مصنع آخر من كبار الملوثين يُدان على خلفية تلوث نهر الليطاني. أول أمس، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في زحلة محمد شرف حكماً يُدين معمل "ماستر شيبس" في الفرزل بتلويث نهر الليطاني بتغريمه مبلغ 70 مليون ليرة جرى تخفيفها إلى مبلغ 50 مليون ليرة، وبإلزامه بتنظيف مجرى نهر الليطاني على مسافة 2 كيلو متر، وبأن يزرع ثلاثة آلاف غرسة من أشجار الصنوبر وألف نبتة من قصب السكر وبأن يسدد للمصلحة تعويضا قدره 15 مليون ليرة لبنانية.

الحكم بشكله يُظهر الجدية العالية للقضاء في مقاضاة الملوثين على اختلافهم حتى أؤلئك النافذين. إلا أن مالك المعمل ورئيس مجلس إدارتها النائب ميشال جورج ضاهر قد "نفذ بريشه" في هذا الملف بينما أُدين معمله وحده، بعدما وضع بالواجهة مدير المشتريات في المعمل الذي يُدعى ميشال جان ضاهر. ومع تلكؤ النيابة العامة مرتين عن تصحيح الادعاء ليُصار إلى الادعاء على صاحب القرار الفعلي في المعمل، يبدو أن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني التي تُصارع الوقت لرفع التلوث عن الليطاني، اختارت المضي بالدعوى على شكلها حتى لا تصطدم بموضوع الحصانة النيابية التي يتمتع بها ضاهر، مما قد يطيل أمد الدعوى ويزيد في الوقت نفسه كمية التلوث في نهر الليطاني. فصدر القرار بإعلان براءة من لا علاقة له بالدعوى، أي مدير المشتريات في الشركة، وأدان المعمل وحده بتلويث نهر الليطاني، وخاصة بسبب تنفيذ أشغاله دون إنشاء وحدة معالجة للنفايات الصناعية. الحكم يحدد غرامة 50 مليون ليرة وهي الغرامة الأعلى من بين الأحكام  التي صدرت حتى اليوم، التي كان آخرها بحق معمل "قساطلي شتورة" الذي أُدين بمبلغ 15 مليون ليرة. في المقابل، برر النائب ضاهر عدم تركيبه لمحطات التكرير في معمله، عبر تغريدة على تويتر بأن "ماستر شيبس حصل على ترخيص صناعي ولم يُطالب بإنشاء محطة تكرير كون المصنع ينتج مواد غذائية غير ضارة بالبيئة"، وتابع ضاهر في تغريدته قائلاً: "بعد الادعاء علينا وضمن المهل الإدارية، قمنا بتركيب محطة تكرير إيماناً منا بالمحافظة على البيئة، ولم نتعرض يوماً سوى للتشهير بالصناعة اللبنانية".

إذن، النائب ضاهر يعتبر أن معمله ليس بحاجة لمحطة تكرير، مع ذلك التزم بتركيبها بعد الادعاء عليه. إلا أن الحكم الصادر وتقرير الخبيرة كارول السخن التي كشفت على المعمل يُناقض هذه الرؤية.

يظهر من حيثيات الحكم أنه لدى الكشف الذي حصل بتاريخ 19 أيلول 2018 من قبل اللجنة المؤلفة من خبراء من وزارات الصحة والبيئة والصناعة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وبمؤازرة من مفرزة زحلة، تبيّن أن المياه التي تخرج من معامل "ماستر شيبس" تبلغ حوالي خمسين ألف ليتر يومياً دون معالجة، وحتى ذلك التاريخ لم يكن لدى المعمل أي وحدة معالجة أم محطة تكرير لمياه الصرف الصناعي. ويُبين الاستجواب الأولي لمدير المشتريات أمام الضابطة العدلية أن المعمل لا يستعمل أية مواد كيميائية لغسيل وتنظيف المعدات، وأن استعمال المياه محصور بعملية غسيل البطاطا وتنظيفها، وأن المياه التي تنتج عنها يجري التخلص منها في مياه الصرف الصحي. ومع الإشارة إلى أنه توجد قناة مياه تخرج من الشركة وتنتهي إلى قناة أخرى تصب في مجرى النهر وأن هذه القناة لا تعود للمعمل حصراً وهي تستعمل غالباً لمياه الشتاء، بحسب إفادته. وكانت الشركة قد اعتبرت من خلال وكيلها القانوني أمام المحكمة بأنها غير ملوثة على اعتبار أنها تستخدم المياه فقط لغسيل البطاطا وهذه غير ملوثة، بحسب رؤيته.

