نشر يوم 15-10-2019 القاضي التونسي حمادي الرحماني[1] تدوينة على صفحته للتواصل الاجتماعي فايسبوك تحت عنوان "سندفع غاليا ثمن السكوت على قناة الحوار التونسي"[2] تضمنت إتهاما للقناة التلفزية بتبني خطابا تحريضيا قوامه العنف اللفظي وتأليب الرأي العام. واعتبر صلبها أن الخط التحريري للقناة "يوفر المناخ الملائم للتوتر الاجتماعي والعنف السياسي.المفضي احتمالا لردود فعل وجرائم لا تحمد عقباها" ليطالب "بإغلاق القناة ومحاكمة المشرفين عليها". وهو أمر برره بما قال أنه "تنفيذ مخططات إجرامية ومؤامرات مكشوفة" وبما قال أن فيه "حماية  لحرية الإعلام".

ساعات قليلة بعد ذلك كانت كافية لتكون تلك التدوينة موضوع نقاش إعلامي ومجتمعي واسع باعتبار أنها صدرت عن قاضٍ يعد من القضاة المعروفين في الساحة العامة وبالنظر لكونها تعلقت بحرية الإعلام. خصصت قناة الحوار جانبا هاما من برنامجها الحواري الليلي للتدوينة التي قال صحفيوها أن القاضي الذي صدرت عنه خرج عن واجب التحفظ المحمول عليه وتبنى خطابا تحريضيا ضد حرية الإعلام. وأعلنت إدارة القناة خلال ذات الليلة أنها ستتقدم بشكاية ضد الرحماني للمجلس الأعلى للقضاء، فيما أكدت مجموعة المحامين المصطلح على تسميتهم بفريق الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي تطوعها لنيابة القناة في شكواها تلك.

ساند القناة في موقفها طيف هام من الشخصيات الحقوقية التي حذرت من خطورة أي محاولة لتقييد حرية الإعلام تحت أي مبرر كان. بالمقابل، ساند الرحماني عديد القضاة وشخصيات حقوقية اعتبرت التهديد بمحاكمته من قبيل الترهيب الفكري والتقييد غير المبرر لحرية التعبير. وتمسك هؤلاء بكون الانتقادات التي وجهها للفريق الإعلامي العامل بقناة الحوار يشاركه فيها شق كبير من الرأي العام وأثبتتها في حقها الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري في أكثر من مناسبة. وهنا أعاد الجدل الدائر حول التدوينة طرح السؤال حول حرية التعبير في الوسط القضائي. فيما كانت ردود الفعل حولها وما سبقها وما أعقبها من مظاهر احتجاج على أداء عدد من المؤسسات الإعلامية الخاصة خلال الفترة الانتخابية مناسبة لطرح السؤال حول نقد الأداء الإعلامي في مجتمع يعيش انتقاله الديموقراطي.

 

قضاء تحرر من تمثل تقليدي "لواجب التحفظ": حرية التعبير حق أساسي

إستند منتقدو تدوينة الرحماني لصفته المهنية ليذكروا أن فيما كتبه خروج منه على واجب التحفظ ومدعاة للتشكيك في استقلاليته وليطالبوا تفقدية وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء بالتعهد بنظر ما نسبوا له من خطأ مهني. بالمقابل، تمسك القضاة الذين انبروا لمساندته بكون حرية التعبير التي تعدّ حقا أساسيا لا يمكن استثناؤهم منها وبكون تعبيرهم صراحة عن مواقفهم وآرائهم لا يمس من استقلاليتهم بقدر ما يؤكد شفافيتهم.

كشف هذا الجدل عن كون مجتمع القضاة في تونس استبطن لحد كبير قيم الثورة في جانبها المتعلق بتحديد ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات وأن القضاة باتوا يؤسسون ممارستهم لحرية التعبير على معيار قيم المجتمع الديمقراطي، ذلك المعيار الذي سبق للمفكرة في صياغتها لتصورها للمدونة النموذجية لأخلاقيات القضاء أن دعت لاعتماده. وهنا، وجب التنبه لكون استفادة القضاة من هذه القيم تفرض عليهتم التنبه لضرورة أن يكونوا أكثر حلما في تعاطيهم مع الحريات مطلقا ومنها حرية الإعلام.

