خلال الأسبوع الماضي، أصدر كل من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري والمدعي العام غسان عويدات تعميمين هدفا إلى ترسيخ الهرمية داخل النيابات العامة. يعيد هذان التعميمان إلى الأذهان السياسات المعتمدة في ظل الوصاية السورية وفي سياق إعداد قانون أصول المحاكمات الجزائية. نظرا لخطورة هذين التعميمين، تعيد المفكرة نشر ما سبق لها توثيقه من ممارسات في هذا المجال، وذلك ضمن الورقة البحثية التي كانت أعدتها للنيابات العامة في 2018. ويلحظ أن أداء النيابة العامة اختلف وفق شخصية النائب العام التمييزي ومدى نفوذه وارتباطه بالسلطة الحاكمة. ففيما ظهر النائب العام التمييزي عدنان عضوم بمثابة شريك في نظام الحكم، لا يجد حرجا في عقد مؤتمرات صحافية أو اتخاذ مبادرات في المجال الجزائي ذات طابع سياسي واضح، فإن بعضهم الآخر بدا أقل إقداما وأكثر تحفظا في الفضاء العام، من دون أن يقلل ذلك بالضرورة من تواصلهم الدائم مع السلطات الحاكمة أو من هيمنتهم على أعمال النيابات العامة. (المحرر).

 

العلاقة مع السياسة

حدد عضوم منذ تعيينه أطر علاقته بالنظام. أراد أن يفرد للنيابة العامة التمييزية مساحة ضمنه، تساعده عند الحاجة وتتحكم بمفاصل القضاء والتشريع واتخاذ القرارات عند كلّ استحقاق. ربطته علاقة وطيدة بوجوه النظام وجاهر علناً بذلك. قيل حينها أن هدفه الأكبر هو الوصول إلى رئاسة الحكومة. ويلفت في هذا المجال نقل "النهار" لخبر مفاده أن مسؤولا سياسيا في الشمال دعا عضوم إلى عشاء ضمّ إليه عددا من النواب والوزراء. وقد فوجئ عضوم بقالب حلوى بمناسبة عيد ميلاده على شكل السرايا الحكومي[1]. جعل عضوم من النيابة العامة التمييزية حصناً يتفرّد به وحده. أكدّ على استقلاليتها تجاه جميع الفرقاء، بمن فيهم وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى. صار الحديث خلال عهده عن "القضاء المسيّس"، الذي يتدخل بعمل الجميع.

 

Raison d’Etat

حدد عضوم منذ وصوله المعايير الواجب اتباعها لحماية النظام وتأمين استمراره. فالقانون يجب أن يطبّق ولكن تخطيه في بعض الأحيان ضروري لحماية الدولة والمجتمع. فاعترف بعيد تعيينه نائبا عاماً تمييزياً في 6 تموز 1995 أن "المصلحة الوطنية العليا ليست عملاً قضائياً صرفاً إنما عمل قضائي وسياسي. هناك ضرورات تبيح المحظورات. لكن القانون يبقى دائماً الأساس والكلمة الفصل. يجب أن نحترم القوانين. وهناك بعض الإجراءات يمكن أن تتخذ لتجنب الوقوع في محاذير كبيرة معيارها الحكمة"[2].

وعاد وأكدّ في محاضرة في نقابة المحامين – ونادراً ما يلقي النائب العام التمييزي محاضرات- ردّاً على القائلين أن النيابة العامة هي منصب سياسي، بأنّ وظيفة النائب العام أو المحامي العام "هي وظيفة قضائية لا تعنى إلا بحسن سير المرفق القضائي من خلال تنفيذ ما وكله القانون إليها. ولكن ما يميزها عن غيرها من فروع القضاء هو تمثيلها مصالح الشعب والدولة في آن واحد. ولا يخفى أن السلطة التنفيذية هي جزء أساسي من الدولة وبالتالي، فمن البديهي والمنطقي أن تحكم علاقتهم أواصر التنسيق والتعاون القائم بين أي وكيل وموكله وليس في ذلك ما يضير أحداً ويتجلى هذا الأمر ببعض التدابير التي تتخذ أحياناً لمصلحة الدولة والنظام العام وهذا ما تعارف على تسميته Raison d’Etat (المصلحة الوطنية العليا)"[3].

