لا شك أن التحولات السياسية التي شهدتها تونس خلال العقد الأخير قد طرحت عديد المواضيع التي كان من الصعب تناولها زمن الحزب الواحد، أي زمن الرأي الواحد والحقيقة الواحدة. ويعد ملف مكافحة الفساد من بين هذه المواضيع التي لم تكن تطرح في تونس بطريقة مباشرة[1] قبيل ثورة ديسمبر 2010- جانفي 2011 لضلوع النظام السابق في ملفات الفساد بصفة مباشرة أو غير مباشرة[2]. ولذلك، فإن النظام القانوني المتعلق بمكافحة الفساد لم يكن، قبل الثورة نظاما متكاملا يهدف بجدية لمكافحة الفساد.

ومع حلول سنة 2011، برزت مكافحة الفساد من بين الأولويات التشريعية لجميع الحكومات المتعاقبة. وفي هذا الإطار، جاء المرسوم عدد 7 لسنة 2011 المؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ثم المرسوم عدد 13 لسنة 2011 مؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية من أول النصوص التي تم اتخاذها مباشرة إثر ثورة 17 ديسمبر2010-14 جانفي 2011 والتي تتعلق بمكافحة الفساد وفق أثر رجعي أي في الفترة السابقة لصدورها. كما تم، في نفس الإطار، بهدف تعزيز الشفافية إصدار المرسوم عدد 41 لسنة 2011 مؤرخ في 26 ماي 2011 يتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية والذي وقع تنقيحه بموجب المرسوم عدد 54-2011 المؤرّخ في 11 جوان 2011.

وبعدما كانت تونس انضمت بموجب القانون عدد 16 المؤرخ في 25 فيفري 2008 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد[3]، صادقت تونس على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد[4] بموجب القانون الأساسي عدد قانون أساسي عدد 73 مؤرخ في 15 نوفمبر 2016.  كما صادقت في الجلسة العامة المنعقدة في 9 جويلية 2019 على الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الفساد الذي تم تقديمه منذ سنة 2016 مع طلب استعجال النظر. بالإضافة إلى ذلك، وبعد تقديم طلبها تلقائيا للانضمام إلى مجموعة الدول الأوروبية ضد الفساد (GRECO)، منذ سنة ،2016 لم تصادق تونس إلى اليوم على الاتفاقية المنظمة لهذه المجموعة بالرغم من مطالبة رئيس هيئة مكافحة الفساد بضرورة الانضمام إليها أمام لجنة الحقوق والحريات. ويبرّر هذا التأخّر، على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة بأن عديد الوزارات معارضة للانضمام إلى هذه المجموعة خاصة منها وزارة العدل ولذلك صعوبة المعايير المعتمدة داخل المجموعة لمكافحة الفساد والتي يمكن أن لا تتمكن تونس من توفيرها[5].

ومنذ سنة 2016، بدأ استخدام "مكافحة الفساد" كشعار سياسي للحكومة وقامت على إثره بمحاولات لإيقاف عديد المشتبه فيهم بالفساد وفق معايير غير واضحة أيّدتها عدد من منظمات المجتمع المدني بينما حذّر البعض الآخر من خطر التلاعب بها وضرورة البدء في إصلاح هيكلي بدل تتبع بعض "بيادق الفساد".

ويبدو أن التركيز على التأسيس لآليات قانونية ومؤسساتية لمكافحة الفساد بات مهيمنا على التعامل بجدية مع ملفات الفساد، وهو ما أدى إلى المصادقة على قانون المصالحة في المجال الإداري[6] الذي يعفو عن عديد من المشتبه فيهم في الضلوع في قضايا فساد خلال النظام السابق. فهذا القانون ينسف كليا مفهوم مكافحة الفساد. هذا التذبذب في التعاطي مع ملف مكافحة الفساد تواصل إلى حدود سنة 2018 و2019 حيث مع التقدّم في سن تشريعات تهدف إلى مكافحة الفساد ترتئي الحكومة رفع التجميد عن أموال أحد أكبر المعنيين بمرسوم المصادرة وهو صهر الرئيس الأسبق وهو ما يجعل من سياسات الحكومات المتعاقبة في مجال مكافحة الفساد متضاربة.

