بتاريخ 26 أيلول 2019، أصدر رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تعميما (رقم 31) طلب فيه من جميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات حصر مراسلة قضاة النيابات العامة على اختلافها، من خلال النائب العام التمييزي. وقبل أيام من صدور هذا التعميم، وتحديدا بتاريخ 23 أيلول 2019 كان النائب العام التمييزي المعين حديثا غسان عويدات وجّه مراسلة للمدعين العامين كافة، طلب فيها منهم إعلامه مسبقا عن كل إجراء قضائي يتناول الهيئات العامة والإحالة بواسطته كل طلب للحصول على إذن بالملاحقة من أجل إعمال المادة 13 أ.م.ج (تمكينه من إعطاء تعليماته) مع وجوب رفع تقرير إليه بنتيجة رفض إعطاء إذن بالملاحقة. واللافت أن عويدات كما الحريري لاحقا برر التعميم بسلطة النائب العام التمييزي بتوجيه تعليمات للنيابات العامة وتصويب المسار القضائي (بعد التراخي والتداخل والتضارب في الصلاحيات) وأيضا تحسين التخاطب الإداري القضائي.

وبفعل هذين التعميمين المتناسقين في التوقيت والأسلوب والتعليل، اكتملت الحلقة: النائب العام التمييزي يأمر النيابات العامة بالتقيد بتوجيه مراسلاتها إلى الهيئات العامة من خلاله وتبعا لتوجيهاته، ليعود الحريري ليأمر الهيئات العامة بحصر مراسلاتها مع النيابات العامة بالنائب العام التمييزي. ومؤدّى هذين التعميمين، في حال إذعان النيابات العامة لهما، إيلاء النائب العام التمييزي صلاحية حصرية في مباشرة الملاحقة أو وقفها بكلّ ما يتصل بالمخالفات الجزائية المرتكبة من الإدارات العامة أو أيّ من العاملين فيها. هذا مع العلم أن عويدات ضمّن كتابه بنودا أخرى ذهبت في الاتجاه نفسه، أي في اتجاه إحكام هذه الهرمية والمركزية، ومن أبرزها وجوب مراجعته "في كل قضية ذات شأن عام يفرض البت فيها العمل بتوجيهات النائب العام التمييزي"، وأيضا وجوب مراجعته بكل قضية تثار في الرأي العام (صحافة أو غيره) ويشار فيها إلى سوء ممارسة الأجهزة الأمنية أو القضاء لإعطاء التوجيهات اللازمة.

وإذ يأتي هذان التعميمان بعد أقل من 15 يوما من التعيينات القضائية الجديدة والتي شملت تعيين عويدات في منصبه الجديد، فهما أتيا بمثابة إعلان بأن الأمر لعويدات وأن السياسة التي يعتزم اعتمادها في ممارسة صلاحياته وتفسيرها تقوم على إحكام سيطرة شاملة على النيابات العامة، ليس فقط في القضايا التي تخصّ الهيئات العامة، بل في كل القضايا التي تتصل بالشأن العام. وهي سياسة تعيد إلى الأذهان السياسة الهرمية التي كان اعتمدها النائب العام التمييزي السابق عدنان عضوم في الممارسة كما من خلال تعديل النصوص القانونية، وعاد خلفه سعيد ميرزا وعتمدها ولو بدرجة أقل بفعل تغير الظروف السياسية. وبالطبع لا يمكن فصل هذه الرغبة بتقوية هذا الجهاز عن المواجهة الحاصلة بين مختلف القوى السياسية لتعزيز أوزانها ومواقعها داخل القضاء، بحيث تصبح تقوية جهاز النائب العام التمييزي مرادفا لتقوية صاحب المرجعية في تعيينه، والذي هو في هذه الحالة، عملا بالمحاصصة المؤسفة في التعيينات بين زعماء الطوائف، رئيس الوزراء سعد الحريري.

