مقدمة:

لا شك أن التحولات السياسية التي شهدتها تونس خلال العقد الأخير قد طرحت عديد المواضيع التي كان من الصعب تناولها زمن الحزب الواحد، أي زمن الرأي الواحد والحقيقة الواحدة. ويعد ملف مكافحة الفساد من بين هذه المواضيع التي لم تكن تطرح في تونس بطريقة مباشرة[1] قبيل ثورة ديسمبر 2010- جانفي 2011 لضلوع النظام السابق في ملفات الفساد بصفة مباشرة أو غير مباشرة[2]. ولذلك، فإن النظام القانوني المتعلق بمكافحة الفساد لم يكن، قبل الثورة نظاما متكاملا يهدف بجدية لمكافحة الفساد.

ومع حلول سنة 2011، برزت مكافحة الفساد من بين الأولويات التشريعية لجميع الحكومات المتعاقبة. وفي هذا الإطار، جاء المرسوم عدد 7 لسنة 2011 المؤرخ في 18 فيفري 2011 المتعلق بإحداث لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ثم المرسوم عدد 13 لسنة 2011 مؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية من أول النصوص التي تم اتخاذها مباشرة إثر ثورة 17 ديسمبر2010-14 جانفي 2011 والتي تتعلق بمكافحة الفساد وفق أثر رجعي أي في الفترة السابقة لصدورها. كما تم، في نفس الإطار، بهدف تعزيز الشفافية إصدار المرسوم عدد 41 لسنة 2011 مؤرخ في 26 ماي 2011 يتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للهياكل العمومية والذي وقع تنقيحه بموجب المرسوم عدد 54-2011 المؤرّخ في 11 جوان 2011.

وبعدما كانت تونس انضمت بموجب القانون عدد 16 المؤرخ في 25 فيفري 2008 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد[3]، صادقت تونس على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد[4] بموجب القانون الأساسي عدد قانون أساسي عدد 73 مؤرخ في 15 نوفمبر 2016.  كما صادقت في الجلسة العامة المنعقدة في 9 جويلية 2019 على الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الفساد الذي تم تقديمه منذ سنة 2016 مع طلب استعجال النظر. بالإضافة إلى ذلك، وبعد تقديم طلبها تلقائيا للانضمام إلى مجموعة الدول الأوروبية ضد الفساد (GRECO)، منذ سنة ،2016 لم تصادق تونس إلى اليوم على الاتفاقية المنظمة لهذه المجموعة بالرغم من مطالبة رئيس هيئة مكافحة الفساد بضرورة الانضمام إليها أمام لجنة الحقوق والحريات. ويبرّر هذا التأخّر، على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة بأن عديد الوزارات معارضة للانضمام إلى هذه المجموعة خاصة منها وزارة العدل ولذلك صعوبة المعايير المعتمدة داخل المجموعة لمكافحة الفساد والتي يمكن أن لا تتمكن تونس من توفيرها[5].

ومنذ سنة 2016، بدأ استخدام "مكافحة الفساد" كشعار سياسي للحكومة وقامت على إثره بمحاولات لإيقاف عديد المشتبه فيهم بالفساد وفق معايير غير واضحة أيّدتها عدد من منظمات المجتمع المدني بينما حذّر البعض الآخر من خطر التلاعب بها وضرورة البدء في إصلاح هيكلي بدل تتبع بعض "بيادق الفساد".

ويبدو أن التركيز على التأسيس لآليات قانونية ومؤسساتية لمكافحة الفساد بات مهيمنا على التعامل بجدية مع ملفات الفساد، وهو ما أدى إلى المصادقة على قانون المصالحة في المجال الإداري[6] الذي يعفو عن عديد من المشتبه فيهم في الضلوع في قضايا فساد خلال النظام السابق. فهذا القانون ينسف كليا مفهوم مكافحة الفساد. هذا التذبذب في التعاطي مع ملف مكافحة الفساد تواصل إلى حدود سنة 2018 و2019 حيث مع التقدّم في سن تشريعات تهدف إلى مكافحة الفساد ترتئي الحكومة رفع التجميد عن أموال أحد أكبر المعنيين بمرسوم المصادرة وهو صهر الرئيس الأسبق وهو ما يجعل من سياسات الحكومات المتعاقبة في مجال مكافحة الفساد متضاربة.

