلت عدة جلسات للتفاوض بين الاتحاد والحكومة وتم فيها الاتفاق على أن يسدّد الاتحاد ديونه وينطلق في خلاص مساهمات المؤجر والأجير. حيث أنّ المنظمة الشغّيلة قبل الثورة لم تكن تقوم بسداد مساهمات الأجير والمؤجّر، يعني أنّ تكاليف الضمان الاجتماعي لم تكن تدفع.

 

المفكرة: ألا يتعارض ذلك مع كون الاتحاد منظمة تدافع عن الشغّيلة؟

الدايمي: هذا هو المشكل. يعني أنّ الناس الّذين كانوا موظّفين لدى الاتحاد ويتم الاقتطاع من رواتبهم الشهرية ولا تدفع إلى صندوق التقاعد، سيجدون مشكلا اليوم في جرايات تقاعدهم.

وهذا يمثّل إشكالا كبيرا في كيفية التعامل مع الموظفين من قبل منظمة نقابية، كما يبيّن إلى حدّ ما أنّ جزءا من القيادة النقابية لم تفهم أن من واجبها أولا تطبيق كل المبادئ التي تنادي بها في شعاراتها، وثانيا أنّ هناك مناخات جديدة في البلاد كالحوكمة المفتوحة والشفافية وغيرها من المفروض الانسجام معها، وثالثا أن لا تغفل عن استحقاقات الثورة التي من بينها مكافحة الفساد وضرب الامتيازات الفاجرة كما أسمّيها. وبالتالي، هناك حاجة للإصلاح داخل الاتحاد أعتقد جازما أنها ستكون إصلاحا داخليا غير مفروض من الخارج، لكن ما نقوم به اليوم هو محاولة فرض شفافية على منظمة الاتحاد لأنها لا تريد الشفافية مطلقا وهناك تابوه كبير في البلاد أردت كسره نفسيا.

 

المفكرة: كسر التابوه هذا وصفه البعض بالتوظيف السياسي والرغبة في المس من "قدسية" الاتحاد كونه "أكبر قوة في البلاد" وباعتباره في فترة ما حمى البلاد من الانزلاق نحو الفوضى ونال بفضل ذلك جائزة نوبل للسّلام؟

الدايمي: ليس لدي أيّ استهداف سياسي للاتحاد ولا مصلحة سياسية أو انتخابية أو شخصية لي في ضرب الاتحاد وخاصة ونحن في المعارضة. وأعتبر أن الاتحاد قلعة للدفاع عن سيادة البلاد وعن اقتصاد التضامن الاجتماعي وضدّ سياسات الليبرالية المتوحشة فهم بالتالي شركاء موضوعيون. ولكن بالنسبة لي هناك قدسية زائفة ووهمية، القدسية التي تجعل أن هناك استثناءات في محاربة الفساد وترسّخ في أذهان الناس استثناءات في مبدأ النفاذ إلي المعلومة والشفافية والحوكمة يجب أن تكسر.  مادام هناك استثناءات فالإصلاح لن يتمّ. أنا وصلت للاتحاد عبر ملفات الفساد التي فتحتها طيلة 5 سنوات. الغالبية العظمى، إن لم اقل كل الملفات، وجدت وراءها نقابيين متورطين بأشكال مختلفة ومتفاوتة من التورط، وبالتالي من الواضح أن هناك أعدادا متزايدة من كوادر نقابية متورطة في الفساد. لا ريب أنّ الغالبية العظمى من النقابيين هم شرفاء ونظيفو ذات اليد ولكن غياب الشفافية والإجراءات الرادعة والإرادة الجدية داخل المكتب التنفيذي للاتحاد للتصدي لهذه الظواهر هو الذي جعل هذه الظواهر تزيد تفشّيا وتضرب صورة الاتحاد. من يتصوّر أن حماية صورة الاتحاد تكون عبر عدم الشفافية هو واهم بل يجب أن يكون ذلك عبر دفعه إلى مزيد الشفافية وإلى مواجهة الشغّيلة والمواطنين التونسيين بالأرقام والحقائق. أنا اليوم تحدّيت الاتّحاد بأن يكون في قمة الشفافية أمام التونسيين وتوجّهت إليه بمطلب نفاذ إلى المعلومة ينتهي أجله يوم 22 جويلية، فهو بالتالي تاريخ فاصل، كي يقدّموا بحلوله تقارير مراجعة الحسابات والتقارير المالية ولائحة اسمية في كل المتفرغين نقابيا بشكل غير قانوني لأن ليس هناك إطار قانوني للتفرغ النقابي. إذا ذهب الاتّحاد في هذا الاتّجاه، فأعتقد أنه سينقذ صورته ويزيد تكريس مكانته داخل المجتمع وإن هو ذهب عكس ذلك وحافظ على لغة التهديد و"التبوريب النقابي" كما أسمّيه فإنه سيضرّ بنفسه وخاصة بالنخبة القيادية الحالية وسيحصل تغيير بنخبة جديدة منسجمة أكثر مع الواقع.

المفكرة: وماذا عن الأمانة العامة للاتحاد؟ كيف تفاعلت مع الملفّ؟

الدايمي: قيادة الاتحاد حتى وإن كانت مقتنعة بالتغيير فهي للأسف تقوم بمسايرة عدد قليل من القيادات الوسطى المتورطة، وهي تخشى على بعض ما لها من مكاسب، وتصعّد في الخطاب لإرضاء من أسمّيهم بأندية الاتحاد. ولكن لو تفكّر القيادة في مصلحة الاتحاد مستقبلا فإنها ستعتمد الشفافية المطلقة والحوكمة المفتوحة وستكشف كل المعطيات حول الوضعية المالية لمنخرطيها وللتونسيين ككلّ.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا