أصدر وزير الطيران المصري في 28-02-2019 الماضي، القرار رقم 221 لسنة 2019 الخاص بزيادة رسوم مغادرة المطارات المصرية، ونُشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 31-07-2019. ووفقاً لهذا القرار، يُحصل مبلغ 25 دولار أمريكي أو ما يعادله بالعملات الأخرى أو المحلية كل من يغادر على متن رحلات الخطوط الجوية الدولية، ومبلغ 5 دولارات أو ما يعادلها عن كل راكب على الخطوط الجوية الداخلية[1]. بالإضافة إلى ذلك، حسب المادة الثانية من القرار يتم تحصيل قيمة دولارين من كل راكب بجميع المطارات المصرية ماعدا مطار شرم الشيخ وأربعة دولارات من كل راكب من مطار شرم الشيخ من أجل تطوير نظام الإجراءات الأمنية بالمطارات المصرية.[2] وصرحت وزارة الطيران للإعلام، بأن الهدف من تحصيل تلك الرسوم هو الإنفاق على مشروعات تطوير وتحديث المطارات المصرية بما يضمن النهوض بأوضاعها من حيث البنية التحتية والمشروعات الإنشائية وتطوير صالات ومدارج الطائرات. كما صرحت وزارة الطيران أن تلك المبالغ سوف يتم تحصيلها بالطريق غير المباشر عن طريق شركات الطيران وليس من الركاب مباشرة. أوضحت وزارة الطيران بأن تلك الرسوم كان مخططا لها بالاتفاق مع البنك الدولي كشرط من شروط تسهيل الحصول على قرض تمويل من البنك بقيمة 280 مليون دولار نظير تطوير مباني الركاب عام 2010[3].

من الجدير بالذكر، أنه على مدار الخمس سنوات الماضية أصدرت الحكومة المصرية العديد من القرارات والتعديلات التشريعية الشبيهة لزيادة أسعار الخدمات والسلع التي تؤديها الحكومة إلى المواطنين بشكل مبالغ فيه، ولكن دون انعكاسات إيجابية تُذكر حتى الآن عن أوضاع المعيشة في مصر على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، أو على مستوى تطوير القطاعات الخدمية. مما يسلط الضوء حول ماهية تلك القرارات وما إذا كانت تلك الزيادات تستهدف تنمية أجهزة الدولة في مصر كما تدعي الحكومة المصرية، أم أنها مجرد وسيلة جباية لا تقابلها خدمات حقيقية يحصل عليها من يدفعها.

 

تعدد قرارات الدولة المصرية برفع رسوم الخدمات

إن القرار المذكور ليس الأول من نوعه، حيث أقر البرلمان، على سبيل المثال، في 28-06-2018 تعديلات على أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984 الخاص بفرض رسوم تنمية الموارد المالية للدولة. بموجب المادة الأولى من هذا التعديل، ارتفعت رسوم العديد من الخدمات الحكومية بنسب تتجاوز تسعة أضعاف[4] مثل رسوم استخراج جواز السفر، رسوم إقامة الأجانب وطلبات الحصول على الجنسية المصرية، ورسوم استخراج رخص القيادة، وترخيص السلاح، وغيرها من الخدمات[5]. بالإضافة إلى ذلك، تضمنت التعديلات إضافة بنود جديدة خاصة بخدمات الاتصالات حيث فرضت الدولة تحصيل مبلغ 50 جنيه عند شراء أي خط اتصالات جديد، وكذلك مبلغ 10 جنيهات رسم شهري يدفع عند سداد فاتورة خطوط الهواتف المحمولة بحيث تلتزم شركات الاتصالات تحصيل تلك المبالغ مع قيمة الخدمة وتوريدها لوزارة المالية[6].

جاءت تلك التعديلات تحت شعار حرص الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية حيث وصفت المذكرة الإيضاحية لمشروع تعديل القانون أن الهدف من زيادة تلك الرسوم هو تدعيم مقومات الاقتصاد المصري، وإنعاش موارد الدولة المالية حتى تتمكن من تنفيذ خطة التنمية الشاملة دون زيادة أعباء القاعدة العريضة من الشعب وذوي الدخول المحدودة أو الانتقاص من الاعتمادات المالية المخصصة لهذه الفئات[7]. وهو الأمر الذي يمكن فهمه على أن الدولة تستهدف الطبقات ذوي الدخول المرتفعة. ولكن في الحقيقة، جاء القانون بفرض رسوم موحدة على جميع الفئات الاجتماعية، فلم يتضمن القانون نصا واحدا يفرق بين الرسوم على أساس طبقي أو اجتماعي لضمان تحقيق معايير العدالة الاجتماعية التي تتحدث عنها الحكومة المصرية. بالإضافة إلى ذلك، فإن المتضرر الأول من ارتفاع أسعار الخدمات هو قطاع كبير من الطبقات الأدنى التي لا تتناسب أجورهم مع نسب ارتفاع الأسعار والخدمات.

بالإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة بدورها بفرض أو رفع رسوم أخرى. فبعدما أقر المجلس تعديل قانون رسوم تنمية موارد الدولة المالية بأشهر قليلة، أصدر وزير الداخلية القرار رقم 1618 لسنة 2018 بشأن تعديل آخر في قيمة تكلفة إصدار جواز السفر ليصبح 335 جنية مضافًا إليه رسوم وزارة المالية، ومبلغ 485.5 في حالة طلب بدل فاقد أو تالف[8]. وكذلك قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 419 لسنة 2018 بشأن إصدار التعريفة الجمركية، والذي فرض زيادة رسوم الجمارك على المئات من السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والملابس بنسبة تتراوح بين 40% إلى 60%[9]. حيث أدى زيادة الرسوم الجمركية إلى زيادة في أسعار مئات السلع التي يستهلكها المواطنين بشكل يومي وهي ذاتها السلع التي ارتفعت أسعارها أكثر من مرة منذُ بداية تطبيق برنامج رفع الدعم الحكومي عن السلع البترولية. من الجدير ذكره أن تبني الحكومة المصرية تلك السياسات الاقتصادية المتضاربة بدون وجود منظومة قانونية وقائية لحماية المواطنين من التلاعب بالأسعار، أو زيادة متناسبة في هيكل رواتب وأجور المواطنين أدّى إلي زيادة معدلات الفقر لتصل إلى 32.5 % من إجمالي عدد السكان مقارنة بنسبة 27.8% في عام 2016. [10]

وذهب بعض الاقتصاديين إلى أن الحكومة المصرية الحالية عاجزة عن تحقيق برامج تنمية حقيقية كما تدعي لزيادة موارد الدولة. لذلك فهي تستغل المواطنين بكافة الوسائل المتاحة لتحقيق قدر من الزيادة في مواردها المالية دون النظر إلى الاستثمار في قطاعات أخرى مثل الزراعة والصناعة وموارد قناة السويس[11]. وهو الأمر الذي يرجحه كاتب هذه السطور خاصة في ظل عدم وجود استراتيجية تنموية واضحة مُعلن عنها من جانب الحكومة المصرية.

 

مدى مشروعية القرارات التي تصدرها الحكومة

من البيّن أن قرارات زيادة الرسوم بواسطة السلطة التنفيذية متمثلة في وزير الداخلية ورئيس الجمهورية تجاوزت حدود نطاق التفويض التشريعي المقرر للسلطة التنفيذية في إصدار قرارات بزيادة رسوم. فقد نص الدستور صراحة في المادة 38 على أنه "... لا يكون إنشاء الضرائب العامة، وتعديلها، أو إلغاؤها إلا بقانون… ولا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب أو الرسوم إلا في حدود القانون"[12].

وبالتالي، فإن الضرائب لا تقر إلا بقانون، أما الرسوم فيمكن تفويض السلطة التنفيذية لفرضها، ولكن في حدود القانون. فقد أكدت المحكمة الدستورية أن المُشرع الدستوري فوض السلطة التنفيذية في تنظيم وفرض الرسوم لكنه لم يشأ أن يكون هذا التفويض مطلقاً وإنما مقيداً بالقيود التي حددها الدستور وأخصها أن تكون في حدود القانون. وهذا الأمر يعني أن يضع القانون حدودها والغرض منها حتى لا تتحول هذه الرسوم لنوع من الجباية[13]، حيث أن القيود التي فرضها الدستور تتفق مع كون هذه الرسوم مصدراً لإيرادات الدولة، ووسيلة من وسائل التوجيه الاقتصادي والاجتماعي، تأكيداً لإتاحة الفرص المتكافئة للحصول على الخدمات العامة التي تؤديها الدولة وحتى لا تكون الرسوم مجرد وسيلة لجمع الأموال من المواطنين دون تقديم خدمات كما تفعل الحكومة المصرية في الوقت الراهن. فلم تكشف الحكومة المصرية منذُ البدء في تطبيق سياسات التقشف عن ملامح برنامج التنمية والإصلاح بشكل واضح ومُعلن للمواطنين. في المقابل تقوم الحكومة بفرض المزيد من الرسوم من خلال قرارات تنفيذية بالمخالفة للدستور دون تحديد نطاق تلك الرسوم في مجال السياسية العامة والإيرادات وضبط الإنفاق وكفالة تقديم الخدمات التي تلتزم بها الدولة على أساس العدالة الاجتماعية. ومن المرجح أنه ليس للدولة أي خطط للتنمية خاصة في ظل تدهور عمل وكفاءة كافة القطاعات وتركيز جهود الدولة في الانتهاء من إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة لتضم كافة مرافق الدولة ومؤسساتها خارج الحيز المكاني للعاصمة القديمة المتهالكة.

