في بداية شهر أيلول، قدمت السيدة أ. س. وهي عاملة منزلية من الجنسية الفيليبينية دعوى افتراء مضادة أمام القاضي المنفرد الجزائي في بيروت، ضد صاحبة عملها السابقة. الدعوى ارتكزت على شكوى السرقة التي كانت صاحبة العمل قدمتها ضدها والتي انتهت إلى إعلان براءة العاملة لعدم كفاية الدليل.

وقد بينت العاملة في دعواها بأنها قد تولت لأكثر من 3 سنوات تربية طفليْ صاحبة العمل وأنها غادرت لبنان إلى بلادها بموافقة هذه الأخيرة (التي أوصلتها إلى المطار) وفي إطار إجازة غير مدفوعة، على أن تعود إليه بعد انتهائها. اللافت أن العاملة أدلت أمام القاضي في إطار الدعوى المقامة ضدها أن الدافع الأساسي لاتهامها بالسرقة، ليس الرغبة باسترداد أي مال (مدعى زورا بسرقته) بل منع العاملة من العودة إلى لبنان، واستدلّت على هذا الادعاء من سعي صاحبة العمل إلى استصدار قرار من الأمن العام بمنعها من دخول لبنان. كما أدلت بأن الدافع إلى اتهامها لا يتصل بها أو بأي شيء فعلته أو لم تفعله، إنما بالخطة التي اعتمدتها صاحبة العمل لتحسين شروط انفصالها عن زوجها. ففيما حصل هذا الأخير على بقاء طفليهما بمعيته، فإن صاحبة العمل رمت إلى إبعاد العاملة (هي التي ربتهما واعتادا عليها) بهدف جعل مكوث الطفلين لديه أمرا صعبا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مخطّط الزوجة الإفترائي أنتج مفاعيله لفترة قاربت ثمانية أشهر حرمت العاملة من خلالها من العودة إلى لبنان، وإن نجحت العاملة بعدئذ بوضع حدّ له. فبعدما قرّر الأمن العام بناء على شكوى صاحبة العمل منع العاملة من الدخول، أصدرت النيابة العامة مذكرة بحث وتحرّ ضدها لتعود وتدعي عليها بجرمي السرقة ومخالفة شروط الإقامة أمام قاضي التحقيق الذي انتهى إلى إصدار مذكرة توقيف غيابية بحقها. وما كان للعاملة أن توقف غيّ الزوجة ضدها، لو لم يكلف الزوج لها محاميا لتصحيح الوضع الذي اختلقته زوجته.

وعليه، وإذ تشكل دعوى الافتراء هذه الرد الأول من نوعه على كمّ كبير من دعاوى السرقة الافترائية التي بقيت لعقود خارج أي ملاحقة، فإن اتهام العاملة بالسرقة وكيفية تعامل القضاء معه يشكل في الوقت نفسه دليلا بليغا إضافيا على عيوب المنظومة اللبنانية (وتحديدا النيابة العامة وقضاء التحقيق) والتي سمحت بتطوّر هذه الممارسة والتي ما تزال مستمرّة بوتيرة شبه يومية، مع ما ينتج عنها من مظالم لجهة تجريد العاملات من حقوقهن أو توقيفهن وترحيلهن من دون أن يتسنى لهن اللجوء إلى القضاء.

وقبل المضي في عرض أبرز ملاحظاتنا على هذه القضية، تجدر الإشارة إلى الدور الاجتماعي المتصاعد للعاملات في تربية الأطفال والذي يظهر مرة أخرى من هذه الدعوى، بحيث بات وجودها أو عدم وجودها عنصرا هاما في تربية الأطفال وتاليا في توزيع الأدوار بين الأزواج.

 

دعوى تعرّي إنحياز الأمن العام والقضاء ضد العاملات

ليس سرا أن ثمة انحيازا اجتماعيا وقانونيا ضد العاملات، تعبر عنه مجمل الممارسات والأنظمة التي يخضعن لها، بدءا من استثنائهن من حماية قانون العمل وصولا إلى نظام الكفالة وما يتيحه من مظالم وإفلات من العقاب. وهذا ما كنا أسهبنا في تبيانه. ما تضيفه هذه القضية بشكل خاص هو انحياز الإدارة العامة (الأمن العام) والقضاء ضدهن، بما يضعف حماية العاملات القانونية أيضا وأيضا بل يعرضهن لمزيد من المظالم.

هذا الانحياز يظهر بوضوح في ثلاثة مواقع:

الموقع الأول تمثل في استحصال صاحبة العمل على قرار من الأمن العام بمنع دخولها. وليس واضحا من أوراق القضية الأسناد التي ارتكز عليها الأمن العام لاتخاذ قرار مماثل، ولا سيما أنه يفهم منها أن شكوى السرقة قدمتها صاحبة العمل للنيابة العامة في وقت لاحق من حصولها على قرار منع دخول، وذلك لإجهاض محاولات زوجها لدى الأمن العام لحمله على الرجوع عنه. وهذا ما نتبينه من رسالة نصية أرسلتها صاحبة العمل لوكيلها وكشفت عنها في سياق دعوى طلاقها حيث صرحت بوضوح أن زوجها "يريد إدخال (العاملة) بأي ثمن كان إلى بيروت في غضون أربع وعشرين ساعة سوف يستعين بكل واسطاته لدى الأمن العام على الرغم من منع الدخول الذي حصلت عليه الخميس في 29 تشرين الأول علما أنها كانت على اسمي... قبل أن أقرر عدم إعادتها هو مستعد لكل شيء من أجل إعادتها للعب بأعصابي فيما بعد مع الأولاد". وعليه، يظهر جليا أنها نجحت في استصدار قرار منع دخول من الأمن العام بموجب طلب منها لديه بصفتها كفيلة من دون إبراز أي حكم أو قرار قضائي. وهذا الأمر يكشف أن صاحب العمل الذي استقدم العاملة "على اسمه" (الكفيل) يتحكم بموجب تطبيق الأمن العام لنظام الكفالة ليس فقط بقانونية إقامتها في لبنان، إنما أيضا بقانونية عودتها إليه. فكما أنه قادر على ترحيلها، يصبح قادرا على منعها من العودة، وكل ذلك بموجب ممارسات يجترحها الأمن العام (أو الأصح يرتجلها) بغياب أي نص قانوني، وبما يتعارض مع جميع المبادئ القانونية. فعدا عن أن هذه المبادئ لا تعطي أي شخص امتيازات من هذا النوع على شخص آخر، حتى ولو كان أجنبيا، فإنها لا تسمح لأي إدارة عامة (الأمن العام) استصدار عقوبات إدارية من هذا النوع (منع دخول لبنان) من دون الاستناد إلى أي حكم قضائي أو نص قانوني بهذا الشأن بل من دون تمكين الشخص المعني من الدفاع عن نفسه. وخير دليل على سوء هذه الممارسات هو أنها تنبني بشكل عام على مطالب الكفيل بغياب أي معايير، وفق ما يكشفه استنجاد الزوجة بمحاميها (الذي هو بالمناسبة وزير حاليا كما كان وزيرا عند تقديم الشكوى) في مسعى منها للتغلب على وساطة زوجها وعلاقاته لدى الأمن العام.

الموقع الثاني، هو مباشرة النيابة العامة الملاحقة في القضية على أساس الشكوى المقدمة إليها والتي بقيت خالية من أي إثبات على فعل السرقة أو حتى مخالفة شروط الإقامة، ما عدا أقوال المدعية نفسها. لا بل نفهم أن النيابة العامة في بيروت أصدرت مذكرة بحث وتحر على نحو يضمن توقيف العاملة في حال عودتها إلى لبنان. وبفعل عدم امكانية إطالة أمد مذكرة بحث وتحرّ، عادت النيابة العامة وادعت على العاملة أمام قاضي التحقيق بجنحة السرقة فضلا عن أحكام تتصل بالفرار ومخالفة شروط الإقامة (وكلها مواد لا سبيل لتطبيقها في القضية الحاضرة). ويكشف هذا الادعاء (ومعه عشرات الادعاءات العامة الأخرى التي تم توثيقها من قبل المفكرة) عن خفة متناهية للنيابة العامة في مقاربة قضايا من هذا النوع، وهي خفة تصل إلى درجة التماهي مع مطالب أصحاب العمل بمعزل عن مضامين القانون.

الموقع الثالث، هو موقف قاضي التحقيق الذي بدوره ذهب إلى حدّ إصدار مذكرة توقيف غيابية والظن بالعاملة بالجنح التي ادّعت بها النيابة العامة، من دون أن يشفع قراره بأي دليل. وفيما بدا حكم البراءة الصادر فيما بعد وكأنه يبرّر موقفي النيابة العامة وقاضي التحقيق بأن قراراتهما يحتمل صدورها بناء على مجرد "الشبهات" وذلك بخلاف قاضي الحكم الذي يجب أن يكون حكمه مبنيا على اليقين التام المؤسس على أدلة قاطعة لا تدع مجالا للشك، فإن النظر في أدلة الملف إنما يقوّض حتى امكانية القول بوجود شبهة (أقله جدية) حيث يخلو من أي دليل سوى كلمة صاحبة العمل. وبشكل عام، تكشف مراقبة أعمال النيابة العامة وقضاء التحقيق تمييزا واضحا بين المتقاضين على أساس وضعهم الاجتماعي خاصة، حيث أن وزن الإثباتات التي يشترط قضاة النيابة العامة أو التحقيق توفرها للادعاء أو الظن، يزيد أو يضعف بقدر ما يتعزز أو يتراجع الوضع الاجتماعي للمتقاضين. وعليه، وفيما تشكل كلمة صاحبة العمل شبهة كافية للادعاء والظن في قضايا سرقة العاملات، فإن الأدلة المطلوبة للادعاء على مصرفي أو صاحب نفوذ لا تكون مقبولة إلا إذا بلغت درجة عالية من القوة تقارب ربما اليقين.

فضلا عن ذلك، ومع التنويه بحكم البراءة الذي أصدره قاضي الحكم، فإنه يسجل أيضا أنه لم يقم بأي إجراء لإعلام النيابة العامة باحتمال حصول جرم (جرم الافتراء واختلاق أدلة) في أثناء النظر في دعوى، وفق ما يفرضه عليه القانون كلما تبين وجود أدلة على احتمال ارتكاب جرم لم يشمله ادعاء النيابة العامة. لا بل بدا قاضي الحكم وكأنه يبرئ ذمة النيابة العامة وقضاء التحقيق من خلال توضيح أنهما قضاة شبهة، وبتبرير إعلان البراءة ليس بغياب أي دليل أو بثبوت عدم صحة الادعاء وكذبه، بل بعدم كفايته.

وهذا ما عبرت عنه المحامية وكيلة العاملة في مستهل دعواها المضادة حيث جاء: "إن هذه الحالة هي واحدة من آلاف الحالات الموجودة في لبنان والتي توثق أمام المراجع القضائية الظلم اللاحق بالعاملة الأجنبية التي تضطر لمغادرة بلدها وأهلها واحتمال قساوة الغربة لتحظى ولسوء حظها بربة عمل ظالمة، لا ضمير لها، لا تأبه لمشاعر وكرامة العاملة فتظنّ أنّ من حقها سلبها كرامتها واتهامها زورا".

 

دعوى الافتراء، فرصة لمحاكمة ندّية

فيما أن القضية تعطينا فكرة واضحة عن أعراف الاتهام بالسرقة وعوامل استمرارها، فإنها تتميز عن سائر الدعاوى الأخرى بفعل الدعوى المضادة التي قدمتها العاملة وذلك من جانبين إثنين يتساويان من حيث الأهمية.