انطلاقا من ذلك، يجدر تسجيل الملاحظات النقدية الآتية:

 

أولا، تعزيز الهرمية بما يقوّض استقلالية النيابات العامة

رغم أن العديد من الأنظمة المقارنة منحت مسؤولين في النيابات العامة سلطة هرمية بدرجة معينة، فإن النظام اللبناني ذهب في أثناء تولي عضوم زمام النيابة العامة التمييزية وبسعي حثيث منه، إلى فرض هرمية واسعة جدا أدت عمليا إلى تهديد استقلالية سائر المدعين العامين في الدفاع عن الحق العام، وذلك في إطار قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد (2001). واللافت عند مراجعة مضمون التعميمين، أنهما لم يهدفا لإعادة إحياء التصوّر الهرمي المعتمد من عضوم بكامل أبعاده وحسب، إنما ذهبا في اتجاه تقوية هذه الهرمية إلى درجة تكاد تطيح تماما بما تبقى من استقلالية النيابات العامة في كل ما يتصل بقضايا الفساد أو قضايا الشأن العام.

وقبل المضي في توضيح معالم تعزيز الهرمية، يجدر التذكير أن عضوم كان نجح في فرض تصوره المذكور في إطار كباش سياسي مع العديد من أعضاء السلطة التشريعية، وفق ما وثقته "المفكرة" في عدد من المراجعات. وفيما كان النواب المقربون آنذاك من الرئيس الراحل رفيق الحريري يعارضون توسيع صلاحيات النيابة العامة التمييزية على خلفية التعارض السياسي بينهم وبين عضوم، فإن تولّي فريق خلفه سعد الحريري مرجعية هذا المنصب بفعل لعبة المحاصصة أدى عمليا إلى تبديل الاتجاه بشكل كامل، ليصبح العمل على تعزيز الهرمية والمركزية وليس التخفيف منها.

ومن أهم الشواهد على هذا التوجه، الآتية:

  • أن تعميم الحريري استند بشكل خاص على سلطة النائب العام التمييزي في إعطاء تعليمات لجميع أعضاء النيابات العامة (المادة 13)، ليطالب الهيئات العامة بحصر مراسلاتها معه، وذلك قياسا على التنظيم الإداري حيث تتم المراسلات حصرا بشأن مرفق عام مع الجهة التي لها الكلمة العليا في إدارته. وبالعودة إلى هذه المادة، نلحظ أنها منحت بحد ذاتها النائب العام التمييزي صلاحية جدّ واسعة بتوجيه تعليماته من دون شروط أو ضوابط:
    • فبإمكانه توجيه تعليماته كتابة أو شفاهة وذلك بخلاف قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم (قبل 2001) الذي كان يفرض توجيهها كتابة حصرا،
    • وبإمكانه أن يوجهها كتعليمات عامة مثل التعاميم في تفسير النصوص القانونية أو خاصة متصلة بملفات معينة مما يسمح له بفرض إرادته في ملف معين ولو خلافا لتوجّه المدعي العام المشرف على التحقيق فيه،
    • وبإمكانه أن يوجهها لوقف الملاحقة أو لتحريكها (بفعل عبارة التسيير المبهمة الواردة في النص)، وذلك بخلاف قانون تنظيم القضاء العدلي الذي كان يمنح وزير العدل امكانية إعطاء تعليمات فقط لإجراء التعقبات دون وقفها. ومن شأن هذا الأمر أن يوسع من امكانية تحصين أصحاب النفوذ وإفلاتهم من العقاب،
    • فضلا عن أن النواب العامين التمييزيين استغلوا الطابع المطلق لهذه المادة لتوجيه تعليمات غير قانونية (ومنها التعميم موضوع هذا المقال)، مما يتعارض مع المبادئ العامة وبخاصة مبدأ تفسير القوانين على نحو يجعلها منسجمة مع مجمل النظام العام.

وقد جاء التعميم الصادر عن عويدات ليعزز هذه السلطة الموسّعة أصلا بحيث حوّلها من سلطة توجيهية أو تصحيحية يمارسها بشكل لاحق، إلى سلطة رقابة مسبقة على المدعين العامين بحيث يمنع عليهم اتخاذ أي إجراء في القضايا المشمولة بالتعميم من دون إعلامه والعمل بتوجيهاته مسبقا بل من دون المرور به بما يضمن له حسن الاستجابة لهذه التوجيهات. ومؤدّى هذا الأمر هو جعل النائب العام التمييزي سيدا مطلقا للتحقيق في الجرائم وتحريك الدعاوى العامة أو صرف النظر عنها، طالما أن بوسعه أن يوقف أي إجراء يمر من خلاله وتبعا لذلك إخضاع ممارسة سائر المدعين العامين لمسؤوليتهم، بالحصول على ترخيصه وتوجيهاته المسبقة. ولا يرد على ذلك بأن من شأن إعلام النائب العام التمييزي ببعض القضايا أن يضمن حسن التعامل معها ويدخل ضمن سلطته التوجيهية، طالما أن الإشكال ليس في واجب المدعين العامين بإعلامه، إنما بواجبهم بالامتناع عن اتخاذ أي تدبير بانتظار توجيهاته المسبقة التي قد تتأخر أو لا تأتي.

