الحلقة السابقة: الحماية الجنائية للهويات في ليبيا: 1- الهوية الدينية

 

يتضح من الوثيقة الدستورية الأولى في ليبيا حرص المشرع على عدم وصف الشعب الليبي بوصف عرقي. فدستور 1951 وصف الشعب المقيم فوق الإقليم الليبي والممثل لأحد أهم مقوماتها ب "الشعب الليبي". وقد اتبع النهج ذاته الإعلان الدستوري المؤقت 2011، ومسودة مشروع الدستور2017. إلا أن المشرع الدستوري درج على وصف الشعب الليبي بالعروبة خلال الفترة من 1969 إلى 2011، حيث ظهر مصطلح العروبة قرين الليبية لأول مرة في الإعلان الدستوري 1969 وأستمر في اعلان قيام سلطة الشعب 1977 والوثيقة الخضراء الكبرى 1988. وفي تلك الفترة، عُدلت نصوص القانون الجنائي بما يتلاءم مع تغيير التشريعات الدستورية للهوية الوطنية بإضافة العروبة قرين الليبية، وهو مسلك جنائي لم يتعدل بعد 2011 بالرغم من تغير النص الدستوري وحذفه الإشارة للوصف العرقي المقصور على العروبة.

وعليه، وبعدما كان التجريم حماية للأمة الليبية، قام المشرع بتعديل الفقرة الثانية من المادة 195 من قانون العقوبات ليجرم إهانة الشعب العربي الليبي. وقررت الفقرة الأولى منها عقوبة السجن لمرتكب الفعل.

أما عن اللغة الرسمية للدولة الليبية فلم تتم الإشارة إليها وفقاً لدستور 1951 بيد أن باقي الوثائق الدستورية أكدت على ترسيم اللغة العربية، وذلك وفقاً للإعلان الدستوري 1969 وهو ما أكد عليه الإعلان الدستوري 2011 وعبر مشروع الدستور2017 عنها بوصفها لغة الدولة.

وقد أكد دستور 1951 في مادته 24 على أنه لكل شخص الحرية في استعمال أي لغة في المعاملات الخاصة أو الأمور الدينية أو الثقافية أو الصحافية أو أي مطبوعات أخرى أو في الاجتماعات العامة، وهو النص الذي حرم الشعب الليبي منه بحلول الإعلان الدستوري 1969 وإلى يومنا هذا باستثناء نص المادة 55 من المشروع المقترح للدستور 2017 على أن للأشخاص أفرادا وجماعات الحق في استخدام لغاتهم وتعلمها والمشاركة في الحياة الثقافية.

ونلحظ بسط الحماية الجنائية للغة العربية باعتبارها إحدى مقومات الهوية الليبية من خلال التجريم الوارد في القانون رقم 12 لسنة 1984 بمنع استعمال غير اللغة العربية والأرقام العربية في جميع المعاملات. وقد نص على منع استعمال غير العربية في جميع المكاتبات والوثائق والمستندات والمطبوعات والمحررات ويشمل حكم المنع كتابة المفردات أو العبارات الأجنبية بأحرف عربية ويلزم كافة المؤسسات والشركات وغيرها من الجهات الأخرى العاملة في ليبيا التي تستعمل في مكاتباتها لغة أجنبية أن ترفق مع كل معاملة ترجمة لها إلى اللغة العربية. ولا يستثنى سوى المعاملة بالمثل والتقارير الطبية. وحدد جزاء جنائياً لارتكاب هذه الجنحة، الحبس الذي لا يجاوز الشهر والغرامة التي تتراوح ما بين 30 د.ل و200 د.ل أو إحدى هذه العقوبات، مع عقوبة تكميلية وجوبية وهي الحكم بإزالة المخالفة على نفقة مرتكبها. 

