مساء يوم 01-10-2019، رفضت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس الإفراج عن المرشح للانتخابات الرئاسية نبيل القروي ورئيس حزب قلب تونس الموقوف على ذمة ملف تحقيقي وجهت له فيه تهم التهرب الضريبي وتبييض الأموال. فاجأ القرار الجانب الأكبر من المتتبعين والذين ظنّوا أن القضاء سيفرج حتما عن القروي خوفا من تحمل مسؤولية إفساد المسار الانتخابي أولا وبفعل ما توضح من اتجاه حزبه لتحصيل الأغلبية البرلمانية وشخصه للفوز في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.

استبقت عديد الشخصيات العامة ومنها رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات نبيل بافون نظر دائرة الاتهام في مطلب الإفراج بحديث عن خطورة بقاء القروي موقوفا على التجربة الديمقراطية التونسية. أسس هؤلاء رأيهم على ما سموه "تكافؤ الفرص بين المترشحين للانتخابات الرئاسية" معتبرين أن وجود القروي بالسجن يعطي أسبقية انتخابية لخصمه الذي سيكون بوسعه أن يقوم بحملته الانتخابية فيما يحرم هو من ذلك. وانتهوا للقول بأن هذه الوضعية ستقود إلى تقويض المسار الانتخابي برمته اعتبارا لكونه يحق للقروي الطعن في نتيجة الدور الثاني من الانتخابات وطعن كهذا يبدو مسبقا مؤيدا.

كان هنا جانب كبير من الإعلام التونسي طيلة المدة التي فصلت بين تقديم طلب الإفراج والنظر فيه ساحة لدعوات وجهت للقضاء تطالب قضاة دائرة الاتهام بتحمل مسؤولية تاريخية في منع حدوث حالة فراغ دستوري غير مسبوقة. وتدعوهم للإفراج عن القروي بصرف النظر عن الاتهام الذي يوجه له. كما برزت في ذات الحيز الزمني تحركات دبلوماسية من أبرزها المواقف التي أعلنها سفير الاتحاد الأوروبي بتونس " باتريس برغاميني"[1] تدعم الإفراج بدعوى الحرص على حماية التجربة الديمقراطية.

كان قضاة دائرة الاتهام تحت ضغط "المسؤولية التاريخية" على إفساد المسار الديمقراطي. وكان يظن أن ذات القضاة سيجيدون حساب الربح والخسارة عند نظر الملف وسينتصرون لصوت "الحكمة" الذي يقول لهم أن لا فائدة من معاداة شخص تؤكد مراكز سبر الآراء أن حزبه سيكون الفائز في الانتخابات التشريعية ويتمتع بحظوظ وافرة للفوز برئاسة الجمهورية. وهنا التفت قضاة دائرة الاتهام عن كل هذه الاعتبارات وخيبوا ظنّ من قال أن موقفهم محسوم.

يأتي القرار الجديد بتأييد قرار التوقيف السابق، ليحسر الجدل السياسي المتعلق بقرار دائرة الاتهام بتاريخ 23-08-2019 إصدار بطاقة الإيداع في حق القروي. ففضلا عما تسرب للإعلام من أخبار مفادها أن التفقدية العامة لوزارة العدل أكدت في تقرير رفعته لوزارة العدل أن إصدار تلك البطاقة موافق للإجراءات القانونية، فإن رفض القضاة الإفراج عن القروي رغم ما برز من دعم سياسيّ وإعلاميّ له وما ظهر من سقوط انتخابي لخصومه المتهمين بكونهم من يقفون وراء إيقافه يرجّح القول بكون النظر القضائي في الملف كان بمنأى عن الاعتبار السياسي، بمعنى أن مسؤولية القضاء باتخاذ ما يرونه قرارا سليما قانونا غلب أي اعتبار آخر.

منع رفض طلب الإفراج من إيجاد مخرج شكلي من إشكالية قبول التشريع التونسي ترشح من يتهم بالفساد لمنصب رئاسة الجمهورية. يفرض هذا الواقع الجديد على النخبة التونسية طرح السؤال حول مفهوم نزاهة الانتخابات، هذا المفهوم الذي تبين التجربة أنه يجب أن يخرج من نطاق  التدليس المادي لإرادة الناخب ليؤول لسؤال حول حق الشعب في ألا يتم التلاعب بوعيه باعتماد إعلام موجه ومال فاسد قد يفرضان عليه المتورطين بالفساد حكاماَ.

 

 

 


[1]  ورد بموقع موزاييك  اف أم  "علّق سفير الاتحاد الأوروبي بتونس باتريس برغاميني في تصريح لموزاييك اليوم الثلاثاء 1 أكتوبر 2019 على وضعية المترشح للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية نبيل القروي والموقوف على ذمة القضاء إلى حد اليوم.وقال برغاميني ان الموقف الذي صرح به كل من رئيس الجمهورية ورئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ورئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري بخصوص وضعية نبيل القروي وقوى أخرى من المجتمع المدني كان واضحا وهو 'الموقف الصواب'، وفق تقديره.وأضاف برغاميني أنه ليس من دوره كسفير للاتّحاد الأوروبي بتونس أن يبدي رأيه في مسائل مماثلة، معتبرا أنه صديق الشعب التونسي أولا ومكونات المجتمع المدني وأن وجوده في تونس ظرفي.وشدد في هذا الإطار على الوضع الخاص الذي تمر به تونس أياما قليلة قبل موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية."   .