  • الجانب الأول يتمثل في أنها الدعوى المضادة الأولى من نوعها. وهذا ما عبرت عنه وكيلة العاملة أبضا في مستهلها. فبعدما ذكرت أن هذه الحالة واحدة من آلاف الحالات، أدلت ب "أن المدعية (العاملة) أبت أن تتحمل وترضخ لظلم المدعى عليها (صاحبة العمل)، وأبت أن تبقى في بلدها بعدما تم منع دخولها إلى لبنان بسبب اتهام المدعى عليها بالسرقة، فمارست حقها بالدفاع عن نفسها وتابعت قضيتها ندّا للند لتثبت براءتها وتستعيد حقها وترفع عنها الظلم لأنها تعلم أنها ككثير من مثيلاتها تتعرض لعنجهية وظلم ربة عمل تحاول تحقيق مآربها الشخصيّة ضاربة عرض الحائط أبسط قواعد الإنسانية..". واستثنائية الدعوى إنما تتأتى من مجموعة من عوامل ذكرنا بعضها أعلاه وأبرزها تقاعس القضاة والنيابات العامة عن اتخاذ الاجراءات اللازمة عند بروز أدلة على حصول جرم افتراء. وما يفاقم من ذلك هو أنه في غالب حالات السرقة، يتم توقيف العاملات واستجوابهن وربما ترحيلهن قبل انتهاء مدة الدعوى وقلما تتوفر لهن المساعدة القانونية لممارسة الدفاع غن أنفسهن ضد أصحاب العمل. فخلال رصدنا لأعمال المحاكم في هذا الصدد، سجلنا حالات محدودة جدا (تغريم صاحبة عمل على التعسف في استخدام الادعاء بالسرقة تبعا لتبرئة العاملة، تجريم كفيلة وهمية على خلفية ادعاءئها زورا بالفرار بعدما اعتبرت متدخلة مع العاملة في مخالفة شروط الإقامة)، من دون أن يؤدي أي منها لتعويض العاملة عن الضرر الجسيم الذي قد تكون تكبدته من جراء ذلك.
  • الجانب الثاني يتمثل في الامكانية المتاحة للعاملة من المثول أمام القاضي مباشرة وبصورة ندية من صاحبة العمل لإثبات دعواها والضرر الذي تكبدته، والأهم لتوثيق روايتها الشخصية عن العلاقة بينها وبين صاحبة العمل، في سجلات المحكمة. وهذا الجانب لا يقل أهمية عما سبق، حيث يثبت رصد العمل القضائي أن العدد الأكبر من الأحكام الجزائية الصادرة ضد العمال تصدر غيابيا، أي من دون أن يتمكن القاضي من استجواب العاملة أو حتى رؤيتها، إما بسبب ترحيلها قبل إحالة ملف الدعوى إليه أو تواريها عن الأنظار والعمل في السوق السوداء خوفا من الترحيل. الاتجاه نفسه نجده في دعاوى العمل حيث تكون صفة العاملة مدعية، علما أنه في جميع الحالات التي تم رصدها، نجد أن محامين (من كاريتاس عموما) قدموا الدعاوى أمام هذه المجالس بناء على طلب عاملات بعدما كان الأمن العام انتهى إلى ترحيلهن قبل أن يتسنى لهن قبض رواتبهن المتأخرة. بالمقابل، فإن الدعاوى الوحيدة التي يتسنى فيها للعاملة المثول أمام القاضي، هي القضايا التي تم اتهامها بها بالسرقة، حيث تحضر في موقف دفاعي مسربلة بوصمة السرقة وقلما تسمح لها المحاكمة بالخروج من وضعية النفي أو الإنكار أو الاعتراف من دون امكانية تقديم أي سبب تبريري أو تخفيفي. ومن هنا، نتبين استثنائية هذه الدعوى حيث أن العاملة تقيم الآن في لبنان ولها أوراق قانونية بفعل عملها لدى الزوج، وبإمكانها أن تمثل أمام القاضي بعدما أثبتت براءتها من أي اتهام، لتخصص مرافعتها لإثبات خطورة الاعتداء المرتكب ضدها أو الضرر الذي تكبدته من جرائه. وفيما تضمن استحضار الدعوى عبارات هامة من قبيل التأكيد على هذا الضرر الذي تمثل في حرمانها من العودة إلى عملها وكسب عيشها لفترة ثمانية أشهر وما استتبع ذلك من أضرار على أفراد عائلتها الذين يعتاشون منها (هي التي تعيل والدين مريضين وتدفع الأقساط الجامعية لأخيها الذي حرم من دراسته)، فإنه يؤمل بشكل خاص أن يتعامل القاضي مع هذه الدعوى على نحو يتناسب مع استثنائيتها واستثنائية الفرصة المتاحة أمام العاملة لتقديم دفاعها وروايتها نيابة عن آلاف العاملات اللواتي اتهمن بالسرقة من دون أن يتاح لهن الدفاع عن أنفسهن بشكل ندي، بحيث تعطى من خلال الاستجواب أو المرافعة الوقت الكافي لهذه الغاية. فبفعل هذه الاستثنائية، وبخاصة حسن تعامل القضاء معها، من شأن هذه الدعوى المضادة أن تؤدي ليس فقط إلى ردع أصحاب العمل عن هذه الممارسة، بل بما لا يقل أهمية، إلى وضع القضاة أمام مراياهم لإعادة النظر بالطرق المعتمدة منهم في هذه القضايا، فتشكل منعطفا نحو مستقبل أقل ظلامة وظلما. فلنتابع.