ومن هنا تأتي أهمية البحث من خلال مختلف التشريعات التي تم سنّها بعد سنة 2011 في مدى سعي السلطات التونسية وعلى رأسها الحكومة في تفعيل النصوص القانونية التي صدرت في إطار مكافحة الفساد وبيان فاعليتها وقدرتها على معالجة هذه الظاهرة.

وفيما نشرنا سابقا الحلقة الأولى المتصلة بترشيد السياسات العامة والحلقة الثانية المتصلة بحصيلة التشريعات، فإننا ننشر هنا الحلقة الثالثة المتصلة بالإطار المؤسساتي لمكافحة الفساد. 

 

الجزء الثالث: الإطار المؤسساتي لمكافحة الفساد

نص الدستور التونسي لسنة 2014 بفصله 130 على ضرورة إرساء هيئة للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. هذا التنصيص الدستوري جاء ليواكب في مرحلة أولى وجود هيئة لمكافحة الفساد تمّ إحداثها بمقتضى المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 ولإعطائها، في مرحلة ثانية، قيمة دستورية.

 

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: المؤقت الذي يدوم[7]

جاء المرسوم الإطاري عدد 120 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد بضرورة تركيز هيئة وطنية لمكافحة الفساد وهي حسب الفصل 12 منه "هيئة عمومية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي". وقد أسند لها الفصل 13 من ذات المرسوم عديد الصلاحيات من بينها: اقتراح سياسات مكافحة الفساد ومتابعة تنفيذها باتصال مع الجهات المعنية وإصدار المبادئ التوجيهية العامة باتصال مع الجهات المعنية لمنع الفساد ونظم ملائمة لكشفه والكشف عن مواطن الفساد في القطاعين العام والخاص وكذلك تلقي الشكاوى والإشعارات حول حالات الفساد والتحقيق فيها وإحالتها على الجهات المعنية بما في ذلك القضاء وإبداء الرأي في مشاريع النصوص القانونية والترتيبية ذات العلاقة بمكافحة الفساد"، وغيرها من الصلاحيات. كما ألزم الفصل 15 من نفس المرسوم المصالح والهياكل العمومية المختصة على مساعدة الهيئة في "جمع المعلومات والإحصائيات حول المسائل المرتبطة بمهامها وتنفيذ إجراءات حماية الضحايا والشهود والمبلغين".

كما ضبط المرسوم عدد 120 طريقة عمل الهيئة. إذ نص الفصل 16 منه على أن الموارد المالية للهيئة تتكون من "الاعتمادات المالية التي ترصد لها من ميزانية الدولة وكذلك المنح والهبات والمساعدات التي تتحصل عليها بموافقة مجلس الهيئة". كما مكّنها المرسوم من ميزانية مستقلة تلحق بميزانية الوزارة الأولى يكون رئيس الهيئة آمر صرفها. كما استثنى الفصل 17 من ذات المرسوم المعاملات المالية للهيئة من مسك محاسبة وفق مجلة المحاسبة العمومية ـ

وبخصوص تركيبتها فقد نص الفصل 18 من المرسوم عدد 120 على تركيبة تتكون من رئيس للهيئة ومجلس وجهاز للوقاية والتقصي وكتابة عامة.