 

تقييم الأداء الإعلامي: النقد حق والبناء فعل يحتاج الصبر

يمكن أن يفسر فوز قيس سعيد في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية على منافسه نبيل القروي في أحد أبعاده بالمفعول العكسي للدعاية الإعلامية الموجهة التي استفاد منها الثاني وحرم منها الأول، بما كان معه الصندوق الانتخابي مجالا للتعبير عن رفض الناخب لما سُلِّط عليه من هرسلة إعلامية. فتكون المواقف التي تطالب بتقييم الأداء الإعلامي في هذه المحطة التاريخية الهامة من قبيل الدعوة للتصدي لاستعمال أصحاب المؤسسات الإعلامية لسلطة الإعلام في توجيه الرأي العام وبالتالي من سبل الدفاع عن قيم المجتمع الديمقراطي ومن أوجه حماية أخلاقيات العمل الصحفي.

في المقابل وفي سياق ذات السؤال حول الالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي، كشفت وقائع متعددة أعقبت إعلان فوز سعيد في الانتخابات الرئاسية عن ميل جانب من الشارع المساند له لاستعمال أنواع من العنف في مواجهة الإعلاميين الذين تتهم المؤسسات التي يشتغلون بها بالتحيز لخصمه[3]. وتبدو ردود الفعل العنيفة تلك والخطاب المساند لها خطيرة على حركة الانتقال الديمقراطي، لكون ذاك الانتقال يحتاج لدربة مجتمعية عليه، من ركائزه التحلي بدرجة من الحلم مع ما قد يبرز من تعسف في استعمال حرية الإعلام. وتبدو عند هذا الحد الدعوة التي صدرت عن القاضي الرحماني لغلق قناة الحوار ومحاكمة صحفييها دعوة مرفوضة في موضوعها لكونها قد تكون مطية لقمع الحريات، كما كانت دعوات مؤاخذته من أجل مواقفه مرفوضة لما فيها من مس بحقه الأصيل كمواطن في تقييم أداء مؤسساته ومنها المؤسسات الإعلامية. فالقول باستقلالية هذه المؤسسات لا يمنع قط نقدها أو دعوتها للمحاسبة عن إنحرافات من يوظفون خطها التحريري فيما يتعارض مع خدمة وظيفتها الاجتماعية وفيما يضر بالثقة العامة في الإعلام المستقلّ[4].

 

 


[1]  يعد حمادي الرحماني من ابرز قضاة الرأي بتونس وقد كان قبل الثورة من أعضاء الهيئة الشرعية لجمعية القضاة التونسيين التي تصدت لانقلاب السلطة على  المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين سنة 2005.

[2] ورد في التدوينة  " قناة الحوار التونسي تجمع في خطابها وخطها التحريري والتحريضي أفظع أنواع العنف اللفظي من سب وشتم وثلب وكذب وتزوير وتوظيف واستفزاز وحقد...وهي توفر المناخ الملائم للتوتر الاجتماعي والعنف السياسي...المفضي احتمالا لردود فعل وجرائم لا تحمد عقباها...الذين يدعون دائما استفظاعهم العنف ويقيمون الدنيا على أبسط أنواعه ليس لهم عذر في السكوت على صحفيين هم العنف نفسه، هم الجريمة نفسها، هم الحقد نفسه...موجها لا لشخص او لبعض الاشخاص او لفئة...بل موجه بصفة تعسفية ومجانية وإجرامية مضمرة ومدروسة ضد الملايين من التونسيين طلبا للخصومة والنزال واستجلابا لردود الفعل والصدام...وليس كل الناس سواء، وليس كل الناس عقلاء...وكل الحكمة تكمن في تجنب الاستفزاز وتجنب الاعتداء لا في الإدانة المتأخرة للمحظور!في زمن الحرية حيث كل الخطابات ممكنة ومتاحة ومشروعة سوى خطاب الفتنة والخصومة...فلنتساءل: لماذا يستميتون في التمسك بخطاب الفتنة تحديدا؟ ولماذا نجد حرجا في إدانته والتفكير في قطع دابره تماما قبل أن يقطع حريتنا وديمقراطيتنا وسلمنا الاجتماعي والسياسي؟إغلاق الحوار التونسي ومحاكمة المشرفين عليها تبعا لتنفيذها مخططات إجرامية ومؤامرات مكشوفة أصبح ضروريا لحماية لحرية الإعلام...في غياب ذلك سندفع الثمن...سندفعه غاليا!"