وقد ألغي هذا القانون بالقانون رقم 24 لسنة 1369 (2000) بشأن منع استعمال غير اللغة العربية في جميع المعاملات[1]، وهو القانون الذي كان أكثر بسطاً لحماية اللغة العربية، حيث أضاف للمحال التي ترتكب فيها جريمة الكتابة باللغة الأجنبية، فشملت أسماء الشوارع والميادين والإشارات والعلامات والإعلانات واللافتات وأسماء المحلات والوحدات الإدارية والهيئات والمؤسسات والأشخاص الاعتبارية العامة أو الخاصة وجميع أدوات الأنشطة الاقتصادية، وكل ذلك تماشياً مع التطور الاقتصادي للدولة الليبية. كما غيّر القانون من السياسة الجنائية: ففيما قرر الغرامة جزاءا وحيدا، إلا أنه رفع قيمتها بما يلائم القوة الشرائية لها، بحيث لا تقل عن خمسة آلاف دينار. وأضاف عقوبة إلغاء الترخيص وقفل المحل الذي يزاول فيه المخالف نشاطه وحرمانه من الحصول على ترخيص بمزاولة الأنشطة الاقتصادية لمدة سنة من تاريخ صدور الحكم.

كما أضاف القانون صورة إجرامية أخرى من خلال منع استخدام الأسماء غير العربية الإسلامية والأسماء العربية التي لم يقرها الإسلام وكذلك الأسماء ذات الدلالة الخاصة التي تتنافى مع روح الإسلام وهوية الشعب الليبي.. بل أنه حظر تسجيلها بالسجلات والوثائق أياً كان نوعها، وألزم أولياء أمور الأطفال الذين لم يبلغوا سن الدراسة تسوية أوضاعهم، وقرر لهذه الصورة غرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار. وقد ترتب على الحكم بهذه العقوبة حرمان المخالف من الحصول على جواز السفر والتراخيص وغيرها من الوثائق الشخصية. كما أنه وسّع العقوبة لتتجاوز مبدأ الشخصية إلى غير الجاني حيث يُحرم أبناؤه الذين يحملون أسماء بالمخالفة للقانون من القيد بالمؤسسات التعليمية إلى حين إزالة المخالفة.

وإذا كنا نشجب هذا المسلك التشريعي الذي يُعد إنغلاقاً على الذات بما يعيقها من التواصل مع العالم في ظل ظاهرتي العولمة والعالمية، فأننا من باب أولى نعيب هذا المسلك من حيث كونه يحظر على جزء من الليبيين استعمال لغتهم والتعبير بها والتسمية بأسمائها وهذا سلوك معيق للمصالحة الوطنية ويولد الإحساس بالإقصاء ويعد نوعاً من أنواع التمييز.

ويجدر بنا الإشارة للحماية الإجرائية المتمثلة في اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للمحاكم الجنائية، والتي تلزم المتهم والشهود والخبراء وهيئة المحكمة بالحديث باللغة العربية وترجمة كل ما يقدم من مستندات بسواها من اللغات، وتلزم المحكمة بتوفير مترجم حال كان أحد المعنيين بالدعوى لا يجيد العربية.

ولم يظهر الشعب الليبي في دستور 1951، بوصفه خليطا من مكونات عرقية مختلفة عربا وتبوا وطوارق وأمازيغ. كل ما صرح به دستور الاستقلال في ديباجته وفي المادة الثالثة منه أن الشعب الليبي من برقة وفزان وطرابلس. وحظرت المادة الحادية عشرة منه التمييز بينهم على أساس الدين أو المذهب أو العنصر أو اللغة أو الثروة أو النسب أو الآراء السياسية والاجتماعية.

في الحقيقة فإن أول ظهور دستوري لهذه التقسيمة العرقية "الأثنية" للشعب الليبي كان في الإعلان الدستوري 2011 حيث صدرها واضعوه في مادته الأولى بقولهم "مع ضمان الحقوق اللغوية والثقافية للأمازيغ والتبو والطوارق وكل مكونات الشعب الليبي". ولم يغفل واضعوه عن الإشارة لحظر التمييز بين الليبيين بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء القبلي أو الجهوي أو الأسري، وذلك في نص المادة السادسة منه.