ومصلحة الدولة العليا شكلت الحجة الأساسية لعضوم عند اتخاذه قرارات أثارت غضب الرأي العام. وقد فسرت هذه المصلحة بضرورة حماية الوفاق الوطني والسلم الأهلي والعيش المشترك، أي الشعارات التي استخدمها عهد لحود لقمع أي تحرك معارض له. فبعد إقفال محطة الـ أم.تي.في. في عام 2002 على خلفية ممارستها الإعلان في الانتخابات الفرعية 2002، اعتبر "أن مصلحة الدولة العليا هو الحفاظ على الوفاق الوطني"[4].

ورفض عضوم اعتبار الأحكام التي صدرت في حق موقوفي أحداث 7 و9 آب على أنها أحكام سياسية. حتى بعدما ثبت أن معظم التهم التي وجهت إليهم واهية ولم تستند إلى دليل. كما رفض اتهامه بتجاوز وزير العدل الذي "يمثل السلطة السياسية وهو همزة الوصل مع القضاء ولا يمكن النيابة العامة التمييزية أن "تدوبل" على وزير العدل[5]".

حاول مراراً فصل السياسة عن القضاء بعدما ارتفع صوت معارضيه لا سيما بعدما انطلقت حملة إصلاح الإدارة خلال عهد لحود. ورفض اتهامه بالتدخل في السياسة، لكنه في المقابل اعترف بتدخل السياسة في القضاء. اعتبر أن هذا الأمر طبيعي إذ هو جزء من المجتمع اللبناني. ورأى أن هذا التدخل لا يؤثر بالضرورة على عمل القاضي إذا كان هذا القاضي شجاعا وقويا ويرفض الانصياع لطلبات السياسيين وأصحاب النفوذ. "نراهم أحياناً يتكلمون عن تدخل سياسي في القضاء، وفي رأيي أن القضاء لا يتدخل في السياسة، وقد يصح العكس، أي تدخل السياسي في القضاء. المشكلة هي أن أي فرد لديه دعوى عالقة يريد أن يراجع السياسي ويطلب منه التصرّف ضماناً لعدم تدخل أحد في دعواه، وإن كان القاضي مشهوداً له بكفاءته ونبله. والسياسيون يعتبرون أن ذلك من ضمن العادات اللبنانية. والقاضي عندما يستمع إلى السياسيين لا يعني ذلك أنه يتأثر بهم. فقد اعتاد ذلك ويعرف ما عليه أن يفعله[6]".

 

السياسيون "تحت سقف القانون"

أقام عضوم علاقة ندية مع أركان النظام السياسي مهما علا مقامهم على اعتبار أنه يوازيهم نفوذاً. ولعلّ أبرز ما يلخص العهد العضومي هو خلاف النائب العام التمييزي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري عام 1999. وجه عضوم إلى هذا الأخير كتابا يتضمن دعوة للنائب عمر مسقاوي للحضور أمام رئيس قسم المباحث الجنائية المركزية كشاهد في التحقيق في دعوى شركة "سارمولم". رفض بري تسلم الدعوة بعدما احتج مسقاوي على المثول أمام ضابط. فقرر عضوم حينئذ إبلاغ مسقاوي في مقرّ إقامته. وعكس هذا الأمر تجاذبا لأول مرة بين الرئاسة الثانية ومسؤول قضائي[7]. وفي هذا دلالة واضحة على نفوذ عضوم وعلى فرض نفسه كلاعب سياسي داخل النظام.

وعضوم الذي واجه بري عاد وترك أمر ملاحقة النائب نقولا فتوش لتطاوله على القضاء في يد هذا الأخير. فأرسل كتابا إلى رئيس مجلس النواب يطلب فيه رفع الحصانة عن فتوش لتعرّضه للسلطة القضائية عبر وسائل الاعلام. وسرعان ما زار عضوم بري لإيداعه القضية وترك خيار رفع الحصانة عن فتوش بيده. فهو "أمين العدلية وعنده خبرة ممتازة في التعاطي مع موضوع العدلية[8]"، حسب عضوم. كما أن عضوم أصرّ على الاستماع إلى موظفي بلديات دون الاستحصال على إذن مسبق من المحافظ. ما أدّى إلى مشادة بينه وبين وزير الداخلية ميشال المر الذي رفض التحقيق مع أي رئيس بلدية أو أي عضو في بلدية بدون إذن مسبق عبر كتاب وجهه إلى عضوم. فردّ هذا الأخير في كتاب مذكراً بصلاحياته: "أن طلب الإذن من المحافظ يتم عندما يقرر القضاء ملاحقة الشخص المستمع إلى إفادته في التحقيق، أي لدى الادعاء عليه[9]".