 

  • أن تعميم عويدات ذهب أبعد من تعميم الحريري، بحيث فرض رقابته المسبقة ليس فقط على القضايا المتصلة بالهيئات العامة بل على مجمل قضايا الشأن العام. وما فاقم من هذا الأمر هو أن التعميم خلا من أي تعريف لهذه القضايا والتي يُحتمل أن تشمل جميع القضايا الحيوية ذات الأبعاد العامة، وأن تشمل بشكل خاص مجمل قضايا صرف النفوذ أو قضايا التعرض للبيئة أو الملك العام أو الأموال العامة أو التهميش أو الاعتداء على حرية التعبير أو الحريات النقابية أو الرشوة الانتخابية وبشكل أعم الفساد الانتخابي...الخ. ولا نبالغ إذا قلنا أن من شأن هذا المفهوم أن يضمن لعويدات أن يكون له الكلمة الأولى والأخيرة في أي قضية تكون ذات شأن أو تعني أيا من أصحاب النفوذ وأن تكون له اليد الطولى لملاحقة هؤلاء أو ضمان إفلاتهم من العقاب. وإذ استند عويدات هنا أيضا إلى نجاح سلفه عضوم في إعطاء النيابة العامة التمييزية صلاحية شاملة غير حصرية في التحقيق في القضايا الجزائية (أي صلاحية جوازية كلما رغبت بذلك)، فقد جاء ليعلن بشكل مسبق وعام إرادته في تحويل هذه الصلاحية إلى ما يشبه الصلاحية الوجوبية، من خلال إحكام رقابته المسبقة على النيابات العامة في كل القضايا المشمولة بالتعميم (قضايا الشأن العام) وإلزام النيابات العامة بانتظار تعليماته. ويلحظ هنا أيضا أن نجاح عضوم في تكريس الصلاحية الشاملة للنيابة التمييزية حصل هنا أيضا في 2001 تبعا لكباش آخر ضد المعترضين على طرق عمله، ترددت أصداؤه بشكل صاخب في أواخر التسعينيات واتصل بالتحقيقات التي تعمد إجراءها مباشرة خلافا للتفسير الأكثر رجحانا لأصول المحاكمات الجزائية والذي كان يفرض إجراء التحقيقات من خلال النيابات العامة الاستئنافية والمتخصصة، وفق ما ذكرت به هيئة التفتيش القضائي مرارا. كما يلحظ أن هذه الصلاحية الشاملة في التحقيق غالبا ما حولت النيابة العامة التمييزية إلى نيابة عامة امتيازية تمنح امتياز التحقيق السريع لكل من هو صاحب نفوذ، حتى في القضايا قليلة الشأن كقضايا القدح والذم بأحدهم.
  • أن تعميم عويدات تضمن أيضا طلبا لجميع النيابات العامة بمراجعته بأي قضية تثار حول سوء عمل الأجهزة الأمنية أو القضاء (في الصحافة أو غيره)، والعمل بتوجيهاته وفق ما سبق بيانه، ليكرس هنا أيضا ما يشبه الرقابة المسبقة في جميع هذه القضايا. وتحمل هذه العبارة رسالة مزدوجة: فهو من جهة أولى، يُوجّه رسالة إلى القضاة والأجهزة أنهم كلهم تحت رقابته وأن بإمكانه اتخاذ تدابير معينة بحقهم، ومن جهة ثانية، يوجّه رسالة إلى الإعلام يلوح فيها بامكانية ملاحقة أي تطاول على القضاء أو الأجهزة الأمنية أو عمليا من يستفيد من أعمالهم أو يتدخل فيها. وتأتي الرسالة من هذه الزاوية بمثابة تحصين ذاتيا لأعمال النيابة العامة التمييزية إزاء المسالة، بعدما وضعت يدها على مجمل قضايا الشأن العام. ومن خلال هذا الأمر، بدا عويدات وكأنه يعلن أنه صاحب المرجعية الحصرية لتحديد طريقة النيابة العامة في التعامل مع أي انتقاد يوجه إلى المنظومة الأمنية القضائية، في اتجاه الاستجابة له أو اعتباره افتراء ومسا بهيبة القضاء والأمن، يقتضي ملاحقته حفظا لما يصطلح على تسميته هيبة الأجهزة والقضاء.