وهو النهج ذاته الذي سلكه مشروع الدستور في 2017 حيث قررت المادة الثانية منه بأن للليبيين مكونات اجتماعية وثقافية ولغوية وهي تتنوع بين: العربية والتارقية والأمازيغية والتباوية. وحظرت المادة السابعة التمييز بينهم لأي سبب كالعرق أو اللغة أو الجنس أو الميلاد أو الآراء السياسية أو الإعاقة أو الأصل أو الانتماء الجغرافي، وهو ما أكدته المادة السابعة والثلاثين أيضاً.

وبالتساؤل عن مدى بسط الحماية الجنائية لحقوق هذه المكونات والطوائف في عدم التمييز أو الاضطهاد بسبب انتماءاتهم المختلفة، تتمثل بواكير هذا الاهتمام الجنائي في نص المادة 318 المعنونة "إثارة الفتنة بين الطوائف" (كل من حرض علانية على بغض طائفة أو طوائف من الناس أو الإزداء بهابيشكل من شأنه أن يخل بالأمن العام يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة تتراوح بين 120 د.ل أو بإحدى هاتين العقوبتين).

وهي ليست خاصة بالطوائف الدينية حيث أن المشرع قد بسط حمايته على تلك الطوائف في مواد خاصة في الباب الرابع المخصص للجرائم ضد الدين والشعائر الدينية السالف ذكرها. أما هذه المادة فهي تشير إلى طوائف غير دينية وبالتالي تصلح للتطبيق على الطوائف العرقية ولا ندري هل كان ذلك في ذهن المشرع أم لا لغياب المذكرة الإيضاحية للقانون.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى القانون رقم 10 لسنة 2013 في شأن تجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز. وتأتي أهمية هذا القانون من حيث حداثة الاهتمام التشريعي الجنائي بهذه الصور التجريمية التي تبسط حماية لحقوق الإنسان في مواجهة اعتداءات خطيرة وفي الوقت ذاته يُعد القانون استجابة تشريعية لسياسة دولية عبر عنها في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة 1984.

وفي مجال الحماية الجنائية للأفراد من الاضطهاد والتمييز بسبب هويتهم العرقية أو الأثنية نجدها مكرسة في مواد القانون الثالثة والرابعة، فالمادة الثالثة تقضي بتجريم الاضطهاد[2] (يعاقب بالحبس كل من حرم أي إنسان من حق من حقوقه بسبب انتمائه لفئة أو جماعة أو منطقة أو جهة معينة أو بسبب جنسه أو لونه). 

أما المادة الرابعة فهي تقضي بتجريم التمييز (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل موظف عمومي قام بالتمييز بين الليبيين على أساس جهوي أو قبلي أو عرقي في شأن أحقيتهم في التعيين أو الترقية في الوظائف العامة أو استحقاقهم للمنافع والخدمات بقصد حرمانهم أو تعطيل الاستفادة منها أو الإخلال بحق الأولوية في الحصول عليها)

بل أن المادة الخامسة ترسي مبدأ غاية في الأهمية ألا وهو معاقبة كل مسؤول سياسي أو تنفيذي أو إداري حال ارتكب الجرائم السابقة موظف تابع له إذا لم يتخذ ما يلزم من تدابير لمنع ارتكابها إذا كشفها مع قدرته على ذلك أو حال بأي وجه من الوجوه دون عرضها على السلطات المختصة بالتأديب أو التحقيق أو المحاكمة، ومما لا شك فيه أن هذا الحماية الجنائية تعزز مبادئ المواطنة والمساواة بين أفراد المجتمع مما يعزز المصالحة الوطنية بالتبعية.

 

 


[1] منشور بعدد 2 من مدونة التشريعات لسنة 2000.

[2] معلوما أن الاضطهاد جريمة ضد الإنسانية وتمثل انتهاك ممنهج لحقوق الإنسان وهي من بين الجرائم المنصوص عليها في نظام روما للجنائية الدولية المادة السابعة من المحكمة الجنائية الدولية في فقرتها ( 1/ح ) وتسمى جرائم الكره Hate Crimes