[3] وثقت  النقابة الوطنية للصحفيين في بلاغ صدر عنها بتاريخ 14-10-2019 الاعتداءات التي طالت الصحفيين وحذرت من خطورتها  وورد في هذا البلاغ " عمدت بعض المجموعات من المحتفلين بنتائج سبر الآراء التي تفيد بفوز المترشح الرئاسي قيس سعيد مساء الأحد 13 أكتوبر 2019، إلى الاعتداء على الصحفيين في مناطق متفرقة من البلاد.حيث تم استهداف فرق عمل قناة “الحوار التونسي” في ولايتي تونس ونابل بالعنف الجسدي ومحاولة تهشيم المعدات والطرد من التجمعات الكبيرة التي شهدتها مناطق شارع بورقيبة بالعاصمة ومنطقة بني خيار من ولاية نابل.وقد رفعت هذه المجموعات عدة شعارات استهدفت قناة ‘الحوار التونسي’ من قبيل “اعلام العار” وعبارات نابية إضافة إلى رفع شعار “ارحل” في وجه الصحفيين المتواجدين في الميدان.كما تم الاعتداء لفظيا ومضايقة الصحفيين العاملين في مؤسسات وطنية وأخرى أجنبية بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة.ونظمت مجموعة من الشباب الذين يشتبه في انتمائهم إلى تيارات دينية متشددة وقفة احتجاجية أمام مقر “إذاعة المنستير” رافعين شعارات من قبيل “اعلام العار” إضافة إلى استعمال عبارات سب وشتم استهدفت الصحفيين والعاملين بالإذاعة.وكانت بعض الصفحات على موقع فايسبوك والمحسوبة على حركة النهضة قد انخرطت في حملات تحريض وسب وشتم ضد التلفزة الوطنية، وذلك إثر مناظرة الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، وبعد إعلان حركة النهضة تتبعها القانوني للتلفزة على خلفية طرح سؤال حول ملف “الجهاز السري لحركة النهضة”.إن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إذ تدين بشدة الاعتداءات العنيفة التي طالت الصحفيين، فإنها تدعو النيابة العمومية إلى التحرك العاجل لتتبع المعتدين الذين ستثبت الابحاث تورطهم فيها. وتضع على ذمة الصحفيين المتضررين طاقمها القانوني لمباشرة إجراءات التتبع.وتعتبر النقابة الاعتداءات التي طالت الصحفيين ليلة أمس محاولة للعودة إلى مربع العنف الذي تجاوزناه بحل “رابطات حماية الثورة” والذي عانى منه الصحفيون سنوات 2012 و2013، وتؤكد النقابة أنها ستقف حصنا منيعا لصد أي محاولة للرجوع الي الخلف بحرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير.كما تصنف النقابة الاعتداءات العنيفة التي طالت الصحفيين ضمن خانة المؤشرا السلبية ودليلا على ضعف الالتزام بحرية الصحافة، وغياب الوعي المواطني بطبيعة العمل الصحفي وحدود ممارسة حرية التعبير وانطلاق محاولات التضييق من قبل الأطراف السياسية وعدم تقبلها للرأي المخالف.وتدعو النقابة المتشرح للانتخابات الرئاسية قيس سعيد إلى الدعوة الصريحة للتوقف عن الاعتداءات على الصحفيين والاعتذار المباشر عما أقدم عليه أنصاره في مختلف مناطق الجمهورية."
[4] يذكر في هذا الإطار أن الإعلامية  مبروكة خذير وكانت ممن تعرضوا للمضايقة من أنصار سعيد ليلة الانتخابات بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس قد ردت ما لحقها و زملائها في جانب منه للفساد الإعلامي وكتبت في هذا الإطار على صفحتها للتواصل الاجتماعي تدوينة تداولتها وسائل الإعلام أتى فيها : " لست حزينة لأني و فريقي و زملائي هوجمنا ليلة البارحة ،فذلك خبزنا اليومي و لكني مستاءة من أشباه إعلاميين ندفع نحن عنهم ضريبة غيهم، ضريبة شراء ذممهم، ضريبة نفوسهم المريضة المتعالية الطامعة، لا في شرف المهنة، بل في فتات من تملكوا وسائل إعلامنا فتسللوا مثل خلايا السرطان يريدون صناعة خطاب إعلامي سطحي و تافه و مفرغ من مهمته في التثقيف و التصحيح و الإصلاح ..إلى أشباه الإعلاميين:لسنا انتم و لا نشبهكم فنحن اسود الميدان و أنتم نعامات بلاط لمن يملكون مال الدنيا و لا يملكون شرف المهنة نحن منكم براء "