ومن هنا تأتي أهمية البحث من خلال مختلف التشريعات التي تم سنّها بعد سنة 2011 في مدى سعي السلطات التونسية وعلى رأسها الحكومة في تفعيل النصوص القانونية التي صدرت في إطار مكافحة الفساد وبيان فاعليتها وقدرتها على معالجة هذه الظاهرة.

وفيما نشرنا سابقا الحلقة الأولى المتصلة بترشيد السياسات العامة، فإننا ننشر هنا الحلقة الثانية في هذا المجال.  

 

الجزء الثاني: كيف قارب المشرع الآليات القانونية لمكافحة الفساد؟

تم التأسيس صلب النظام القانوني التونسي بصفة تدريجية لعديد الآليات التي تهدف لمكافحة الفساد في القطاعين العام والخاص والتي تضمّنتها عدد من القوانين المصادق عليها خلال هذه العهدة البرلمانية.

 

النفاذ إلى المعلومة: آلية وقائية

يمثل النفاذ إلى المعلومة من أهم الآليات التي يمكن من خلالها مكافحة الفساد[7]. وقد مثّل الحق في النفاذ إلى المعلومة لأهميته من أول الحقوق التي تم تكريسها وذلك من خلال المرسوم 41 المؤرخ في 26 ماي 2011 المتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية. هذا المرسوم أتاح لكل شخص طبيعي أو معنوي الحصول على الوثائق الإدارية الموجودة ب "مصالح الإدارة المركزية والجهوية للدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية".

وبتكريس الدستور صراحة للحق في النفاذ إلى المعلومة (الفصل 32)، أقر مجلس نواب الشعب في 11 مارس 2016 القانون الأساسي عدد 22 المؤرخ في 24 مارس 2016 المتعلق بالنفاذ إلى المعلومة. هذا القانون الذي يعتبر من أهم القوانين التي قام المجلس المنتهية ولايته بالمصادقة عليها، يكرّس بصفة أساسية الحق الدستوري في الحصول على المعلومة ولكنه يكرّس أيضا من حيث آثاره مقتضيات الفصل 15 من الدستور من خلال ترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والمساءلة ويمكّن أيضا من تطوير العمل الإداري وهو ما نص عليه الفصل الأول منه الذي أكد على أن القانون يهدف إلى "تعزيز مبدأي الشفافية والمساءلة، وخاصة فيما يتعلق بالتصرف في المرفق العام". ولتحقيق هذا الهدف أسس هذا القانون لعدد من الإجراءات الواجب إتباعها للنفاذ إلى المعلومة لدى عديد الهياكل العمومية والخاصة التي تنتفع بالمال العام أو التي هي في علاقة به[8]. وعلى هذا الأساس، فإن التصور الذي تم تكريسه من أجل مكافحة الفساد بهذا القانون يهدف فقط إلى حماية المال العام دون المال الخاص وهو ما لا يستوعب مجال مفهوم الفساد المذكور سواء بالمرسوم الإطاري لسنة 2011 أو القانون المتعلق بحماية المبلغين واللذين وضعا تعريفا للفساد يشمل كلا من المال العام والخاص.  

ومن حيث الإجراءات التي أسس لها قانون النفاذ إلى المعلومة، فقد أتاح لكل شخص طبيعي أو معنوي طلب النفاذ إلى "كل معلومة مدونة مهما كان تاريخها أو شكلها أو وعاؤها والتي تنتجها أو تتحصل عليها الهياكل الخاضعة لأحكام هذا القانون في إطار ممارسة نشاطها" (الفصل 3). هذا الحق المكرّس، لا يؤسس فقط لواجب محمول على الهياكل المعنية بتوفير المعلومة بل كذلك لتوفير معلومة ذات جودة أي أن لا يكون الجواب أجوف وغير مفيد، وهو ما أقرته هيئة النفاذ إلى المعلومة في أحد قراراتها[9].

إلا أن تطبيقات هذا القانون لا ترتقي صراحة إلى الآمال المرجوة منه. فإن تمكن عديد الفاعلين، أشخاصا طبيعيين كانوا أم معنويين، من التأثير على عمل عديد الهياكل و"فضح" عدد من عمليات التلاعب بالمال العام إلا أن تطبيقاته القانونية من جهة والعملية من جهة أخرى حالت دون تحقيق الفاعلية المرجوة منه. فعلى مستوى التطبيق القانوني لهذا النص، فقد عمدت الحكومة وفق عدد من المناشير إلى التضييق من حق النفاذ إلى المعلومة نذكر منها خاصة منشور رئيس الحكومة عدد 4 لسنة 2017 المؤرخ في 16 جانفي 2017 والمتعلق بخلايا الإعلام والاتصال الراجعة بالنظر للوزارات والمؤسسات والمنشآت[10].

