وسعت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أمس في 9/10/2019 مروحة سعيها الدؤوب لحماية النهر وتطبيق القانون 63/2016، بتقديم شكوى لدى النيابة المالية العامة بوجه بلدية زحلة ورئيسها أسعد زغيب، على خلفية تحويل الصرف الصحي الصناعي غير المعالج والناتج عن المدينة الصناعية في زحلة إلى نهر الليطاني. وقدرت المصلحة في كتابها إلى النيابة العامة الكميّة الناتجة غير المعالجة بـ 150 ليتر في الثانية، مسلطة عبر تمديدات الصرف الصحي التي تنقل المياه الآسنة والعادمة من المدينة إلى أسفل جسر برّ الياس حيث يصب مباشرة في نهر الليطاني. و150 متر مكعب في الثانية هي جزء من 50 مليون متر مكعب من المياه الآسنة والصناعية العادمة التي يرميها قضاء زحلة في الليطاني سنويا، وفق المصلحة نفسها. 50 مليون متر مكعب هي 25% من سعة بحيرة القرعون في سنة مطرية كما السنة الحالية وأكثر من 50% من سعتها في سنوات الجفاف.

وتأتي هذه الشكوى ضمن نحو 115 ملفا ودعوى قضائية بسبب التلويث ونحو 100 إخبار وشكوى بسبب التعديات رفعتها مصلحة الليطاني في البقاع والجنوب، وفق ما يؤكد محامي المصلحة علي عطايا ل "المفكرة"، إضافة إلى الإخبارات والشكاوى التي وضعتها المصلحة بعهدة المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم بحق عشرات البلديات الملوثة للنهر في حوض الليطاني.  

والأسوأ في زحلة، وهي القضاء الأكثر تلويثا لنهر الليطاني في حوضيه الأعلى والأسفل، هو واقع محطة تكرير زحلة، التي يعتبرها مجلس الإنماء والإعمار "وجه السحارة" في محطات التكرير التي أنيط به إنشاؤها بمعية وزارة الطاقة في حوض الليطاني، كونها بدأت العمل في العام 2017. ومع ذلك، توثق المصلحة، وفق المعلومات التي حصلت عليها المفكرة، عدم "مطابقة المياه المكررة الخارجة من محطة تكرير زحلة للمواصفات المطلوبة حتى للري"، وفق ما ورد في تقرير للمصلحة عنها. وينص التقرير على الآتي: أن التحاليل التي أقيمت على المياه الداخلة والخارجة من محطة التكرير في زحلة بينت عدم مطابقة المياه الخارجة والمكررة لبعض المعايير الموضوعة لمياه الري (حتى)، وبالتالي هي تتعارض مع الهدف الأساسي للمحطة والمذكور في مقدمة التكرير، المقاييس المخالفة للمعايير الموضوعة لمياه الري هي التالية: الطلب البيولوجي على الأوكسيجين، القولونيات الإجمالية والقولونيات المتحملة للحرارة". وهذه المياه تذهب أيضاً إلى النهر مباشرة.

والفاجعة الأخرى في محطة زحلة، وكونها محطة تكرير غير نموذجية حيث لا تعالج الحمأة، وهي المخلفات الصلبة الناتجة عن الصرف الصحي، أي البراز المختلط بالباكتيريا الناشطة، وفق ما يؤكد الخبير البيئي ناجي قديح ل "المفكرة"، حيث تعالج المحطة هذه الحمأة وفق عقد مع شركة، غير الشركة المتعهدة تشغيلها، عبر تجميعها في برك سعتها آلاف الأمتار المكعبة. ورصدت مصلحة الليطاني وجود واحدة من هذه البرك غير معزولة عن التربة وتتسبب بتلويث المياه الجوفية ونهر الليطاني معاً.