 

ومن هذه الجهة، بدا التعميمان وكأنهما يذهبان في اتجاه معاكس تماما لما يفرضه التوجّه نحو تعزيز استقلال القضاء والنيابات العامة، بحيث يذهبان إلى تعزيز شمولية الهرمية بدل حسرها (على غرار ما ذهب إليه اقتراح قانون استقلال القانون وشفافيته)، وكما في السابق من دون أي ضوابط، على نحو يفتح الباب واسعا أمام التعسف. وفيما حصل تكريس الهرمية في 2001 بفعل إرادة المشرع مما أضفى عليه شرعية يصعب نقضها، فإن التوسيع هنا يحصل بتعميم النائب العام التمييزي، على نحو يجرد غالبية مضمونه تماما من الشرعية، ويضع على المدعين العامين مسؤولية مواجهته حفظا لاستقلاليتهم ومسؤولياتهم في الدفاع عن الحق العام.

 

ثانيا: مكافحة الفساد مسألة سياسية وليس حقوقية

الأمر الثاني الذي نستشفه من التعميمين هو توجه لإحاطة قضايا الفساد في الشؤون العامة باجراءات خاصة (حصر المراسلات بالنيابة العامة التمييزية والعمل بتوجيهاتها المسبقة ومن خلالها)، ضمانا لانسجام كيفية التعامل معها مع الاعتبارات التي قد تتوفر لدى النائب العام التمييزي، والذي يرجح أن تتأثر بمرجعيته السياسية تماما كما نستشف من تزامن تعميمه مع التعميم الصادر عن هذه المرجعية كما سبق بيانه.

ويلحظ أن عضوم كان نجح هنا أيضا في 2001 في تكريس دور النائب العام التمييزي في تجاوز رفض الهيئات العامة لملاحقة العاملين فيها، وأن هذا الأمر حصل أيضا تبعا لتجاذب سياسي كبير، حيث كان الفريق المؤيد للرئيس الراحل رفيق الحريري يصرّ على إعطاء الصلاحية لمحكمة الاستئناف المدنية في بيروت (وليس النائب العام التمييزي)، تخوفا من الكيدية السياسية وبخاصة أن النيابة العامة تجمع في هذه الحالات دور الخصم (الذي يسعى إلى الملاحقة) والحكم (الذي يقرر رفع الحصانة). وقد جاء تعميم عويدات هنا أيضا ليعزز محورية هذا المنصب ليس فقط في سياق تجاوز رفض الهيئات العامة، بل حتى في مباشرة أي إجراء قضائي تجاهها، بما فيه دعوة شهود من العاملين فيها أو طلب معلومات أو وثائق منها.

وينتظر تاليا أن تجري الأمور في هذا الخصوص على نحو يزيد من الاجراءات المطلوبة لاستدعاء شاهد من العاملين لدى الهيئات العامة أو رفع الحصانة عن أي من هؤلاء بحيث يضاف إليها إعلام النائب العام التمييزي وانتظار اجراءاته (التي قد تأتي أو لا تأتي)، وأن يزيد من المرجعيات المطلوب الحصول على موافقتها لهذه الغاية (النيابة العامة التمييزية)، وبالنتيجة أن يزيد من العوائق أمام ملاحقة الموظفين العموميين وتاليا من حصانتهم. وبذلك، يصبح النائب العام التمييزي، المرجعية الأبرز في فتح أو إغلاق ملفات فساد، مع ما يستتبع ذلك من استنساب وشخصنة وتسييس.

ومن هذه الزاوية، يبدو التعميمان في حال مخالفة لتعهدات لبنان في اتفاقية مكافحة الفساد وبخاصة للمادة 11 منه المتصلة بضمان استقلال ونزاهة النيابات العامة، والمادة 30 المتصلة بالتدابير الواجبة لتحقيق توازن مناسب بين أي حصانات او امتيازات قضائية ممنوحة لموظفيها العموميين وامكانية القيام بعمليات التحقيق والملاحقة والمقاضاة الفعالة في جرائم الفساد بالنظر إلى خطورتها وأيضا بوجوب ضمان ممارسة أي سلطة تقديرية في اتجاه ضمان الفعالية القصوى في ملاحقة هذه الجرائم.