ويتم تعيين الرئيس بأمر يتّخذ باقتراح من الحكومة من بين الشخصيات الوطنية المستقلة ذات الخبرة القانونية المتميزة." كما تتضمن الهيئة حسب الفصل 20 مجلسا يتألف من رئيس الهيئة وأعضاء (7 على الأقل من سامي الموظفين وممثلين عن هياكل الرقابة والتدقيق والتفقد والتقييم و7 على الأقل عن منظمات المجتمع المدني والهيئات المهنية من ذوي الكفاءة والخبرة في المسائل ذات العلاقة بمهام الهيئة، و3 قضاة عدلي وإداري ومالي وعضوين عن قطاع الإعلام والاتصال). ويتم تعيين هؤلاء الأعضاء أيضا بأمر بناء على اقتراح من الحكومة، بعد التشاور مع الأطراف المعنية. وهو ما يكرّس الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الحكومة في عمل الهيئة من خلال تسمية أعضائها.

ومنذ بعثها، لم تقم الهيئة إلا بتكوين مجلسها بموجب الأمر عدد 2394 لسنة 2013 المؤرخ في 4 جوان 2013 والذي لم يجتمع منذ تركيزه إلى حدود أكتوبر 2018 إلا مرة واحدة بتاريخ 17 جويلية 2013. بالمقابل، لم تتمكن الهيئة من تشكيل جهاز الوقاية والتقصي إذ لم تقم الحكومة بإصدار الأمر المتعلق به وغاب معه بالتالي النشاط الاستقصائي والتحقيق في جرائم الفساد.

وتطبيقا لأحكام الفصل 130 دستور تونس لسنة 2014 صادق المشرّع على القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017 المؤرخ في 24 أوت 2017 المتعلّق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. هذا القانون يلغي الباب الثاني من المرسوم عدد 120 لسنة 2011 المتعلق بهيئة مكافحة الفساد ويعوضها بالهيئة الدستورية.

ولا بد من الإشارة بأن النموذج المعتد من خلال إرساء هذه الهيئة له عديد الإيجابيات والسلبيات. إذ من بين الإيجابيات يمكن وجود هيئة جديدة يمكّن من إرساء قواعد حوكمة جديدة كما من شأنه أن يمكّنها من استقلالية أكبر تجاه المؤسسات العمومية. أما من بين السلبيات، فإن هذا الخيار يستوجب اعتمادات ونفقات عمومية إضافية وإرساء مناخ للمنافسة في مجال مكافحة الفساد بين الهيئة وهيئات الرقابة[8]. هذه الهيئة الدستورية لا تختلف كثيرا من حيث صلاحياتها عن هيئة مكافحة الفساد.

وينص القانون المنظم لها أن تتولى الهيئة رصد حالات الفساد والتقصي فيها والتحقق منها قبل إحالتها على الجهات الإدارية والقضائية المختصة (الفصل 16). وفي هذا الإطار، منحت الهيئة صلاحية "استدعاء (أي) شخص سواء من القطاع العام أو القطاع الخاص للاستفسار والتحري معه حول شبهات الفساد" (الفصل 20) وتدوين "الشكايات والتبليغات بمحضر يمضي عليه الشاكي أو المبلّغ أو الشاهد" يتضمّن الأفعال التي من شأنها أن تكون موضوع تقصّ ووسائل الإثبات المصاحبة (الفصل 21). كما يمكن للهيئة أيضا اتخاذ محاضر حجز لممتلكات المشتبه فيهم في الضلوع في قضايا فساد وذلك وفق إجراءات يضبطها الفصلان 22 و23 من القانون. ويمكن للهيئة أيضا في صورة وجود شبهة فساد جدية، أن تطلب من السلطة القضائية المختصة اتخاذ الإجراءات التحفظية اللازمة كتحجير السفر أو تجميد الأموال أو الممتلكات" (الفصل 25).

كما تختلف الهيئة الدستورية عن هيئة مكافحة الفساد من حيث تركيبتها أيضا. فبالنسبة إلى مجلس الهيئة، فإنه يتركب حسب الفصل 35 من أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة (3 قضاة عدلي ومالي وإداري ومحامٍ و4 مختصين في مراقبة الحسابات أو التدقيق والعلوم الاجتماعية والجباية أو الرقابة الإدارية والمالية أو الاتصال والإعلام وناشط من منظمات معنية بمكافحة الفساد) ، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات". يتم انتخاب هؤلاء الأعضاء من قبل مجلس نواب الشعب ويتم تجديد ثلثهم كل سنتين. كما أنه خلافا لهيئة مكافحة الفساد يمكن للهيئة الدستورية إحداث فروع لها داخل تراب الجمهورية بقرار من مجلسها.