وفى السياق ذاته، لم تطبّق الحكومة المصرية أيا من شروط البنك الدولي لتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومنها زيادة معدل النمو وزيادة الصادرات وجذب الاستثمار الأجنبي، وزيادة الإنفاق على التعليم والصحة باستخدام الموارد المالية من تخفيض دعم الطاقة[14]. فحسب الموازنة العامة لعام 2019/2020 يتضح أن الحكومة تنفق بشكل كبير على الاستثمارات الحكومية والأعمال الإنشائية التي تشرف على تنفيذها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة في مقابل تقليل الإنفاق على الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية وتطوير قطاعات التعليم والصحة التي تستهدف المواطنين بشكل مباشر[15]. وهو ما يؤكد استغلال الدولة لمصادر أخرى مثل رفع أسعار الخدمات والسلع كحيلة لاستغلالها فى غير محلها أو للأغراض التي جمعت من أجلها.

 

خاتمة

لقد تبنى الرئيس الحالي منذُ وصوله إلى الحكم السياسات الاقتصادية التي تعتمد في الأساس على التبرع والهبات مثل مبادرة "صبّح على مصر بجنيه" والتي على غرارها تم إنشاء صندوق تحيا مصر لجمع التبرعات لمساندة الاقتصاد المصري. بالإضافة إلى فرض رسوم على أسعار بعض السلع والخدمات التي يستخدمها الملايين من المواطنين لتحقق في نهاية السنة المالية عائدا ماليا يمكن استثماره في قطاعات الدولة المختلفة وإنشاء مشاريع لا يستفيد منها المواطنون محدودو الدخل مثل تفريعة قناة السويس الجديدة أو المدن السياحية الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة. ولكن تلك السياسات لا تصلح أن تكون أساسا للنهوض بأوضاع الاقتصاد المصري حيث يجب على الدولة أن تتبنى خطة تنمية شاملة لسياساتها الحالية تضمن تطبيق برنامج عدالة اجتماعية يكفل للمواطنين محدودي الدخل قدرا من المساواة والتمتع بحقوقهم الأساسية كالتعليم والصحة. 

 

 

 


[2]طه عبيد، الطيران زيادة رسوم المغادرة تطبق بعد 4 أشهر، موقع مصراوي، بتاريخ 1/8/2019.

[3] محمد نصار، زيادة رسوم مغادرة المطارات اتفاق حكومي مع البنك الدولي منذ 2010، موقع مصراوي، بتاريخ 1/8/2019.

[4] حيث تم تعديل رسوم استخراج جواز السفر من 20 إلى 200 جنية ورسم إقامة الأجانب من 30 جنية إلي 500 جنية، ورسم طلب الحصول على الجنسية المصرية من 500 جنية إلي 10 ألاف جنيه، ورسم استخراج رخصة سلاح من 250 جنية إلي 2500 جنية.

[5] راجع نص المادة الأولى من قانون رقم 153 لسنة 2018 الخاص بتعديل أحكام قانون رقم 147 لسنة 1984 الخاص بفرض رسم تنمية على الموارد المالية.

[6] راجع نص المادة الأولى من القانون رقم 153 لسنة 2018 الفقرة رقم 20 حيث تم تعديل رسوم استخراج جواز السفر إلي 200 جنية وسم 500 جنية على إقامة الأجانب و10 ألاف جنية على طلب الحصول على الجنسية المصرية، و2500 جنية على استخراج رخصة سلاح.

[7] راجع على سبيل المثال تصريح رئيس البرلمان المنشور يوم 5-6-2018 في جريدة اليوم السابع تحت عنوان:" تفاصيل تعديل قانون رسم تنمية موارد الدولة.. 10 ألاف جنية للجنسية و500 لمخالفات الإقامة.. 2500 لترخيص السلاح. وتجديد رخص السيارات من 225 لـ 3 الاف جنية.. رئيس النواب يجب النظر للقانون في إطار التنمية الاجتماعية

[8] راجع قرار وزير الداخلية رقم 1618 لسنة 2018 بشأن تعديل قيمة استخراج جواز السفر المقروء آلياً بتاريخ 22/10/2018.

[9] راجع قرار رئيس الجمهورية رقم 419 لسنة 2018 بشأن تعديل الرسوم الجمركية، بتاريخ 12/9/2018.

[10] معدل الفقر في مصر يرتفع إلى 32.5 في المئة من عدد السكان، بي بي سي عربي، بتاريخ 30/7/2019.

[11] زيادة رسوم الخدمات سبوبة الحكومة وخبير: الدولة تستغل المواطن وتفشل في التنمية، موقع شبكة رصد، بتاريخ 6/6/2018.

[12] راجع، نص المادة 38 من دستور جمهورية مصر العربية.

[13]راجع، حكم المحكمة الدستورية العليا القضية رقم 175 لسنة 22 قضائية، بتاريخ 5/09/2004

[14] بيسان كساب، مع نهاية قرض الصندوق هل تحققت الوعود؟ مدي مصر، 25/7/2019.

[15] بيسان كساب، قراءة في بيان الموازنة: كيف تصرف الأموال، مدي مصر، 6/4/2019.