أما من حيث التطبيقات العملية لهذا القانون، فإن عديد الهياكل العمومية والوزارات لا تزال غير محترمة لواجب توفير المعلومة. فعلى مستوى الاستثناءات المذكورة بالقانون للحق في النفاذ إلى المعلومة والتي وردت بالفصل 24 من القانون والتي تمكّن الهيكل المعني من رفض طلب النفاذ إلى المعلومة إذا كان "يؤدي إلى إلحاق ضرر بالأمن العام أو بالدفاع الوطني أو بالعلاقات الدولية فيما يتصل بهما أو بحقوق الغير في حماية حياته الخاصة ومعطياته الشخصية وملكيته الفكرية"، فإن تأويلها يكون في بعض الأحيان تأويلا واسعا. إذ لا تزال بعض الهياكل العمومية خاصة منها الوزارات تعمد إلى وضع أختام إدارية متضمنة لعبارات تفيد سرية الوثائق الإدارية على غرار "سري جدا" أو "سري للغاية"، وهو ما أشار إليه منشور رئيس الحكومة لسنة 2017، في جزء منه، من خلال التنصيص على ضرورة التخلي عن هذه الممارسة.

بالإضافة إلى ذلك، لا تزال عديد الوزارات والهياكل العمومية إلى اليوم متلكئة عن توفير المعلومة لطالبيها[11]. ولا أدلّ على ذلك من عدد القضايا المرفوعة أمام الهيئة الوطنية للنفاذ إلى المعلومة الذي بلغ خلال السنة الأولى لعمل الهيئة ألف قضية بالإضافة إلى المصاعب والعراقيل التي تواجهها من أجل تطبيق أحكام القانون وفرضه على مختلف الهياكل المعنية والبت في القضايا المقدمة أمامها[12].

 

التبليغ عن الفساد وحماية المبلغين

لم يولِ المشرّع مسألة التبليغ عن الفساد، على أهميتها، أهمية كبيرة. فقد اقتصر التنصيص بالأساس على ما نصّ عليه الفصل 29 من المجلة الجزائية الذي وضع على عاتق السلط والموظفين العموميين إشعار النيابة العمومية بما اتصل بعلمهم من الجرائم أثناء أدائهم لمهامهم[13]. نص المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 المتعلق بمكافحة الفساد في الفصل 11 منه على أن "تضمن الدولة في إطار سياستها لمكافحة الفساد التشجيع على التبليغ عن حالات الفساد بنشر الوعي الاجتماعي بخطره والتقليص من العراقيل القانونية والعملية التي تمنع كشفه وإثباته وإقرار تدابير لحماية الضحايا والشهود والمبلغين". ويعد هذا التنصيص ترجمة لما تضمنته الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد بفصليها 32 و33 والتي تم التأكيد صلبها على ضرورة أن تقوم كل دولة عضو بالاتفاقية على إدخال تدابير مناسبة "لتوفير الحماية من أي معاملة لا مسوغ لها لأي شخص يقوم بحسن نية ولأسباب وجيهة بإبلاغ السلطات المختصة بأي وقائع تتعلق بأفعال مجرّمة" صلب نظامها القانوني وهو تقريبا نفس التعريف الذي تمّ اعتماده للمبلغ صلب النظام القانوني التونسي[14].