ولابد من الإشارة إلى أن تفعيل قانون هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد لم يتم حتى اليوم إذ لم يتوصل مجلس نواب الشعب، خلال عهدته الحالية، إلى انتخاب أعضاء مجلسها. وهو ما سيجعل من هيئة مكافحة الفساد هيئة قائمة إلى حين حصول توافق بشأن المرشحين لعضوية مجلسها.

 

الهيئات القضائية

يعتبر القضاء من أهم الآليات الكفيلة بمكافحة الفساد وركنا من أركان نظام النزاهة الوطني. إذ أنه الفيصل في البت في شبهات الفساد المحالة عليه وتسليط العقوبات المستوجبة على الفاسدين وبالتالي هو المسؤول الأول عن تفعيل النظام القانوني المتعلق بمكافحة الفاسد. وعلى هذا الأساس، تم، من جهة، إحداث قضاء متخصص في مجال مكافحة الفساد، ومن جهة أخرى، تعميق دور دائرة المحاسبات.

 

1- دور القضاء المالي

تم إحداث محكمة المحاسبات بموجب الفصل 117 من دستور تونس لسنة 2014، لتحل محل دائرة المحاسبات[9] السابقة لدستور 2014 والتي كانت اضطلعت بدور رقابي مهم بالرغم من عديد النقائص التي شابت اختصاصها[10]. ولتفعيل أحكام الدستور التونسي تمت المصادقة على قانـون أساسي عدد 41 لسنة 2019 مؤرخ في 30 أفريل 2019 المتعلق بمحكمة المحاسبات والذي نصّ على أحكام انتقالية تقضي عمليا بأن تدخل أحكام هذا القانون حيّز النفاذ مع بداية شهر جانفي من سنة 2020.

وقد أسند القانون عديد الصلاحيات الرقابية والقضائية لمحكمة المحاسبات في مجال مكافحة الفساد خاصة إزاء الدولة والمؤسسات العمومية التي تكون ميزانياتها ملحقة ترتيبيّا بميزانية الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية والمنشآت العمومية وكل الهيئات مهما كانت تسميتها والتي تساهم الدولة أو الجماعات المحلية أو المنشآت العمومية في رأس مالها بصفة مباشرة أو غير مباشرة والهيئات الدستورية المستقلة وغيرها من الهيئات العمومية المستقلة والهيئات التعديلية.[11]

ولا بد من الإشارة إلى أن تقارير دائرة المحاسبات قد وضعت اليد على عديد المشاكل التي تتعلق بالفساد مثال ذلك تقرير الدائرة عدد 31 الذي أثار عديد مشاكل التصرف في المال العام صلب الهياكل العمومية وهو ما دفع اللجنة الخاصة المتعلقة بالإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام إلى طلب الاستماع إلى الحكومة وتوجيه عديد الأسئلة لها بخصوص المشاكل المطروحة في التقرير (جلسة 24 جوان 2019).

 

2- القضاء المتخصص: القطب القضائي الاقتصادي والمالي:

تم إحداث القطب القضائي الاقتصادي والمالي من خلال القانون عدد قانون أساسي عدد 77 مؤرخ في 6 ديسمبر 2016 يتعلّق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي الذي نصّ الفصل الأول منه على أن "يحدث لدى محكمة الاستئناف بتونس قطب قضائي اقتصادي ومالي يختص بالبحث والتتبع والتحقيق والحكم في الجرائم الاقتصادية والمالية المتشعبة ... وفي الجرائم المرتبطة بها وذلك بالطورين الابتدائي والاستئنافي" والنظر في الجرائم المرتكبة في مجالات المال العام والخاص الموضوع تحت يد الموظف العمومي أو شبهه بمقتضى الوظيفة والديوانة والجباية والصرف والسوق المالية والبنوك والمؤسسات المالية وتمويل الأحزاب والجمعيات والانتخابات والأنشطة التجارية والاقتصادية.