ولم يتردد في مهاجمة وزير الطاقة والمياه الأسبق أيوب حميد بعد تغيّبه عن الحضور إلى جلسة استماع إلى أقواله أمام المحامية العامة التمييزية ربيعة قدورة في موضوع عدم تنفيذ قرار مجلس الوزراء خفض سعر صفيحة البنزين. قرر عضوم الردّ على حميّد الذي اعتبر أن لا صلاحية لأمين عام مجلس الوزراء لتبليغه موعد الجلسة. وأوضح أن حميد تغيّب عن الجلسة للمرة الخامسة وأنه رفض التبليغات التي وصلته إن عبر قسم المباحث الجنائية المركزية أو الأمانة العامة لمجلس الوزراء. رفض عضوم حجة حميد التي أرسلها في كتاب إلى وزير العدل بهيج طباره يشرح فيه أنه تنطبق عليه الأصول الخاصة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. هدده وذكّره بأن القضاء سلطة وبـأن عليه احترامها. "معاليه مواطن وفقاً للقانون ويعود إلى القضاء دعوته. واحتراماً لمعاليه، أرسلنا التبليغ إلى الأمانة العامة باعتبارها مرجعاً... سنردّ رسمياً على الكتاب الذي تسلمناه من الأمانة العامة، والمحامية العامة التمييزية هي التي ستقرر مدى صحة التبليغ الذي شكا منه وزير الطاقة وسترتب النتائج القانونية الواجبة على عدم الحضور في حال اعتبرت أن التبليغ كان في محله القانوني. وإذا كانت لمعاليه إدلاءات فيجب أن يتكلم أمام القضاء وليس خارجه. فهو وزير ويجب أن يحترم القانون ويحضر إلى قصر العدل[10]".

كما ردّ من المنطلق نفسه على انتقادات مجلس المطارنة الموارنة الذي طال أداء النيابة العامة التمييزية. "نحن نقبل النقد البنّاء، فالقضاة ليسوا موظفين، ونحن نسمع كل شيء ونتابع ولكن في النتيجة نفعل ما يجب أن نفعله[11]".

ويبقى تصريح عضوم لدى تعيينه وزيراً للعدل عام 2004 الأكثر دلالة على الموقع الذي حجزه لنفسه كجزء من هذا النظام. فكشف أن "مرسوماً سيصدر ويقضي بحفظ مركز النيابة العامة التمييزية شاغراً إلى حين انتهاء مهماتي الوزارية، مما يعني أن ممارسة أعمال نائب عام تمييزي يجب أن تكون عبر شخص آخر ينتدب لهذه الغاية[12]". وبالتالي فإن عضوم احتفظ عند دخوله إلى الحكومة بالمنصب، بهدف استعادته فور انتهائه من ولايته في وزارة العدل.

 

زيارات دورية للرؤساء

تكرّست عادة بعد الطائف أقّله أن يقوم النائب العام التمييزي بزيارة الرؤساء الثلاثة بشكل دوري لاطلاعهم على آخر المستجدات القضائية. ولم تتغيّر العادة مع تغيير النائب العام التمييزي. لكن اللافت أيضاً أن هذه الزيارات شملت مسؤولين وأصحاب نفوذ، كما تحوّل مكتب النائب العام إلى مقصد للسياسيين، خاصة خلال "عهد عضوم". فلم يتردد هؤلاء بالزيارة لطلب خدمة أو الإسراع في البت في ملف أو حتى الوقوف عند خاطر النائب العام التمييزي.