وتدعيما لما تقدم، صادق مجلس نواب الشعب على القانـون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المؤرخ في 7 مارس 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين ولذلك لما تمثله حماية المبلغين من تكريس فعلي لإحدى الآليات التي أثبتت في العديد من التجارب المقارنة فاعليتها في مجال مكافحة الفساد[15]. وقد ضبط هذا القانون أيضا، من جهة، جملة الهياكل العمومية المعنية بتطبيق أحكام هذا القانون بما فيها انطباقه عليها. ومن جهة أخرى، القطاع الخاص المعني أيضا بأحكام هذا القانون والذي يشمل "كل الأشخاص والمؤسسات والهياكل التي لا تعود ملكيتها إلى الدولة بما في ذلك الشركات والجمعيات والأحزاب وأشخاص القانون الخاص التي تسيّر مرفقا عاما". وهو ما يخرج المؤسسات الخاصة التي لا تقوم بتسيير مرفق عام من نطاق هذا القانون[16]

وقد أسس هذا القانون لعدد من الآليات والإجراءات التي يجب على المبلّغ الالتزام بها في إطار قيامه بالتبليغ. فقد نصّ القانون على إمكانية توجّه المبلّغ مباشرة إلى القضاء[17]، كما مكنه أيضا من توجيه التبليغ كتابيا إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد دون غيرها من الهياكل والهيئات الأخرى.

وإلى حدود شهر جوان 2019 أي أكثر من سنة من دخول القانون حيز النفاذ، لم يتم إصدار الأوامر الحكومية الكفيلة بضمان تفعيل أمثل لآلية التبليغ. فالقانون ينصّ على ضرورة إصدار أمرين حكوميين: يتعلق الأول بضبط شروط وإجراءات إسناد الحوافز بالنسبة للهياكل العمومية والخاصة التي تستجيب للممارسات الفضلى المتعارف عليها وطنيا ودوليا، في مجال التوقي من الفساد ومنع حدوثه (الفصل 3 من القانون). أما الأمر الثاني الذي يجب على الحكومة إصداره هو الأمر الحكومي المتعلق بتحديد آليات وصيغ ومعايير إسناد المكافآت المالية للمبلّغين الذين أدّى إبلاغهم إلى الحيلولة دون ارتكاب أيّ من جرائم الفساد في القطاع العام أو إلى اكتشافها أو اكتشاف مرتكبيها أو البعض منهم أو استرداد الأموال المتأتّية منها (الفصل 28 من القانون). وبخصوص هذه الأوامر، أشار الناطق الرسمي للحكومة خلال جلسة الاستماع التي نظمتها لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام في 24 جوان 2019 على أن هذه الأوامر الحكومية جاهزة وقد تم عرضها أمام المجلس الوزاري المنعقد في 31 ماي 2019. 

كما تضمّن هذا القانون تعريفا لمفهوم "الحماية" وبابا كاملا يتعلق بها. يقصد بالحماية "جملة الإجراءات الهادفة إلى حماية المبلّغ عن الفساد ضد مختلف أشكال الانتقام أو التمييز التي قد تسلط عليه أو ضد كل شخص وثيق الصلة به بسبب تبليغه عن حالات الفساد، سواء اتّخَذ الانتقام من المبلّغ شكل مضايقات مستمرة أو عقوبات مقنّعة وبصفة عامة كل إجراء تعسفي في حقه بما في ذلك الإجراءات التأديبية كالعزل أو الإعفاء أو رفض الترقية أو رفض طلب النقلة أو النقلة التعسفية أو شكل اعتداء جسدي أو معنوي أو التهديد بهما. كما تشمل تدابير الحماية والشهود والخبراء وأيّ شخص آخر تقدّر الهيئة أنّه عرضة للضرر بمناسبة الإبلاغ أو تبعا له. وتسند الحماية بقرار من الهيئة ويتمّ تنفيذ قرارات الحماية بالتنسيق مع السلطات العمومية المعنية بتوفيرها وخاصة الأمنية وفق التشريع الجاري به العمل.

وقد أكّد القانون عدد 10 لسنة 2017 على الدور المهم للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تفعيل أحكام هذا القانون إذ أنها الهيكل الأساسي المكلف بحماية المبلغين. إذ يجب "الحفاظ على سرية هويّة المبلّغ بشكل كامل من قبل الهيئة، ولا تكشف هويّته إلا بعد موافقته المسبقة والكتابية.
يمكن عند الضرورة، واحتراما لحقوق الدفاع الاستماع إلى المبلّغ كشاهد أمام الجهة القضائية ذات النظر التي تتّخذ ما يلزم من تدابير لحماية سريّة هويّته تجاه الغير" (الفصل 22). كما لا يمكن تسليط "أيّة عقوبات تأديبية أو جزائية (على المبلّغ) على أسـاس مخالفته للسرّ المهني أو لواجب التحفظ إذا اتخذت تلك العقوبات بمناسبة الإبلاغ أو تبعا له. كما يتمتع المبلّغ بالإعانة العدلية وبالإعانة القضائية لدى المحكمة الإدارية في خصوص الدعاوى المثارة ضده أو التي يقوم بإثارتها والمرتبطة بإبلاغه عن الفساد وذلك بصرف النظر عن الشروط المستوجبة للانتفاع بها". كما تضمّن الفصل 25 من القانون المتعلق بحماية المبلغين بأن يشمل قرار الحماية الصادر عن الهيئة تمتّع المبلّغ بكل أو بعض الإجراءات الحمائية مثل توفير الحماية الشخصية، ونقله من مكان عمله وتوفير الإرشاد القانوني والنفسي.