وتجدر الإشارة إلى أن مسار تركيز هذا القطب في البداية قد اتسم بالتسرع والانفعالية إذ أنها كانت بهدف تحقيق نتائج على المستوى السياسي في مجال مكافحة الفساد[12]. وقد جاء هذا القانون كذلك تسوية للوضعية الحرجة التي كان يعيشها القطب القضائي لمكافحة الفساد الذي لم يستند إلى نظام قانوني خاص به ممّا أدى في عديد المرات إلى تعطيل أعماله[13].

وقد نص هذا القانون على صلاحيات القطب المتخصص وطريقة عمله وكذلك تركيبته. إذ نص الفصل 5 ـمن القانون أنه "يتكوّن (...) من ممثلين للنيابة العمومية وقضاة تحقيق وقضاة بدوائر الاتهام وقضاة بالدوائر الجناحية والجنائية في الطورين الابتدائي والاستئنافي يعينهم مجلس القضاء العدلي ويتم اختيارهم حسب تكوينهم وخبراتهم في القضايا المتعلّقة بالجرائم الاقتصادية والمالية" بالإضافة إلى مساعدين فنيين ملزمين بالمحافظة على السرّ المهني وكذلك التصريح بمكاسبهم ومصالحهم لضمان أكثر قدر ممكن من الحياد والاستقلالية (الفصل 10).

ويمكّن هذا التخصص القضائي المسند للقطب في إمكانية تكوين قضاة مختصين في المجال الاقتصادي والمالي على دراية كبيرة بالمعايير الدولية وآليات مكافحة الفساد. كما أن من شأن الطاقم الفني للقطب القضائي تعزيز هذه الخبرة وضمان مزيد انفتاح القضاة وتطوير خبراتهم من أجل تطبيق أمثل للقوانين وللاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد وهو ما من شأنه أيضا إضفاء النجاعة والفاعلية على منظومة مكافحة الفساد بأكملها.

ولم ينص القانون على إمكانية إحالة هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد الملفات التي تقوم بالتحقيق فيها مباشرة على أنظار القطب القضائي، وإنما يتم ذلك من خلال النيابة العمومية وهو ما يعطي سلطة موسعة للنيابة العمومية في تقدير الجرائم الاقتصادية وتكييفها وبالتالي عرضها على أنظار القطب من عدمه وهو ما تم لفت النظر إليه عند مناقشة مشروع القانون ولكن الحكومة رفضت خلاف ذلك[14]. وعلى هذا الأساس،  يبقى دور السلطة التنفيذية والحكومة خصوصا كبيرا في معالجة ملفات الفساد وذلك سواء من خلال دور النيابة العمومية التي تبقى علاقتها مع وزارة العدل ملتبسة وكذلك من خلال الهيئات الرقابية الحكومية.

 

الهيئات الرقابية الحكومية

تعرف الرقابة الإدارية بكونها الرقابة التي تجريها السلطة التنفيذية على مصالحها وهياكلها بواسطة مراقبين يتبعونها ويخضعون لسلطتها. وتتم هذه الرقابة في تونس خاصة من خلال هيئات تعرف بتعددها والتداخل والتشابه فيما بينها. وإن كان إرساء هذه الهيئات يرجع في جزء كبير منها إلى فترة ما قبل 2011، إلا أن العديد منها قد تم تعديل نظامها الأساسي بعد سنة 2011. ويمكن تصنيف هذه الهيئات ضمن فئتين: هيئات رقابة عامة وهيئات خصوصية. الفئة الأولى تضمّ هيئات تضطلع بوظيفة المراقبة الخارجية لهياكل القطاع العمومي. أما الفئة الثانية فتضم هيئات عامة لكن مجال رقابتها متخصص في مجال معين دون غيره على عكس الهيئات العامة التي تنسحب رقابتها على عديد المجالات بصفة أفقية أي في كامل مراحل التصرف. وتتدخل هذه الهيئات إما بصفة قبلية أي سابقة لأعمال التصرف أو لاحقة لها أو أفقية.

