بتاريخ 17/9/2019 أقرّت لجنة الإدارة والعدل اقتراح تعديل المادة 419 من قانون العقوبات التي تعاقب جرم استعطاف القاضي. وكان النائب جورج عقيص قدّم هذا الاقتراح بصيغة المعجل مكرر في 28/5/2019. وإذ عُرض على الهيئة العامة في مجلس النواب خلال الجلسة التشريعية المنعقدة في 26/6/2019، فإن النواب أسقطوا صفة العجلة عنه وأعادوه إلى لجنة الإدارة والعدل للدراسة. وكانت المناقشة الأولية للاقتراح أثارت موجة عارمة من الضحك حين أدلى رئيس مجلس النواب نبيه بري أن اقتراح عقيص "سيدخلنا جميعا إلى الحبس" في إقرار صريح منه لتعميم ممارسة التدخل في القضاء.

وأهمية هذا القتراح تكمن في ثلاثة مواقع:

 

1- التدخل في القضاء جرم يقتضي ردعه

الميزة الأولى لهذا القانون تكمن في التشديد على أن التدخل في القضاء، الذي بات منتشراً انتشاراً واسعاً بين المتقاضين، إنما هو جرم يقتضي الامتناع كليا عن ارتكابه. ويلحظ ان عدداً من الدساتير العربية (مصر مثلا) شددت في صلبها على تجريم التدخل في القضاء، تأكيدا على مدى خطورته. ويشكل هذا الخطاب بداية هامة، لإعادة تغليب ثقافة استقلال القضاء على ثقافة التدخل في أعماله.

ويشكّل تجريم التدخّل في القضاء إحدى وسائل تعزيز استقلاليته، ومدماكاً أساسياً في البناء التشريعي الحامي لهذه الإستقلالية.

وتأكيداً على ذلك، يندرج تجريم التدخّل في أعمال القضاة ضمن معايير استقلالية القضاء، فتنصَ توصية لجنة وزراء المجلس الأوروبي رقم R(94)12 في المبدأ الأول الفقرة 2-د أنه "يقتضي بالقانون معاقبة أي شخص يحاول الضغط على القضاة" في القرارات الصادرة عنهم. كما تستعيد توصية اللجنة رقم R(2010)12 القاعدة نفسها في الفقرة 14 منها معتبرةً أنه "ينبغي أن ينصَ القانون على عقوبات ضدَ الأشخاص الذين يسعون إلى التأثير على القضاة بطريقة غير سليمة وغير ملائمة". كما تعمد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى مراقبة استحداث الدول للضمانات ضدَ تدخَل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء[1].

وتفيدنا التجارب المقارنة أنه وفي العديد من الدول العربية، كُرّس مبدأ تجريم التدخَل في أعمال القضاء والقضاة في الدستور. ويظهر ذلك كخصوصية في هذه الدول ويعبّر عن نيّة جليَة بإعطاء أقصى الضمانات وتحصين القضاة في عملهم. وبهذا المعنى، يُلزم الدستور السلطة التشريعية بوضع نصَ جزائي يُحدَد جرم التدخَل في أعمال القضاء والقضاة، كما العقوبة المرتبطة به. كما أنه وفي ظلَ إشارة الدساتير هذه إلى استقلالية القضاء من جهة والقضاة من جهة ثانية[2]، فإن تجريم التدخّل في أعمال القضاء يشمل الإستقلالية المؤسساتية والفردية القضائية. فيُعدّ جرماً إذاً تدَخل السلطات الأخرى بأعمال السلطة القضائية كمؤسسة. كما أنه ومن جهة أخرى، يُعدّ جرم التدخَل في أعمال القضاة قائماً مهما كان مصدره، أي من خارج أو داخل القضاء.

ويذهب الدستور المصري مثلاً خطوةً إلى الأمام في فعالية الحماية التي يمنحها لمبدأ الاستقلالية إذ أن المادة 184 منه تنصّ على أن "التدخَل في شؤون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم".  كما تنصَ المادة 149 من الدستور اليمني أن "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية جهة وبأية صورة التدخَل في القضايا أو في شأن من شؤون العدالة ويُعتبر مثل هذا التدخَل جريمة يُعاقب عليها القانون، ولا تسقط الدعـوى فيهـا بالتقـادم".

وتنصَ كذلك المادة 109 من الدستور التونسي أنه "يُحجر كلَ تدخَل في سير القضاء"، و109 من الدستور المغربي الجديد أنه "يعاقب القانون كلّ من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة".

