في عددها الأخير، نشرت الجريدة الرسمية التعميم الذي أصدره رئيس الحكومة سعد الحريري لجميع الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات بحصر مراسلاتها مع رأس النيابات العامة، أي النائب العام التمييزي الجديد غسان عويدات. وقد برر الحريري تعميمه هذا بتصويب العمل القضائي وتحسين أصول التخاطب بين القضاء والإدارات العامة. وفيما سبق لنا التعليق على هذا التعميم على ضوء التعميم الصادر عن عويدات في الفترة نفسها (الأسبوع الأخير من شهر أيلول) والذي كان بدوره طلب من النيابات العامة الامتناع عن أي إجراء بحق أي هيئة عامة إلا بعد إعلامه ومن خلاله، فإن تصريح وزير الاتصالات محمد شقير (وهو من كتلة المستقبلأي كتلة الحريري) برفض تلبية استدعاء النائب العام المالي علي ابراهيم يشكل إضاءة إضافية على معنى التعميمين المذكورين. وهذا ما نستشفه من المعطيات الآتية:

  • أن النائب العام المالي استدعى الوزير مباشرة من دون إعلام عويدات مسبقا والمرور من خلاله، وهو بذلك وضع نفسه في حال خلاف مع تعميم عويدات. وقد جاءه الجواب سريعا، بحيث تعامل شقير مع هذا الاستدعاء وكأنه مجرد دعابة أو تحية بوسعه أن يرفسها أو يسخر منها. وهذا ما فعله من خلال رفض شرب القهوة لدى ابراهيم وتوجيه دعوة مقابلة له لشربها في مكتبه. وقد عبّر الكوميدي هشام حداد ببلاغة عن هذا الموقف بقوله أن شقير استدعى النيابة العامة. وفيما شكّل لزوم الحريري الصمت في هذه القضية علامة رضى على تصرّف شقير، فإنه بذلك كشف نيته من حصر اختصاص الاستدعاءات بعويدات، برغبته التحكم بها وفق ما يشاء. فكأنما تصويب العمل القضائي يتم وفقا له، ليس من خلال رفع الغطاء والحصانات عن السياسيين في إطار مكافحة الفساد وفق ما تعد به الحكومة، بل من خلال رفع القضاء يده عن السياسيين تحصينا لحصاناتهم ومنعا لأي قفزة أو حماسة قضائية في تطبيق القانون من أي نوع كانت.
  • الأمر الثاني اللافت في تصريح شقير هو الوقاحة في توضيح التراتبية، من خلال إفهام القاضي ابراهيم أن أي لقاء يتم في مكتبه (أي مكتب الوزير) وليس في مكتب أي قاضٍ. ومن هذه الزاوية، أبدى شقير كيفية إعادة تصويب أصول التخاطب بين السياسي والقاضي (والتي كان دعا لها التعميمان)، من وجهة نظره. فبفعل هذا التصريح، يظهر الوزير نفسه أعلى من القانون والقضاء، فيما يصور القضاء كتابع للسياسي يدنو عنه رتبة.

وهكذا، وفيما كان ينتظر من الحريري أن يعمم على الوزراء والإدارات العامة وجوب الاستجابة لطلبات القضاء وإعطاء أذونات الملاحقة من دون تأخير، بدا تعميمه وكأنه شكل تحريضا لهؤلاء جميعا على مزيد من التعالي والاستكبار على القضاء وحثا لهم على تجاهل كل ما قد يوجه إليهم من استدعاءات لا تحمل توقيع عويدات نفسه، وهو القاضي المقرب منه بفعل لعبة المحاصصة في التعيينات القضائية.

وقد جاء موقف الحريري في هذا السياق مشابها لموقف أمين عام مجلس الوزراء محمود مكيّة الذي كان رفض الاستجابة لطلب معلومات قدمته "المفكرة" على خلفية أن قانون حق الوصول للمعلومات الصادر في 2017 لا يقبل التطبيق لعدم صدور مرسوم تطبيقي له. وقد شكل هذا الموقف المخالف لمجمل مواقف الحكومة السابقة ولآراء هيئة التشريع والاستشارات أيضا إجهاضا لجهود الشفافية ومكافحة الفساد، وتحريضا لسائر الإدارات العامة على تجاهل هذا القانون وإخفاء أي معلومة ترى من غير المناسب الكشف عنها. 

بالطبع، في لحظات كهذه، يؤمل أن تتوفر في المجتمع قوى قادرة على كبح استكبار الوزير أو حكومته، على إفهامهما أن رفض الامتثال للقضاء أو التذرع بأي حصانة إنما يعني استدعاء غضب الشعب بكامله ضده. بانتظار هذا الأمل، فلنتابع...