كان عضوم يقوم بزيارات دورية إلى السياسيين، وبشكل خاص رئيس الجمهورية إميل لحود. إذ يلاحظ من خلال البيانات الصادرة في الصحف أن عضوم كان يزور لحود كلّ أسبوع لمناقشة المسائل القضائية. ويلحظ أن رئيس الجمهورية ناقش مثلاً مع النائب العام التمييزي إقرار مشروعي رفع الحصانة عن القضاة وفتح باب الاستقالة من السلك القضائي واقتراب موعد اجراء التشكيلات القضائية عام 1999[13]. كما كان يقصد مسؤولين آخرين، كنائب رئيس الوزراء الأسبق عصام فارس. ويذكر الرئيس سليم الحص في مقابلة مع "النهار" أن عضوم كان يزوره مطلع كلّ أسبوع عندما توّلى منصب رئاسة الحكومة[14].

 

سياسيون يرتادون ديوانه

على صعيد آخر، من الملفت أن عضوم كان يستقبل بشكل منتظم السياسيين في "ديوانه" في قصر العدل. فتنقل الصحف أنه استقبل وزير الأشغال العامة والنقل آنذاك نجيب ميقاتي للحديث عن قضية موقوفي الضنية، فطلب هذا الأخير الإسراع في المحاكمة لإنصاف هؤلاء. كما استقبل وزير الداخلية الياس المر "من أجل تبادل المعلومات وتقويم الإنجازات التي حصلت أخيراً على صعيد مكافحة المخابرات[15]". وأتت الزيارة بعد تداول معلومات في الصحف عن تغيّب المر عن اجتماع لمجلس الأمن المركزي بسبب خلاف مع عضوم. فما كان من هذا الأخير إلا زيارة عضوم لدحض الملابسات والتأكيد على "أن وزير الداخلية ورئيس مجلس الأمن المركزي الذي يترأس الإدارات هو تحت سقفي القانون والقضاء[16]"، حسب ما صرّح للإعلام. كما زاره رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية النائب سامي الخطيب للحديث عن "مواضيع الإصلاح الإداري والملفات المثارة أمام القضاء من مخالفات وإهدار أموال[17]" تتولى النيابة العامة التحقيق فيها. واستقبل وزير الصحة آنذاك سليمان فرنجيه الذي وضع الزيارة في إطار "دعم القضاء[18]". ووصف فرنجيه عضوم بالصديق الذي يحتاج إلى دعم في "الظرف الذي يتعرّض له القضاء كثيرا[19]". وأثنى عضوم على كلام فرنجيه معتبراً أن الزيارة هي للمجاملة والتعبير عن الصداقة. حتى أن عضوم كان يستقبل سفراء الدول الأجنبية فنجد في الصحف أخباراً عن استقباله السفير الألماني أو السفير الأميركي.

 

العلاقة مع الإعلام

حرص عضوم من جهة على تطوير القدرات التواصلية للنيابة العامة التمييزية لإعلام الرأي العام بوجهة نظرها والدفاع عن القضاء والأجهزة الأمنية، منتهجا في الآن نفسه سياسة هزّ العصا إزاء الإعلاميين حفاظا على الخطوط الحمراء التي لا يقتضي تجاوزها. 

 

مؤتمرات صحافية

قد يكون عضوم هو القاضي الوحيد في تاريخ القضاء ما بعد الحرب الذي يتوّجه بشكل دوري إلى الإعلام، إن كان عبر المؤتمرات الصحافية أو المقابلات أو حتى البيانات. استطاع خلال عهده خلق نوع من الدينامية سمحت بإطلاع الرأي العام على ما يريده من تفاصيل. كما أنه استخدم الاعلام كمنبر لمهاجمة خصومه وتوجيه رسائل لهم بإمكانية ملاحقتهم.

اعتبر عضوم أن مشاركة الرأي العام بمعلومات حول القضايا التي تثير اهتمامه ضروري. ورأى أن "ذلك يتطلب الكلام على أمور سرية قد يؤدي كشفها إلى مخالفة القانون. فإذا كتمنا هذه المعلومات يقولون أن ثمة إرادة بالإخفاء، وإذا أعلنّاها يقولون أنهم خالفوا القانون. القضاء لا يمكنه أن يتكلم دائماً في وسائل الاعلام على كل الأمور التفصيلية التي تهمّ الناس[20]".