 

2- تعديل تعريف جرم التدخل في القضاء

الأمر الثاني الذي يحققه اقتراح القانون، هو إعادة تعريف الفعل المشمول بالمادة 419 الحالية، على نحو يشمل الممارسات الأكثر رواجاً. ففيما تتحدث المادة 419 الحالية عن فعل "استعطاف القاضي"، وسّعت الصيغة المقرّة من قبل لجنة الإدارة والعدل تعريف الفعل الجرمي ليشمل "كل طلب متعلق بدعوى أو بمراجعة قضائية" موجّه إلى جانب القاضي أو إلى أي "محكم أو شخص يقوم بمهمة قضائية أو بمهمة تحكيمية". وكان الإقتراح الأساسي قد أدخل ضمن الأفعال الجرمية "التدخل مع قاض" أو استعطافه كتابة مشافهة أو "بأي شكل آخر" لمصلحة أحد المتداعين أو ضدّه. وعليه، وفيما انتهت لجنة الإدارة والعدل لتوسيع إطار التجريم ليشمل التدخل مع المحكّم، أبقت على حصر التدخل بالمراجعات القضائية.

 

3- عقوبة أكثر تناسبا مع خطورة الجرم

الأمر الثالث الذي يهدف إليه الاقتراح هو التأكيد على الطابع الردعي لعقوبة التدخل في القضاء، بما يتناسب مع خطورته، وفق ما ورد في الأسباب الموجبة للاقتراح. ولإدراك أهمية الاقتراح من هذه الزاوية، حسبنا الإشارة إلى أن استعطاف القضاء يعد حاليا جنحة لا تتجاوز عقوبتها غرامة تساوي مئة ألف ل.ل. في هذا الإطار، يفضي المقترح بالصيغة التي أقرّتها لجنة الإدارة والعدل (كما الصيغة الأساسية) إلى معاقبة الجرم بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تتراوح بين عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور (6,750,000 ل.ل.) ومئة ضعفه (67,500,000 ل.ل.).

كما تشير الأسباب الموجبة "أنه يقتضي (...) تشديد العقوبة خاصة إذا كان مرتكبها موظفاً عاماً أو متولياً منصباً رسمياً مستخدماً نفوذه وموقعه". وبالفعل شدّدت الصيغة المقرّة العقوبة وفق أحكام المادة 257 عقوبات، بمعنى أنها رفعت الحدّ الأعلى للعقوبة التي يمكن أن تصل حتى 4 سنوات ونصف حبس، مع مضاعفة قيمة الغرامة، متى كان الفاعل أو الشريك أو المتدخل أو المحرض موظفاً وفق المادة 350 من القانون نفسه (موظفو الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات والقضاء وكل شخص انتخب أو عيّن لأداء خدمة عامة وهو تعريف يشمل الوزراء والنواب والقضاة)، في حين كانت الصيغة الأساسية استخدمت تعريفأ أكثر إبهاماً أي حالة كون "الفاعل أو المتدخل متولياً منصباً رسمياً أو وظيفة عامة". ويشير هذا التشديد إلى نيّة في التصدّي خصوصاً لممارسات التدخّل السياسي في القضاء، ولكن أيضا لممارسات تدخل القضاة أنفسهم (وبخاصة المسؤولين القضائيين) في أعمال زملائهم.

 

4- حذف المحفزات لكاشفي التدخل في القضاء إلا في حالات الفساد

يلحظ بالمقابل أن لجنة الإدارة والعدل ألغت أحد البنود الواردة في اقتراح عقيص والذي كان ينص على إفادة كل شخص يقوم بكشف المعلومات عن التدخّل في القضاء من الحماية والحوافز المنصوص عنها في قانون حماية كاشفي الفساد (83/2018)، وهذا ما تمّ حذفه من الصيغة المقرّة من قبل لجنة الإدارة والعدل. إلا أنه يبقى لكاشفي التدخل القضائي أن يستفيدوا في كل الأحوال من هذه الحوافز، في حال نجحوا في إثبات ارتباط هذا التدخل بالفساد وفق التعريف المعطى له في قانون حماية كاشفي الفساد.

 

ختاما، نتمنى أن يشكّل إقرار إقتراح القانون هذا مؤشراً إيجابياً على جديّة لجنة الإدارة والعدل في استكمال نشاطها لتعزيز استقلالية القضاء، آملين أن تسارع لجنة الإدارة والعدل إلى بدء مناقشة على جدول أعمالها “إقتراح قانون حول استقلالية القضاء وشفافيته” والذي أعلن رئيس اللجنة النائب جورج عدوان مراراً وتكراراً عزمه البدء بدراسته في أسرع الآجال.

 

 

 


[1] أنظر CEDH 28 juin 1984, Campbell et Fell c/ Royaume-Uni, préc., § 77, JDI 1986. 1058, obs. Rolland et Tavernier.

[2] مادة 102 من الدستور التونسي و184 و186 من الدستور المصري و149 من الدستور اليمني.