في هذا الصدد، يلحظ أن الفصل 6 من القانون جعل الهيئة مختصة "وجوبا بالنظر في الإبلاغ عن حالات الفساد" في حال كان المبلغ عنه رئيسا للهيكل العمومي المعني أو أحد أعضاء الهيئات الدستورية المستقلة أو المجلس الأعلى للقضاء أو المحكمة الدستورية أو مجلس نواب الشعب أو الجماعات المحلية أو ينتمي إلى القطاع الخاص. وتشير القراءة العكسية لهذا الفصل إلى أن الهيئة لا تختصّ وجوبا في الإبلاغ عن جميع الحالات الأخرى من الفساد. كما أن لها أيضا سلطة تقديرية في إعداد الملفات موضوع الإبلاغ ومتابعتها لدى القضاء حسب ما نص عليه الفصل 15 من القانون المتعلق بحماية المبلغين. وفي إطار تطبيق هذا القانون، قامت الهيئة خلال سنوات 2016 و2017 و2018 بإحالة 544 ملفا لمختلف الجهات القضائية لم يتم البت سوى في 21 قضية منها فقط بينما الملفات المتبقية لا تزال في مرحلة البحث بعضها لدى النيابة العمومية (192 ملفا) وبعضها الآخر لدى حاكم التحقيق (274 ملفا).

يبدو هذا النظام في التبليغ عن الفساد حسب بعض المتابعين نظاما "غريبا" عن التنظيم الإداري التونسي إذ أنه يجعل الهيئة وكأنها فوق الهياكل العمومية من خلال توجيهها لتعليمات لمنظوري هذه الهياكل والحال أنه كان من الأجدر إسناد دورها إلى خلايا الحوكمة صلب الهياكل العمومية[18].

كما يسجل بعد مرور أكثر من سنة من دخول القانون حيز النفاذ، أن عديد أحكام القانون ما تزال غير نافذة من بينها تركيز "الهيكل الإداري المختص" بتلقي البلاغات عن الفساد صلب الهياكل الإدارية العمومية. إذ بلغ عدد الهياكل التي امتثلت لهذا الواجب 78 هيكلا من بين 1000 هيكلا عموميا مطالبا بذلك. كذلك الشأن أيضا بالنسبة للوزارات حيث أن 8 منها فقط قامت بتركيز الهيكل المختص والولايات كذاك التي لم يتجاوز عددها 6 ولايات من بين 24 وهو ما يعتبر نسبة ضعيفة جدا من شأنها تعطيل عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

 

التصريح بالمكاسب والمصالح

تضمّن التشريع التونسي قبل سنة 2011 نصا قانونيا يتعلق بالتصريح بالذمة المالي وهو القانون عدد 17 لسنة 1987 المؤرخ في 10 أفريل 1987 المتعلق بالتصريح على الشرف بمكاسب أعضاء الحكومة وبعض الأصناف من الأعوان العموميين والذي بقي نصا دون أي أثر يذكر على مكافحة الفساد وذلك بفعل غياب الإرادة السياسية في تفعيله، وكذلك نظرا لضيق قائمة المشمولين بتطبيقه والتي استبعدت وظائف حسّاسة كرئيس الجمهورية ونواب الشعب.