كل هذا وقد بلغت تكلفة إنشاء محطة زحلة التي لزمت في 2002 وبدأ العمل بإنشاءاتها جديا في 2006 ولم يتم تشغيلها لغاية 2017، 32 مليون دولار، وفق ما أكد مصدر معني بالمحطة ل "المفكرة"، برغم أن مشروع إنشائها لحظ كلفة لا تزيد عن 16 مليون دولار.

تخزن محطة زحلة الحمأة الغنية بالباكتيريا النشطة في حفرتين بحجم 8 آلاف متر مكعب أحدهما غير معزولة تلوث الليطاني والمياه الجوفية (الصورة من مصلحة الليطاني)

 

دعوى الليطاني على بلدية زحلة

ادّعت مصلحة الليطاني على بلدية زحلة ورئيسها، وكل من يظهره التحقيق فاعلا أو شريكاً أو متدخلاً، بجرم تحويل مياه الصرف الصحي والصناعي الناتج عن المدينة الصناعية في زحلة إلى مجرى نهر الليطاني". واستندت في شكواها إلى المادة 10 معطوفة على المادة 9 من القانون الرقم 64/1988 وجرم المادة 58 و59 من القانون 444/2002 وجرم المواد 95 و96 و97 من القانون 77/2018، والمادة 748 من قانون العقوبات و210 من قانون العقوبات أيضاً.

وأرفقت المصلحة شكواها بتقرير يوثق التعديات المرتكبة على الأملاك العمومية المحددة في القرار الرقم 144/س الصادر في 10 جزيران 1925/الأملاك العمومية.

وجاءت الشكوى إثر الكشف الذي قام به فريق المصلحة الفني حيث تمّ رصد وتوثيق التعدي من قبل بلدية زحلة على مجرى الليطاني.

ووفق تقرير المصلحة الذي أرفقته بشكواها إلى النيابة العامة، قدرت فرقها الفنية الحجم التقريبي لكميات الصرف الصحي المحوّلة إلى مجرى النهر بما يقارب 128 ألف متر مكعب في اليوم، أي ما يعادل حوالي 46 مليون متر مكعب سنوياً. كما وقدرت كمية الصرف الصناعي غير المعالج والمحول مباشرة إلى مجرى الليطاني سنويا والناتج عن نحو 200 مصنع في الحوض الأعلى بحوالي 4 ملايين متر مكعب، أي أن هناك 50 مليون متر مكعب ملوثة صناعية وصرف صحي تذهب إلى الليطاني سنويا لتروي مزروعات البقاع وتستقر في بحيرة القرعون.

وأشارت المصلحة في تقريرها إلى أنه من المفترض أن شبكة المدينة الصناعية تكون محولة إلى محطة زحلة للصرف الصحي والتي تبعد نحو 3 كيلومتر فقط عن موقع مجرور المدينة الصناعية التي تصب في الليطاني. ولم تغفل المصلحة توثيق عدم التزام المؤسسات الصناعية في المنطقة الصناعية هذه بالمعايير الفنية والبيئية، وهو ما يطرح سؤالاً عن دور وزارتي الصناعة والبيئة في الرقابة وإلزام هذه المؤسسات بأدنى واجباتها، وأيضاً كيفية حصولها على تراخيص التشغيل.

وعلى خط موازٍ، أشارت المصلحة إلى أن عدم معالجة المؤسسات الصناعية لصرفها الصناعي قبل تحويله إلى محطات التكرير من شأنه تعطيل هذه المحطات.

