في الأسبوع الأول من تشرين الأول 2019، ادّعت المحامية العامة في جبل لبنان نازك الخطيب على ضابط برتبة نقيب في قوى الأمن الداخلي بارتكاب جرم التعذيب وأحالته إلى القاضي المنفرد الجزائي في الدامور. ويلحظ أن الخطيب باشرت من تلقاء نفسها التحقيق في الأفعال المعزوة للنقيب، بعدما رجع أحد الأشخاص المشتبه بهم بجرم مُخلّ بالآداب العامّة عن إفادته أمام مخفر الدامور، متذرّعا بأنه أدلى بها تحت وطأة العنف الذي تعرض له هنالك من قبل هذا الأخير. ويخرج من التحقيقات الحاصلة في هذا الإطار مع عدد من العناصر العاملين في مخفر الدامور أن النقيب قصد مخفر الدامور بعدما علم أن شخصا يخضع لتحقيقات هنالك بتهمة التحرش بقريبة له، وأنه عمد إلى تعنيف هذا الأخير من خلال صفعه مرّتين ودفشه وتوجيه إهانات له فضلا عن أنه حضر واقعة أخذ إفادته وتولّى هو مخابرة النيابة العامة بفحوى هذه الإفادة بدلا عن الرتيب المسؤول عن التحقيق في المخفر، من دون الإعلان عن صفته. وعند الاستماع إليه، أقرّ الرتيب أنه لم يكن بوسعه منع النقيب من الحضور أو ردعه عن استخدام العنف، بفعل التراتبية بينهما. وفيما يشكل هذا الادعاء تطبيقا نادرا لقانون تجريم التعذيب، فإنه يكشف عن ممارسات خطيرة في أداء قوى الأمن الداخلي من شأنها التأثير سلبا على حقوق المتقاضين.

 

وإذ يسجل أن هذا الادعاء يأتي زمنيا في أعقاب الوعي الحقوقي حول مخاطر التعذيب والذي برز في الخطاب العام تبعا لعودة عامر الفاخوري، فإنه يستدعي هذه القضية الملاحظات الآتية:

 

1- النيابة العامة تبادر للتحقيق في قضايا التعذيب

أول ما يسترعي الانتباه عند التدقيق في هذه القضية هو أن المدعية العامة هي التي بادرت إلى فتح محضر منفصل عن المحضر الخاص بملاحقة الشخص الذي أدلى بتعرّضه للعنف. وهي بذلك أظهرت التزاما منها بتطبيق هذا القانون، على نحو يؤمل منه وضع حدّ لحالات الإفلات من العقاب في هذا المجال كلما تبين للمدعي العام أو قاضي التحقيق أو قاضي الحكم وجود أدلة على حصول أعمال عنف.

وتأتي هذه المبادرة لتقطع مع ممارسات رائجة لدى العديد من قضاة الملاحقة والتحقيق، قوامها التطبيع مع أعمال العنف والتعذيب والتعامل معها على أنها عادية، أو أيضا غضّ النظر عن ادعاءات التعذيب أو حتى دلالاته والتي قد تصل إلى حد التماهي مع الأجهزة الأمنية. وتكتسي المبادرة أهمية مضاعفة في ظل ضعف الثقة العامة بالقضاء والمخاوف المشروعة لدى المتقاضين من تقديم شكاوى تعذيب ضدّ الأجهزة الأمنية، تجنبا لتعرضهم لانتقامات أو ارتدادات سلبية على سلامتهم أو حقوقهم.

 

2- ممارسات جيدة في إجراء التحقيقات

يلحظ أيضا لدى مطالعة أوراق الدعوى، أن المدعية العامة عمدت إلى إجراء التحقيق بنفسها وضمن أقصر المهل حيث لم يستغرق التحقيق 48 ساعة طبقا لأحكام قانون تجريم التعذيب، وأنها استمعت إلى إفادات رئيس مخفر الدامور وعدد من عناصره قبل دعوة الشخص المشتبه به بممارسة العنف. وقد سمح لها هذا الأمر بمواجهته بالأدلة، وانتزاع اعترافه بأفعال العنف المرتكبة منه. ومن هذه الزاوية، أثبتت الخطيب امكانية الالتزام بأحكام القانون فضلا عن إرسائها نموذجا من شأنه تعزيز فعالية التحقيق في جرائم كهذه.