وسعى أيضاً إلى عقد لقاءات دورية بينه وبين نقيب المحررين ملحم كرم اعتبرها هذا الأخير أنها لتنظيم "مسيرة التعاون المجدي والبنّاء[21]" بين القضاء والإعلام. فيما رأى عضوم أنها تؤسس لعلاقة بين النيابة العامة التمييزية والهيئات النقابية هدفها خلق "تعاون إيجابي مشترك يضع إطارها القانوني العادل[22]".

كما أنه أشرف شخصياً في بعض الأحيان على بعض القضايا المرفوعة ضد الإعلام. كما حصل في قضية ادعاء النائب الياس حبيقة أمام النيابة العامة الاستئنافية على نقيب الصحافة ملحم كرم بصفته رئيس تحرير مطبوعات تصدر عن دار "ألف ليلة وليلة"، وادعاء النيابة العامة المالية على الإعلاميين الثلاثة فؤاد نعيم ووليد شقير وإبراهيم الخوري في ملف "تلفزيون لبنان".

 

الناطق باسم الأجهزة الأمنية والقضائية: الردّ على الاتهامات وعلى المنظمات الدولية

توّلى عضوم طوال هذه الفترة الردّ على تقارير المنظمات الدولية المرتبطة بوضع حقوق الإنسان في لبنان، الأمر الذي يعود عادة إلى وزارة العدل. فركز أيضاً على تلميع صورة النيابة العامة والأجهزة الأمنية خلال فترة "الوصاية السورية". وهي الفترة التي شهدت ملاحقات وتوقيفات واسعة بحق ناشطين معارضين. رفض تهم التعذيب أو تجاوز الأجهزة الأمنية لحدود سلطتها. فلجأ إلى الحجج التي ساقها النظام حينها كـ "إثارة النعرات الطائفية" أو "تهديد السلم الأهلي". 

فجاء ردّه على تقرير وزارة الخارجية الأميركية للعام 2001 في هذا الإطار، حيث رفض "المزاعم" القائلة إنه جرى "انتهاك لحقوق الموقوفين والمعتقلين وتعذيبهم[23]"، خاصة في حق أفراد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي الذين استسلموا إلى السلطة اللبنانية. واعتبر أن التوقيفات التي حصلت في آب 2001 في حق مناصري التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية كان سببها إثارة هؤلاء للنعرات الطائفية وتهديدهم للسلم الأهلي. فتحركت مخابرات الجيش بناء على إشارة من النيابة العامة التمييزية على هذا الأساس، محترمة أصول التوقيف. والدليل أنه تمّ إطلاق سراح من لم يثبت عليهم أيّ جرم.

كما ردّ عضوم على كتاب "لجنة حقوق الإنسان حول التعذيب" التابعة للأمم المتحدة، فأنكر تعرّض موقوفي حوادث الضنية إلى التعذيب. ووصف مضمون التقرير بأنه "مجرد افتراءات[24]". وجاء ردّه على تقرير "منظمة العفو الدولية" الصادر عام 2001 في المنحى ذاته إذ رأى أن التقرير هدفه "تشويه صورة السلطة التي تحاول إحباط مؤامراتهم (أشخاص مشبوهين) الرامية إلى هدم المؤسسات الشرعية[25]". وبرر عضوم التوقيفات باعتبار أن الأحداث في البلد تحتّم "إطلاق يد النيابة العامة بصفتها ممثلاً للمجتمع[26]"، وبأن المجتمع يطالب النيابة العامة بلعب هذا الدور. ووعد بأنه لن يتهاون في حماية اللبنانيين وفي معالجة شكواهم دون تدخل أي طرف خارجي.

كما تصرف عضوم مرارا على أنه المدافع الأول عن القضاء محذرا الجميع من مغبة مهاجمته. فالقضاء "ليس مكسر عصا. لقد شبعنا سماع انتقادات. كل شخص أو مؤسسة، أياً يكن نوعها تتطرق إلى القضاء من دون حق ومن غير موضوعية وتمس بسمعته وتشكل مخالفة للقوانين والأنظمة سيتمّ التعامل مع هذا الكلام وفقاً للمقتضى[27]". وبعد اعترافه بتدخل السياسة بعمل القضاء، طلب من المواطن أن يثق بالقضاء "لأنه نزيه وكفوء ومحصن ولا يتجاوب مع السياسيين والمراجعات. ويجب أن يضع حداً لكلّ من يتدخل في أمره. القضاء ليس مطية لأحد بل هو مستقل وخصوصاً بعد تعديل قانون القضاء العدلي، فليفهم الجميع ذلك[28]".