ومنذ سنة 2011 تم تغيير عديد الأنظمة القانونية المتعلقة بهذه الهيئات التي كانت موجودة من قبل. كما تم إحداث هيئات جديدة. وإن لم يتم إلى اليوم مراجعة الأنظمة القانونية لكلّ من هيئة الرقابة العامة للمالية[15] وهيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية[16] وكذلك الهيئة العامة للمراقبة الإدارية والمالية[17]، فإنه قد تمت مراجعة النظام القانوني المتعلق بهيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية التي يعود إنشاؤها إلى أول فترات الاستقلال[18]. فقد تم بموجب الأمر عدد 3232 لسنة 2013 المؤرخ في 12 أوت 2013 المتعلق بتنظيم ومشمولات هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية تعديل النظام الأساسي لأعوانها. وتهتم هذه الهيئة أساسا في إجراء الرقابة العليا على مصالح الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية وكل المنظمات والذوات التي تتمتع بتمويل عمومي بصفة مباشرة أو غير مباشرة. وتمارس هذه الهيئة أعمالها الرقابية وفق مأموريات تصدر عن رئيس الحكومة أو كذلك في وقت سابق عن وزير الوظيفة العمومية[19].

أما فيما يتعلق بالهيئات الخصوصية فقد تم، منذ سنة 2011، مراجعة النظام القانوني لهيئة مراقبي الدولة[20] وذلك من خلال الأمر عدد 5093 المؤرخ في 22 نوفمبر 2013 المتعلق بهيئة مراقبي الدولة برئاسة الحكومة وبضبط النظام الأساسي الخاص بأعضائها وكذلك مراجعة النظام القانوني للجنة التحاليل المالية[21] وذلك بموجب القانون الأساسي عدد 26 المؤرخ في 7 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال (الفصل 118). كما تمّ أيضا استحداث هياكل رقابية جديدة تتمثل، أولا، في الهيئة العامة لمراقبي المصاريف العمومية وذلك بموجب الأمر عدد 1683 المؤرخ في 22 أوت 2012 المتعلق بضبط النظام الأساسي الخاص بأعوان سلك مراقبة المصاريف العمومية برئاسة الحكومة، وهي تؤسس لرقابة تتعلق بموضوع النفقات العمومية وصحة تحميلها ومقاديرها وغيرها من المهام التي تتعلق بالتثبت منها في علاقة بالاعتماد المتوفرة بالميزانية. كما تم، ثانيا، إحداث لجان مراقبة الصفقات العمومية من خلال الأمر عدد 1039 المؤرخ في 13 مارس 2014 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية وتهدف أساسا إلى إرساء رقابة على الصفقات العمومية.

هذه اللجان جاءت لتواكب التطور الذي حصل في مجال تأمين مسار إبرام الصفقات العمومية والذي تم تأطيره ومواكبته من خلال الأمر عدد 1039 لسنة 2014 أو كذلك الأمر عدد 498 المؤرخ في 8 أفريل 2016 المتعلق بضبط شروط وإجراءات الإقصاء من المشاركة في الصفقات العمومية خاصة من خلال إشارة الأمر عدد 1039 المنظم للصفقات العمومية إلى ضرورة إحداث "هياكل مراقبة الصفقات العمومية" (الفصل 2). هذه الهياكل تتمثل أساسا في الهيئة العليا للطلب العمومي المحدثة بمقتضى الأمر عدد 5096 المؤرخ في 22 نوفمبر 2013 المتعلق بإحداث الهيئة العليا للطلب العمومي وضبط النظام الأساسي الخاص بأعوان سلك مراقبي ومراجعي الطلب العمومي والتي تنقسم بدورها إلى هيئتين حسب الفصل 148 من هذا الأمر.

