خرج من العدم، كأنه خطأ في السيناريو. ليجبر الجميع على العودة إلى السطر الأول. هكذا يمكن أن نختصر قصة قيس سعيد، الذي غادر مدارج الجامعة ودروس القانون ليتوجه رأسا إلى قصر قرطاج رئيسا بدعم شعبي لم يحظَ به أحد من قبل في تونس. ويبدو أن الرئيس التونسي الجديد أبى إلا أن يواصل إبهار كل المتابعين للشأن السياسي التونسي، لا بحيثيات مسيرته فقط، بل بما حققه من نتائج وما تلا إعلانه فائزا في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية.

 

حتى ساعات فجر الإثنين الواقع في 14 أكتوبر، كانت منبهات السيارات ما تزال تكسر صمت الليل في العاصمة تونس وفي مختلف مدنها وقُراها احتفاء بظفر قيس سعيد بمنصب رئاسة الجمهورية بعدما نال 72.5% من أصوات الناخبين مقابل خصمه الذي لم ينتخبه سوى 27% بحسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي أعلنت النتائج مساء الإثنين. فرز أصوات 3 ملايين و973 ألف تونسي اصطفوا أمام مراكز الاقتراع طيلة يوم الأحد 13 أكتوبر الجاري، أفرز نتيجة تتجاوز الانتصار التقليدي لتتحول إلى اكتساح وما يشبه الاستفتاء الشعبي على شخص سعيّد الذي لم يكفّ عن إحداث المفاجأة تلوَ الأخرى وهو يزيح في الدور الأول منافسين مدعومين بحاضنات حزبية قوية ويولّد حالة إجماع رهيبة على شخصه بين أطياف لم تكن لتلتقي في ساحة واحدة لولاه.

 

قيس سعيد رجل الأرقام القياسية

لم يكن الفرق الشاسع بين حصيلة الأصوات بين قيس سعيد ومنافسه نبيل القروي والتي تجاوزت 45% الرقم القياسي الوحيد الذي أفرزته هذه الانتخابات. فسعيّد الذي خاض الدور الثاني وسط ذهول خصومه استطاع أن يكسر طاهرة العزوف التي ميّزت الانتخابات الرئاسية وفي دورها الأول والانتخابات التشريعية لتبلغ نسبة الإقبال على التصويت هذه المرة 57.8% أي ما يقارب 4 ملايين تونسي. حالة الشحن التي خلقها هذا الأخير وسط الشارع التونسي تجاوزت المحطات الانتخابية السابقة حيث لم يشارك في التصويت للمترشحين لسباق الرئاسة سنة 2014 سوى 3 ملايين و100 ألف تونسي. المعطى الثاني المبهر في نتائج الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية يكمن فيما حققه سعيّد من التفاف شعبي حوله، ليصوت له أكثر من ثلاثة ملايين تونسي مقابل 900 ألف تقريبا اختاروا خصمه نبيل القروي. حصيلة تبلغ ضعف من صوتوا للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي حاز في 2014 قرابة مليون و700 صوت رغم الحملة الانتخابية الصاخبة لحزب نداء تونس.

بتشريح الأرقام التي أصدرتها شركة سيغما كونساي المختصة في سبر الآراء حول خصائص هذه الكتلة البشرية الضخمة التي رفعت قيس سعيد إلى منصب الرئاسة، تتجلى شيئا فشيئا ملامح مناصريه. حيث تكشف الإحصائيات أن 31.4% ممن صوتوا للرئيس الجديد كانوا مقاطعين للانتخابات التشريعية، بينما توزعت باقي الأصوات على حركة النهضة وحركة الشعب وباقي الأحزاب التي أعلنت اصطفافها خلفه. لكن المفاجأة الأكبر كانت أن نسبة 22% ممن انتخبوه كانوا قد صوتوا في الانتخابات التشريعية لحزب منافسه قلب تونس. رقم صادم وخُمس ناخبي سعيد يغيرون موقعهم من حزب خصمه إلى شخصه متأثرين بالسقطات المتتالية لنبيل القروي والتي بدأت بفضيحة شركة التعبئة الكندية ومديرها الضابط السابق في الموساد ومن ثم فضيحة التحرش لنائب من حزب قلب تونس وأخيرا المستوى الهزيل للقروي في المناظرة التلفزية. هذا ولم تتناقض الإحصائيات السابقة في الدور الأول حول الخصائص العمرية والتعليمية لجمهور المترشحيْن مع الأرقام التي أفرزها الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، إلا أنها تميزت هذه المرة بوضوحها وتحديدها الحاسم لأحزمة كلا المتنافسيْن. فبينما تجاوزت أعمار 50.8% من ناخبي لنبيل القروي عقدهم السادس، فإن البنية العمرية لناخبي قيس سعيد كانت في أغلبها لجيل الثورة، ممن هم دون سن 25 عاما بنسبة 90% وبين 26 و45 سنة بنسبة 83.8%، في حين لم يكن من ناخبي القروي سوى 13.8% من المنتمين إلى هذه الشريحة، بل ارتكز خزانه الإنتخابي على من حرموا من الدراسة بحضور ناهز 58% من إجمالي من صوتوا له، يليهم من اقتصر تعليمهم على المرحلة الابتدائية بنسبة 39.6%. في المقابل كانت الكتلة الانتخابية لقيس سعيد تتكون في معظمها من خريجي الجامعات أو الطلبة بنسبة 86.1%. شريحة تتحمل النصيب الأكبر من ثقل الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة وعجز الحكومات السابقة عن تقديم أي حلول ناجعة.