 

الحمأة تلوث الليطاني والمياه الجوفية

وحول عمل المحطة، وثقت المصلحة معلومات تفيد ب "أن شروط تشغيل المحطة مع شركة "سويز" لم تلحظ خطة بالتخلص من الحمأة، لذلك تم تلزيم شركة أخرى تدعى "البنيان" ومهمتها بالأصل تشغيل المحطة، لمعالجة هذا الأمر علما أن شركة "سويز" تقوم بتنشيف مياه الحمأة بنسبة 20% قبل إرسالها الى شركة "البنيان"، وفق مصلحة الليطاني

وبعد تواصل فريق المصلحة مع المهندس روكز أسمر (المدير الفني في شركة "البنيان")، تبيّن أن الشركة "بدأت العمل في المحطة منذ نشأة الأخيرة في العام 2006 واقتصر دورها على التشغيل إلى جانب شركة "سويز" التي تولت الإدارة والدراسات، ومدة عقدها 28 شهرا حينذاك وتم تجديده حتى يومنا هذا. ومنذ أيار 2019، تم تلزيم شركة البنيان مهمة معالجة الحمأة وعلى هذا الأساس تم انشاء حفرة بقدرة 6500 متر مكعب معزولة بواسطة طبقة سفلى من الجيومامبرين وطبقة من الحصى لتنقية المياه ومن ثم طبقة سطحية من الجيوتكستايل وهي ممتلئة حتى الآن بنسبة 80%، على أن يتم بعد امتلائها بالكامل، تغطيتها بذات الطبقات السالف ذكرها وطمرها بالطرق الصحية". وإلى جانب الحفرة الأولى، يتم العمل على إنشاء حفرة ثانية بسعة 8000 متر مكعب وبنفس المواصفات.

إلى جانب الحفرتين الأولى والثانية (من الناحية الجنوبية)، وجد فريق المصلحة "حفرة ثالثة ترابية غير معزولة بسعة 8000 متر مكعب ومليئة بالحمأة". ولدى السؤال، تبين أن هذه الحفرة استعملت في البداية كحل سريع ومؤقت للأزمة على أن يتم نقل محتواها إلى الحفرة الجديدة فور جهوزها.

ووفق فنيّي مصلحة الليطاني، فإن "التقنية المتّبعة بالطمر الصحي تقتصر وبإيجاز على تجميع الحمأة في البرك المعزولة بواسطة الجيوتكستايل وجيومامبرين وتنشيف المياه السطحية بواسطة حرارة الشمس وتصفية باقي المياه عبر طبقات الحصى وإعادة إدخالها الى المحطة لتكريرها. وعند امتلاء الحفرة بالحمأة الخالصة، يتم تغطيتها بواسطة الطبقات المذكورة آنفا ومعالجة الغازات والإنبعاثات بالطرق الفنية المناسبة".

وخلصت المصلحة في تقريرها في موضوع الحمأة إلى أنه "يتم معالجة الحمأة في محطة زحلة بواسطة المطامر المعزولة، وعليه، لا يوجد حل مستدام لمعالجة الحمأة حيث تنتهي القدرة الاستيعابية للحفر الحالية بعد 8 أشهر، وأن الحمأة في الحفرة العشوائية غير المعزولة والتي تقع جنوب المحطة تشكل تهديدا للمياه الجوفية ونهر الليطاني".

وعن معالجة الحمأة، أفاد الخبير البيئي الدكتور ناجي قديح في حديث ل"المفكرة" أن هناك "محطات تعالج الحمأة، ولكن في حال كان هناك محطة لا تعالجها كما محطة زحلة، فأنه لا يجوز أن نرمي هذه الحمأة عشوائيا لأنها ملوثة وهي غنية بالباكتيريا النشطة". وأشار قديح إلى أن بعض الدول تخزن الحمأة في برك عازلة لتحمي التربة من تسربها، ولكن هذه البرك تكون في مساحات واسعة وشاسعة بعيدا عن السكن والمدن والقرى"، وبالتالي ليس كما هو الحال في منطقة زحلة حيث تقع في وسط المنطقة المأهولة من حولها.

واقترح قديح "اعتماد معالجة الحمأة في مركز للهضم اللاهوائي ويمكنهم استخراج الغاز والكهرباء منه". ورأى أنه يمكن تجميع حمأة جميع المحطات في المنطقة ومعالجتها في المركز نفسه مما يؤمن كهرباء لتشغيل المحطات جميعها.