ولا شك بأن وجود هذه الهيئات يشكل في حدّ ذاته خطوة تتبع في جزء منها المعايير الدولية في مكافحة الفساد إلا أن طريقة عملها وتركيبتها لا تزال مشوبة بعديد النقائص تمسّ من نجاعتها الفعلية أهمها:

  • كثرة هذه الهياكل وتعددها وتداخل مهامها ممّا يؤثر سلبا على نجاعة تدخّلها،
  • تقييد هياكل الرقابة العامة على مستوى ضبط وتنفيذ المهام الرقابية الموكلة إليها، من طرف سلطة الإشراف، لكونها خاضعة للسلطة التنفيذية،
  • عدم امتلاك التقارير الرقابية لهياكل الرقابة العامة للحجيّة لدى القضاء،
  • عدم نشر التقارير للرأي العام على خلاف ما هو معمول به في العديد من الدول الأخرى[22]

كما لا بد من الإشارة أيضا إلى أن الهيئات الحكومية المعنية بمكافحة الفساد لا تقتصر فقط على الهياكل الرقابية إذ تم بموجب الأمر الحكومي عدد 1158 لسنة 2016 إحداث خلايا للحوكمة بمختلف الهياكل والمؤسسات العمومية وهي خلايا تهدف إلى التوقي من الفساد والاستباق في التصدي له. كما تم بمقتضى أمر حكومي عدد 1072 مؤرخ في 12 أوت 2016 يتعلق بتنقيح الأمر عدد 147 المؤرخ في 18 جانفي 1993 المتعلق بإحداث فريق "المواطن الرقيب" والذي مكّن من توسيع صلاحيات هذا الفريق الرقابي.

هذه الهياكل مع تعددها وتداخل صلاحياتها تبقى هياكل تابعة للإدارة تخضع بالضرورة لنواميس وتجاذبات الإدارة العميقة التي لا تريد في جزء منها تغيير طبيعة العلاقات القائمة وتبقى نجاعتها بالتالي رهينة تغير تلك العلاقات.

 

وفي الختام، فإن ملف مكافحة الفساد في تونس يبقى من بين الملفات الشائكة التي يتداخل فيها بشدة القانوني بالسياسي. فلئن تم تعزيز النظام القانوني بهدف مكافحة الفساد وذلك من خلال سن جملة من القوانين التي تؤسس لآليات جديدة ومن خلال إرساء هيئات تختص بمكافحة الفساد، فإن التعامل مع هذا الملف بقي تعاملا يغلب عليه التوظيف السياسي ويجعل منه بابا للمزايدة.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد | 15 | سبتمبر 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

نكره الفساد الذي يكبر فينا

 


[1]  "يتبين من تقارير الهيئات الوطنية والدولية مثل التقرير المشترك بين البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والإتحاد الأوروبي أن 3 مؤسسات رقابية هي الرقابة العامة للمالية و هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية وهيئة مراقبي أمالك الدولة تتوفر على 110 مراقبا، وقد حررت 300 تقرير رقابة سنة 2010 على إثر 585 عملية رقابة منها 117 مراقبة معمقة. وقد انتهى عمل الرقابة العامة للمالية إلى إحالة 13 ملف على النيابة العمومية خلال 3 سنوات (2006-2008)". أحمد الورفلي، "مقاومة الفساد في تونس: الإطار المؤسسي"، مداخلة خلال ندوة تم تنظيمها أيام 6-7 ديسمبر 2011، تونس، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. متوفر على الرابط التالي : http://www.arabacinet.org/files/activities/Ourfelli_Session%201.pdf

[2]  اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، تقرير، أكتوبر 2011. متوفر على الرابط التالي : https://www.iwatch.tn/ar/article/277 ؛ خالد الماجري ، "مكافحة الفساد من خلال تجربة اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة"، المؤتمر الرابع للجمعية التونسية للدراسات السياسية، الإسلاميون والسعي الديمقراطي نحو السلطة، سلسلة: مؤتمرات الجمعية التونسية للدراسات السياسية، تونس، 2012، الصفحات 155-174.