 

هز العصا للإعلاميين حفظا للخطوط الحمر

لجأ عضوم في بعض الأحيان إلى هز العصا في وجه إعلاميين من خلال دعوة "فنجان قهوة" للحديث عن مسائل أثارت حفيظته. وفي هذا السياق، دعا عضوم في تشرين الثاني 1997 رئيس مجلس إدارة "المؤسسة اللبنانية للإرسال" بيار الضاهر ومعد برنامج "كلام الناس" ومقدمه مارسيل غانم إلى مكتبه في قصر العدل للتحدث معهما في موضوع بث المحطة مقابلة مع الرئيس السابق لمجلس إدارة "بنك المشرق" روجيه تمرز. ونقلت "النهار" عن مصادر قضائية أنها "دعوة إلى فنجان قهوة، ويمكن القاضي عضوم بصفته نائباً عاماً تمييزياً أن يدعو أي لبناني إلى لقائه[29]". وهنا إشارة أخرى إلى محاولة عضوم بسط سلطته على جميع المرافق تحت حجة حماية النيابة العامة التمييزية للمجتمع. واللافت هنا أنه كثرت خلال هذه الفترة استعمال عبارة "أخذنا فنجان قهوة" لدى استدعاء أحد الناشطين إلى جلسة استجواب لدى المخابرات السورية أو اللبنانية. ويبدو أن عضوم لجأ إلى هذا التكتيك أيضاً إذ علق الضاهر عند خروجه من مكتب عضوم قائلاً: "كانت جلسة فنجان قهوة. الأستاذ مرسيل تناولها، وأنا شربت شاياً[30]".

ولم تنحصر مهام عضوم بمتابعة البرامج والصحف أو تنظيم العلاقة مع نقابة الصحافة والمحررين. إذ طلب عضوم في كتاب وجهه في آب 2000 من وزير الإعلام أنور الخليل "إفادته عن البرامج الانتخابية التي بثتها وسائل المرئية والمسموعة وتضمنت تجاوزات لأحكام القانون، وإذا كانت تقاضت مبالغ من أجل بث هذا النوع من البرامج[31]".

 

تعهدات بالتنازل عن حقوق سياسية ومدنية

شهدت هذه الفترة توقيفات عديدة كانت تنتهي معظمها بإرغام الموقوف على التوقيع على تعهد يضمن عدم قيامه مجدداً بالأعمال التي أدّت إلى اعتقاله. وعلى سبيل المثال، فقد منع الدكتور أدونيس عكرة من حضور ندوة حول كتابه "عندما صار اسمي 16، خمسة عشر يوماً في الاعتقال"، الذي تناول فيه فترة اعتقاله في السجن لرفضه الوصاية السورية على لبنان. وكانت في وقت سابق قد تمّت مصادرة نسخ الكتاب ومنع طبعه مجدداً وتوزيعه. ونقلت "النهار" عن عكرة قوله بأنه تلقى اتصالاً من ضابط من الشرطة القضائية حذره من المشاركة في الندوة "وذلك بناء على تعليمات المدعي العام التمييزي القاضي عدنان عضوم[32]". وكان هذا الأخير كشف للصحيفة عينها بأنّ عكره "وقع تعهداً مثبتاً في محضر التحقيق معه، بعدم نشر الكتاب أو المشاركة في ندوات ترويجية له، وبناء عليه فقد طلبنا تذكيره بمحتوى التعهد". لكن عكرة أصرّ على الحضور من دون الإدلاء بأية مداخلة.  