إلا أنه مع صدور دستور 27 جانفي 2014 الذي تضمّن في فصله 11 ضرورة التصريح بالمكاسب لشاغلي الوظائف العليا بالدولة، أصبح من الضروري إصدار تشريع في الغرض. وعلى هذا الأساس، صدر القانون عدد 46 المؤرخ في 1 أوت 2018 المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح. هذا القانون وسّع في قائمة المعنيين بالتصريح صلب فصله الخامس لتغطي عددا هائلا من الموظفين العموميين والمسؤولين السامين في الدولة. وقد توسع القانون ليشمل أشخاصا حتى من خارج هياكل الدولة على غرار مسيري الأحزاب السياسية وأصحاب المؤسسات الإعلامية والصحفيين وأعضاء مكاتب النقابات المهنية المركزية أو الجهوية أو القطاعية...

وفي إطار تفعيل أحكام هذا القانون، صدر الأمر الحكومي عدد 818 المؤرخ في 11 أكتوبر 2018 المتعلق بضبط أنموذج التصريح بالمكاسب والمصالح والحد الأدنى للمكاسب والقروض والهدايا الواجب التصريح بها الذي تضمّن صلب الفصل 3 منه على ضرورة التصريح بالمكاسب العقارية والمكاسب المنقولة التي تتجاوز قيمتها المفردة 10 آلاف دينار والقروض المتحصل عليها من قبل الخاضع للتصريح أو قرينه والتي تم سدادها بالكامل في تاريخ القيام بالتصريح والتي تتجاوز قيمتها الأصلية 30 ألف دينار.

ومن الناحية العملية، فإن قائمة المطالبين بالتصريح المذكورة بالقانون والتي قدمت هيئة مكافحة الفساد بشأنها قائمة في الأشخاص المعنيين بالتصريح بالمكاسب والمصالح تضمنت ما يزيد عن 350 ألف شخص. لم يقم بأداء واجب الصريح منها سوى الثلث مع حلول شهر جانفي 2019.

وقد تم خلال مناقشة مشروع قانون التصريح بالمكاسب والمصالح التنبيه إلى هذا الشأن. إلا أن المجلس لم يأخذ بالمقترحات المتعلقة به خاصة على مستوى اللجنة التشريعية. هذا الخيار وضع هيئة مكافحة الفساد في موقف عسير نظرا للعدد الهائل للمطالبين بالتصريح والذي شتّت من مجهوداتها في متابعة المصرحين والمطالبين بالتصريح وضعف نجاعة نظام التصرّف فيه.

كما تم من خلال مشروع القانون المصادق عليه في 18 جوان 2019 المتعلق بتنقيح القانون المتعلق بالانتخابات والاستفتاء تضمين شرط التصريح بالمكاسب والمصالح بالنسبة للمترشحين للانتخابات الرئاسية دون تضمينها بالنسبة للمترشحين للانتخابات التشريعية. وهو ما يعد مستغربا ولا يعكس سوى رغبة النواب في التملص من واجب التصريح خاصة مع عزوف الفاعلين السياسيين عن التصريح بالمكاسب والمصالح إذ أنه، إلى حدود شهر مارس 2019، لم يقم سوى مسيري 10 أحزاب فقط بالتصريح بمكاسبهم ومصالحهم من جملة مسيري 215 حزبا مكون قانونا.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا


[1]  "يتبين من تقارير الهيئات الوطنية والدولية مثل التقرير المشترك بين البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والإتحاد الأوروبي أن 3 مؤسسات رقابية هي الرقابة العامة للمالية و هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية وهيئة مراقبي أمالك الدولة تتوفر على 110 مراقبا، وقد حررت 300 تقرير رقابة سنة 2010 على إثر 585 عملية رقابة منها 117 مراقبة معمقة. وقد انتهى عمل الرقابة العامة للمالية إلى إحالة 13 ملف على النيابة العمومية خلال 3 سنوات (2006-2008)". أحمد الورفلي، "مقاومة الفساد في تونس: الإطار المؤسسي"، مداخلة خلال ندوة تم تنظيمها أيام 6-7 ديسمبر 2011، تونس، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. متوفر على الرابط التالي : http://www.arabacinet.org/files/activities/Ourfelli_Session%201.pdf

[2]  اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، تقرير، أكتوبر 2011. متوفر على الرابط التالي : https://www.iwatch.tn/ar/article/277 ؛ خالد الماجري ، "مكافحة الفساد من خلال تجربة اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة"، المؤتمر الرابع للجمعية التونسية للدراسات السياسية، الإسلاميون والسعي الديمقراطي نحو السلطة، سلسلة: مؤتمرات الجمعية التونسية للدراسات السياسية، تونس، 2012، الصفحات 155-174.