وكان بالواقع ينتظر من عويدات أن يتجه في اتجاه معاكس تماما، كأن يستهل تعميمه للنيابات العامة بوجوب إيلاء جرائم الفساد الأولوية والسعي إلى ملاحقتها والتحقيق فيها من دون أي تمييز ومن دون التوقف عند أي اعتبار أو غطاء سياسي، بالنظر إلى خطورتها والتزامات لبنان الدولية بموجب اتفاقية مكافحة الفساد. كما كان ينتظر منه أن يضع معايير وأصولا عامة للتعامل مع هذه الملفات وبخاصة في حال ورود ملف فساد ضد هيئة عامة أو في حال تأخر هيئة عامة عن إعطاء جوابها بمنح الإذن بملاحقة أحد العاملين فيها أو حجبه أو في حال حجب الإذن فعليا، وأن يضع نفسه بتصرف مجمل النيابات العامة لتسهيل عملها في جميع مراحل المراسلة والتحقيق في هذا المجال. كما كان ينتظر أن يلتزم عويدات في تعميمه أمام النيابات العامة والرأي العام باتخاذ التدابير اللازمة، على نحو يؤدي إلى توضيح وترشيد الصلاحيات الممنوحة له في قانون الأصول المحاكمات الجزائية، وذلك بهدف تجاوز تخلّف أي إدارة عامة عن إجابة طلب إعطاء الإذن أو التزويد بالوثائق (وهو أمر شائع وعلى ازدياد مطرد) أو تجاوز حجب إذن الملاحقة كلما توفرت في الملف شروط معينة محددة بصورة عامة وموضوعية. بكلمة أخرى، كان ينتظر منه أن يتعهد بممارسة صلاحيته لتسهيل ملاحقة جرائم الفساد وفق معايير موضوعية وثابتة بمنأى عن أي انتقائية أو استنساب، لا أن يستخدمها لتعزيز نفوذه وتفرده في القرار في هذا المجال، مع ما قد يستتبع ذلك من منزلقات.

ثالثا، القضاء أداة لتعزيز النفوذ السياسي أم مرجع لتحقيق العدالة؟  

الملاحظة الثالثة التي يستدعيها التعميمان هي استمرار التوجه نحو التعامل مع المراكز القضائية على أنها جزء من المحاصصة السياسية الطائفية وما يترتب عليها من نفوذ سياسي لهذا الطرف أو ذاك. فكأنما الحريري يسارع إلى استغلال تعيين النائب العام التمييزي (المحسوب عليه وفق لعبة المحاصصة) لتوسيع نفوذه من خلال توسيع صلاحيات هذا الأخير وعلى نحو يؤدي إلى حسر نفوذ قوى السياسية الأخرى التي قد تتحكم بالنيابات العامة الاستئنافية أو المخصصة. وما يؤكد ذلك هو أن التعميمين ذهبا نصا وروحا إلى إعادة ترتيب الصلاحيات بين مختلف هذه النيابات العامة، بمعزل عن أي معيار موضوعي أو قيمي أو تعهد بملاحقة جرائم معينة بأي شكل من الأشكال. وما يفاقم من هذا التوجه هو أنه يستتبع حكما ردود أفعال من سائر القوى السياسية الساعية بدورها إلى المحافظة على مواقعها ونفوذها داخل القضاء. ومن هذه الزاوية، تبدو النيابة العامة مرة أخرى وكأنها أداة تتناتشها القوى السياسية أكثر مما هي رقيبة على هذه القوى. كما يبدو لبنان مرة أخرى وكأنه يبتعد أيضا وأيضا عن تأمين الشروط الدنيا لاستقلال القضاء وحياديته.

 

ختاما، وعلى صعيد آخر، تجدر الإشارة إلى أن شمولية النفوذ السياسي لا تتوقف وفق ما نستشفه من تعميم الحريري على النيابات العامة. ففي توجه مستغرب، لم يجد الحريري حرجا في توجيه التعميم إلى البلديات واتحادات البلديات والمؤسسات العامة، على نحو يعكس توجّها شموليا للسلطة المركزية نحو وضع اليد على مجمل السلطات المحلية أو المؤسسات القطاعية التي تخرج مبدئيا عنها. ومن البيّن أن هذا الاتجاه يشكل مخالفة أخرى، وهي محالفة لاتفاق الطائف ومقدمة الدستور، وبخاصة لتعهد الدولة بتعزيز اللامركزية.