[3]  اتفاقية تم اعتمادها بنيويورك في 31 ديسمبر 2003 ودخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 2005.

[4]  اتفاقية تم اعتمادها بالقاهرة في 21 ديسمبر 2010.

[5]  اجتماع لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام، 24 جوان 2019.

[6]  قانــون أساسي عدد 62 لسنة 2017 مؤرخ في 24 أكتوبر 2017 يتعلق بالمصالحة في المجال الإداري.

[7]  لمزيد المعلومات حول تطور هيئات مكافحة الفساد في تونس، شرف الدين اليعقوبي، "هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وما تعلمناه من الماضي"، المفكرة القانونية، 10 أوت 2015. متوفر على الرابط التالي : https://www.legal-agenda.com/article.php?id=1195

[8]  تونس الاجتماعية Solidar ، دراسة حول الخيار التونسي في الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، تحت إشراف أحمد صواب وكريم الجموسي ومحمد العيادي، ص. 7. متوفر على الرابط التالي : http://solidar-tunisie.org/publication/merged.pdf

[9]  القانون عدد 8 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بتنظيم دائرة المحاسبات.

[10]  نزار البركوتي، سبق ذكره، ص. 344.

[11]  يراجع مقال محمد  العفيف الجعيدي حول محكمة المحاسبات، منشور في العدد نفسه.

[12]  نزار البركوتي، سبق ذكره، ص. 372.

[13]  قرار تعقيبي جزائي عدد 15621 مؤرخ في 12 ديسمبر 2014 والذي اعتبرت فيه محكمة التعقب ان القطب القضائي هو قطب غير شرعي إذ لم يقع إحداثه وتنظيمه بقوانين خاصة تتعلق بإحداث المحاكم.

[14]  مجلس نواب الشعب، تقرير لجنة التشريع العام حول مشروع قانون أساسي عدد 57-2016 المتعلق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، نوفمبر 2016، ص. 6.

متوفر على الرابط التالي :  http://www.arp.tn/site/servlet/Fichier?code_obj=95249&code_exp=1&langue=1

[15]  الأمر عدد 7 لسنة 1982 المؤرخ في 5 جوان 1982 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بأعضاء الرقابة العامة للمالية.

[16]  الأمر عدد 842 لسنة 1991 المؤرخ في 31 ماي 1991 المتعلق بضبط النظام الأساسي الخاص بأعضاء هيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية.

[17]  الأمر عدد 50 لسنة 1993 المؤرخ في 3 ماي 1993 المتعلق بالهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية.

[18]  خاصة من خلال الأمر عدد 221 لسنة 1959 المتعلق بضبط النظام الأساسي ل"هيئة التفقد العام للمصالح الإدارية" ثم الأمر عدد 133 لسنة 1971 المؤرخ في 10 أفريل 1971. 

[19]  طبقا لأحكام الأمر الحكومي عدد 271 لسنة 2016 المؤرخ في 2 مارس 2016 المتعلق بإحداث وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد.

[20]  الأمر عدد 2231 لسنة 2002 مؤرخ في 30 سبتمبر 2002 المتعلق بإحداث هياكل بالوزارة الأولى. 

[21]  التي تم إحداثها بموجب القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال.

[22]  مجلس نواب الشعب، لجنة الإصلاح الإداري و الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد و مراقبة التصرف في المال العام، تقرير النشاط السنوي للجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام للدورة النيابية الرابعة، جوان 2019، ص. 3. متوفر على الرابط التالي : http://www.arp.tn/site/servlet/Fichier?code_obj=103719&code_exp=1&langue=1