 

3- التوسع في تعريف التعذيب ضمانا لحماية المتقاضين إزاء أعمال التخويف والتعنيف

فضلا عن ذلك، يلحظ أن المدعية العامة فسرت مواد قانون مكافحة جرائم التعذيب على نحو يعزز من طابعه الحمائي للمتقاضين. ففيما يشمل تعريف التعذيب أي عمل يقوم به ... موظف رسمي ... أثناء التحقيق الأولي ينتج عنه ألم شديد أو عذاب شديد جسدي كان أم عقلي، اعتبرت الخطيب في ادعائها أن التصرفات الآيلة إلى ضرب المشتبه به "كفين" وتدفيشه وتوجيه إهانات إليه تدخل ضمن هذا التعريف. ويؤمل أن يؤخذ بهذا الادّعاء من قبل القاضي المنفرد الجزائي في الدامور الذي سينظر في الدعوى على نحو يضمن وضع حد لمجمل الممارسات العنيفة والتخويفية في تحقيقات المخافر.

 

4- أداء دور توعوي حول خطورة جرائم التعذيب

أن المدعية العامة بدت وكأنها تعطي حيزا هام للتوعية إزاء مخاطر جرائم التعذيب، وبخاصة أنه يحتمل أن يعود النقيب ليشرف على تحقيقات أخرى خلال مساره المهني. ولهذه الغاية، عمدت الخطيب إلى إفهام النقيب أحكام القانون وتذكيره بواجباته المهنية، ومنها عدم جواز التعرض بالعنف الجسدي أو المعنوي لأي كان، فضلا عن عدم جواز التدخل في تحقيق أي شخص من خارج المهام المناطة به. كما عمدت الخطيب من ثم إلى انتزاع تعهداته بالالتزام بما أفهم به من موجبات وبعدم تكرار أي من الأخطاء المرتكبة منه، وفق ما دوّن تفصيليا في المحضر. وقد برز التركيز على الجانب التوعوي من خلال اكتفاء النيابة العامة بالادعاء عليه وإحالته إلى المحاكمة بعد إفهامه موجباته وانتزاع تعهداته بالالتزام بها، من دون اتخاذ قرار بتوقيفه. وما دفع ربما المدعية العامة في هذا الاتجاه هو أن أفعال النقيب، على خطورتها، تبقى أقل خطورة من العديد من أفعال التعذيب المقترفة من الأجهزة الأمنية والتي ما تزال بمنأى عن أي ملاحقة أو حتى تحقيق جدّي.

 

5- مؤشرات خطيرة على ممارسات تضليل النيابة العامة

ختاما، تجدر الإشارة إلى أن هذه القضية كشفت عن ثلاثة أفعال خطيرة من شأنها في حال ثبوت شيوعها لدى الضابطة العدلية أن تؤدي إلى تحويل التحقيق إلى مناسبة لفرض روايات معينة بمعزل عن مدى صحتها، وتاليا إلى تمكين عناصر قوى الأمن الداخلي من تضليل النيابات العامة وإعطائها صورة مغلوطة أو مبالغا بها أو مبتورة عن الوقائع موضوع التحقيق، وهي تصرفات من شأنها أن تحمل النيابات العامة في أحيان كثيرة إلى اتخاذ قرارات احتجاز حرية المشتبه بهم تمهيدا للادعاء عليهم.

فإلى جانب امكانية التأثير على الإفادات المدلى بها ودفع الأشخاص المشتبه بهم إلى تغييرها من خلال العنف المستخدم ضدّهم، أظهرت هذه القضية استغلال أحد الضباط رتبته لفرض حضوره في تحقيق تقوم به مفرزة أخرى بهدف التأثير على مجراه، كل ذلك بهدف تحقيق غايات شخصية. وما زاد من فعل هذا الأخير خطورة هو أنه عمد إلى انتحال صفة المحقق المولج إجراء التحقيقات من خلال مخابرة النيابة العامة ضمانا لإفهام هذه الأخيرة رواية موافقة لما يرغب بفرضه.

ومن النافل القول أن هذه التصرفات تقع بدورها تحت مواد من قانون العقوبات، وتحديدا تحت النبذة المتصلة بإساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة، وبالأخص فيما يتصل بالقضية الحاضرة المادة 376 التي تعاقب "كل موظف أقدم بقصد جلب المنفعة لنفسه أو لغيره أو بقصد الإضرار بالغير على فعل لم يخصّ بنص في القانون ينافي واجبات مهنته" بعقوبات تصل إلى ثلاث سنوات حبس.

وفيما يرجح أن لا تكون هذه التصرفات معزولة أو نادرة الحصول، فإن تدخّل النيابة العامة لردعها يبدو ملحا بقدر ما هو ملح تدخلها لردع أعمال العنف والتعذيب.