 

الشارع بألف لون سياسي وبعلميْن

على عكس الحملة الانتخابية لكلا المترشحين التي كانت صامتة إلى حدود الثماني وأربعين ساعة الأخيرة قبل الدخول في فترة الصمت الانتخابي، انفجر الشارع التونسي بعد دقائق من إعلان النتائج الأولية الصادرة عن شركات سبر الآراء. فمن أمام المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة، وصولا إلى ساحة 14 جانفي، غص الشارع الأهم في تونس العاصمة بآلاف المناصرين والمحتفلين بفوز قيس سعيد في مشهد لم يختلف كثيرا عن صورة الحشود يوم 14 جانفي 2011 سوى على مستوى التوقيت. نفس الشعارات والأهازيج الثورية، ونفس التنوع الذي يصل حد التناقض على مستوى الانتماءات السياسية والفكرية للوجوه الحاضرة، ونفس المناخ السائد بأن يوم غد لن يكون كسابقه. إسلاميون ويساريون وديمقراطيون اشتراكيون وقوميون وحتى الفضوليون، الكل تسرب طيلة ساعات نحو شارع الحبيب بورقيبة الذي ظل مزدحما حتى بعد منتصف الليل وسط حضور إعلامي مكثف لنقل لحظة نادرة في تاريخ الشعوب العربية. تنوعت المشارب، ولكنها توحدت تحت علمين، التونسي والفلسطيني. حضور فلسطين طغا ربما على "تونسية" الحدث وقيس سعيد يعيد التذكير بالقضية الفلسطينية في خطابه الذي وجهه للناس من مقر حملته الانتخابية، ليلهب حماس الحشود كما فعل خلال المناظرة وهو يؤكد أن التعامل مع الكيان الصهيوني تحت أي ظرف وبأي مسمى خيانة عظمى.

هذا المشهد الذي استمر لساعات، لم يخلُ من انحرافات خطيرة تمثلت في الإعتداء على أكثر من مصور صحفي من قبل عدد من المحتفلين بدعوى انتمائهم إلى قناة الحوار التونسي التي شنوا ضدها حملة مقاطعة خلال الحملة الانتخابية لموقفها المناهض من صعود قيس سعيد في نتائج الدور الأول، أدت إلى انخفاض متابعي صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك بزهاء مليون متابع. موقف تطور إلى مستوى غير مقبول، تلاه إصدار نقابة الصحافيين لبيان صباح اليوم 14 أكتوبر استنكرت من خلاله هذه الإعتداءات مطالبة الرئيس "بالدعوة الصريحة للتوقف عن الاعتداءات على الصحفيين والاعتذار المباشر عما أقدم عليه أنصاره في مختلف مناطق الجمهورية". وقد استتبع هذا الأكر إدانة صريحة من الرئيس الجديد.

رغم عودة الحياة الطبيعية إلى الشارع بعد احتفالات إعلان النتائج، إلا انّ الساحة السياسية ستعيش خلال الأيام اللاحقة حركة دؤوبة في انتظار تسلم قيس سعيد لمهامه بشكل رسمي في نهاية الشهر الجاري. تحركات سيكون بعضها في العلن وأخرى في الكواليس لترتيب توازنات مشهد سياسي في غاية التناقض، ولجس نبض الساكن الجديد لقرطاج، المجهول لدى معظم الحرس القديم للنظام، والحامل لآمال ما يمكن تسميته بالموجة الثانية لارتدادات ثورة 14 جانفي 2011.