 

 


[1]  قالب حلوى لعضوم على شكل السرايا. جريدة النهار، 14 كانون الثاني 2003

[2]  كلوديت سركيس. مجلس الوزراء يعيّن "حاكم لبنان القضائي". جريدة النهار، 7 تموز 1995

[3]  كلوديت سركيس. عضوم: نعد بأننا لن نتهاون في كل ما يمس الأمن والبحر والهواء. جريدة النهار، 15 تشرين الثاني 1996

[4]  الحدّة ضد المرئي والمسموع تنحسر. جريدة النهار، 13 آب 2002

[5]  عضوم: لا نستهدف فئة وحرية التعبير حدودها سقف القانون. جريدة النهار، 26 أيلول 2002

[6]  عضوم: ادخال المرضى في حال الخطر تحت طائلة المسؤولية. جريدة النهار، 11 كانون الأول 2003

[7]  توقيفات جديدة في ملفات الهدر وعضوم يصطدم برئاسة المجلس. جريدة النهار، 22 أيار 1999

[8]  بري استقبل الجسر وعضوم ومجلس القضاء. جريدة النهار، 18 آذار 2003

[9]  عضوم للمر: التحقيق مع موظفي البلديات لا يتطلب إذناً. جريدة النهار، 6 تشرين الأول 1999

[10]  عضوم: على الوزير أن يحترم القانون فيحضر إلى العدلية ولا يدلي برأيه خارجها. جريدة النهار، 25 آب 2004

[11]  عضوم تعليقاً على بيان المطارنة: انتقاد القضاء ضمن تجاذبات الاستحقاق. جريدة النهار، 2 أيلول 2004

[12]  ريتا شرارة. حفظ النيابة العامة شاغرة هل هو قانوني؟ جريدة النهار، 30 تشرين الأول 2004

[13]  القضاء في منأى عن أي تدخل سياسي. جريدة النهار، 4 حزيران 1999

[14]  سمير منصور. الحص يروي معاناة حكومته مع التوقيف الاحتياطي. جريدة النهار، 1 آب 2001

[15]  عضوم: الوضع الأمني في الضاحية الجنوبية مستهدف. جريدة النهار، 21 تموز 2004

[16]  المرّ زار عضوم رافضاً تسييس الأمن والقضاء. جريدة النهار، 23 تموز 2004

[17]  بحث والنائب العام التمييزي في التنصت. جريدة النهار، 31 تموز 1999

[18]  زار النائب التمييزي دعماً للقضاء. جريدة النهار، 4 كانون الأول 2002

[19]  زار النائب التمييزي دعماً للقضاء. جريدة النهار، 4 كانون الأول 2002

[20] عضوم: ادخال المرضى في حال الخطر تحت طائلة المسؤولية. جريدة النهار، 11 كانون الأول 2003

[21]  كرم شكا إلى النائب العام التمييزي تبليغات ترد على الصحافيين من غير مراجعها. جريدة النهار، 6 شباط 1996

[22] نقيب المحررين التقى عضوم وقضاة. جريدة النهار، 16 كانون الثاني 1997

[23]  عضوم ردّ على "مزاعم" في تقرير الخارجية الأميركية. جريدة النهار، 1 أيار 2002

[24]  عضوم: المزاعم عن سوء معاملتهم افتراء. جريدة النهار، 4 تموز 2002

[25]  عضوم رفض أي انتهاكات لحقوق الإنسان. جريدة النهار، 12 كانون الأول 2001

[26]  عضوم رفض أي انتهاكات لحقوق الإنسان. جريدة النهار، 12 كانون الأول 2001

[27]  عضوم: ممنوع التعرض للقضاء ووصلت إلى المنخار. جريدة النهار، 2 تشرين الأول 1997

[28]  عضوم "رجح" منع التظاهر خلال انعقاد القمة. جريدة النهار، 22 آذار 2002

[29]  دعوة الضاهر وغانم إلى "فنجان قهوة". جريدة النهار، 15 تشرين الثاني 1997

[30]  عضوم: دافعهما السباق الإعلامي. جريدة النهار، 18 تشرين الثاني 1997

[31]  عضوم يطلب من وزير الاعلام معلومات عن البرامج الانتخابية. جريدة النهار، 24 آب 2000

[32]  ندوة اليوم حول كتاب أدونيس العكرة لماذا يمنع المؤلف من الحضور؟ جريدة النهار، 12 آذار 2003