[3]  اتفاقية تم اعتمادها بنيويورك في 31 ديسمبر 2003 ودخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 2005.

[4]  اتفاقية تم اعتمادها بالقاهرة في 21 ديسمبر 2010.

[5]  اجتماع لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام، 24 جوان 2019.

[6]  قانــون أساسي عدد 62 لسنة 2017 مؤرخ في 24 أكتوبر 2017 يتعلق بالمصالحة في المجال الإداري.

[7]  أحمد الورفلي، سبق ذكره، ص. 22-26.

[8]  الفصل 2 ـ ينطبق هذا القانون على الهياكل التالية: رئاسة الجمهورية وهياكلها، رئاسة الحكومة وهياكلها، مجلس نواب الشعب وهياكله، الوزارات ومختلف الهياكل تحت الإشراف بالداخل والخارج، البنك المركزي، المؤسسات والمنشآت العمومية وتمثيلياتها بالخارج، الهياكل العمومية المحلية والجهوية، الجماعات المحلية، الهيئات القضائية، المجلس الأعلى للقضاء، المحكمة الدستورية، محكمة المحاسبات، الهيئات الدستورية، الهيئات العمومية المستقلة، الهيئات التعديلية، أشخاص القانون الخاص التي تسير مرفقا عاما، المنظمات والجمعيات وكل الهياكل التي تنتفع بتمويل عمومي.

[9]  هيئة النفاذ إلى المعلومة، قضية عدد 26 لسنة 2018 المؤرخة في 23 مارس 2018، أنا يقظ ضد المدير العام للوكالة الوطنية لحماية المحيط. منشور بالصفحة الرسمية للهيئة على الفايسبوك.

[10]  لمزيد المعلومات يمكن الرجوع إلى : أيمن الزغدودي، "المنشور والحق في النفاذ إلى المعلومة"، في المناشير السالبة للحريات : قانون خفي يحكم دولة القانون، مؤلف جماعي تحت إشراف الأستاذ وحيد الفرشيشي، الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، تونس، ديسمبر 2018، ص. 32-43.

[11]  يمكن أيضا في هذا الإطار الإطلاع على تجربة الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية من أجل الحصول على المعلومة: الجمعية التونسي للدفاع عن الحريات الفردية، "كيف ترصّدنا شبح المناشير السالبة للحرية؟"، نفس المصدر، ص. 5-9.

[12]  أمل مكي، "لقاء مع عماد الحزقي رئيس هيئة النفاذ إلى المعلومة : تلقينا 228 قضية، فصلنا 95 منها نخشى من توسيع مفهوم "المعطيات الشخصية"، الصحافييون لم يقدموا أي قضية"، المفكرة القانونية، عدد 12، أوت 2018. متوفر على الرابط التالي : https://www.legal-agenda.com/article.php?id=4803

[13]  مازن كرشيد، سبق ذكره، ص. 7.

[14]  عرّف الفصل 2 من القانون عدد 10 لسنة 2017 المبلغ بكونه "كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم عن حسن نية بإبلاغ السلطات المختصة بمعلومات تمثل قرائن جدية أو تبعث على الاعتقاد جديا بوجود أعمال فساد قصد الكشف عن مرتكبيها وذلك طبقا للشروط والإجراءات المنصوص عليها بهذا القانون".

[15]  مازن كرشيد، "النظام القانوني لحماية المبلغين عن الفساد"، الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ص. 3. متوفر على الرابط التالي :  http://inlucc.tn/fileadmin/docs/loi_protec.pdf

[16]  مجلس نواب الشعب، تقرير لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية حول مشروع القانون عدد 41 لسنة 2016 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين، ص. 26. متوفر على الرابط التالي : http://www.arp.tn/site/servlet/Fichier?code_obj=96501&code_exp=1&langue=1

[17]  نزار البركوتي، مكافحة الفساد في القطاع العام : مقاربة في تطبيق الحوكمة الرشيدة، تونس، أكتوبر 2018، ص. 2014.

[18]  نزار البركوتي، سبق ذكره، ص. 212-213.