أما تقرير الخبيرة كارول السخن، التي كلفتها المحكمة الكشف على المعمل جاء لينفي رؤية المعمل ومالكه، بعدم الحاجة لمحطة تكرير. إذ يُفيد تقرير السخن بأن "المعمل يحتوي على بناء مجهز لتصنيع رقائق البطاطا الطبيعية والمنكهة والمنتجات النشوية والذرة والكورن الفلكس، وبأن المياه الناتجة عن مصنع الرقائق البطاطا وإن كان لا ينتج مواد سامة، إلا أنه ينتج مواد عضوية التي ترفع الحاجة البيولوجية للأكسجين فوق الحدود المسموح بها. وإنه استناداً إلى الفحص المخبري الذي أجري للمياه الناتجة عن المعمل قبل تركيب محطة التكرير، تبين أنها لا توافي الشروط المطلوبة في غالبية المكونات، خاصة لجهة تكاثر المواد الصلبة فيها. ومن هذا المنطلق، لفت التقرير إلى ضرورة إغلاق الخط المباشر الممدود من محطة الترسيب الحالية إلى مجرور زحلة، وأشار إلى وجود "في المعمل أنابيب تصريف مياه صناعية غير موصولة إلى محطة التكرير يجب إشراكها إليها". ما معناه بأنه على المعمل ألا يرمي أي مياه صناعية مهما كانت المواد التي تحتويها في الأوساط البيئة أم في مصاريف شبكة الصرف الصحي.

كما أثبت تقرير الخبيرة السخن أنه تم "كشف مخارج وأنابيب صرف خارجة من المعمل وهي غير مبينة على الخرائط وتؤدي إلى تصريف المياه إلى القنوات الطبيعية المجاورة". وأيضاً كشفت السخن عن "قناة تمتد من تحت محطة التكرير وتذهب إلى مياه المجارير التابعة لبلدية زحلة، فأوصت بإغلاق هذه الأنابيب والقنوات، "وذلك حتى لا يصار إلى تصريف كل المياه الصناعية بدون معالجة إلى القنوات الترابية المجاورة إلى مجرور زحلة".

هذا في العلم، أما في القانون هناك ما يُثبت ضرورة عدم تسييل أي مواد في المياه قد تغير طبيعتها. ويتأتى ذلك، من قانون المياه رقم 77/2018 الذي وضع عقوبات على كل من يقوم عن قصد أو غير قصد على إلقاء أو تسييل أو رمي أو سكب مواد تضر بالمياه السطحية أو الجوفية...". وكذلك المادة 9 في قانون 64/1988، التي تفسر جرم تلويث البيئة كل من يرمي في الأنهار والسواقي وسائر مجاري المياه أو أي مكان آخر المواد المختلفة التي تضر مباشرة أو بنتيجة تفاعلها، بالإنسان والحيوان أو بسائر عناصر البيئة.

أمام كل المعطيات التي بين أيدي المحكمة من دلائل ومواد قانونية وتقارير علمية تتيح تكوين قناعة بالحكم في ملف "ماستر شيبس" انتهى الحكم إلى إدانة "ماستر شيبس" وتغريمها مبلغ 70 مليون ليرة جرى تخفيفها لـ 50 مليون ليرة كونه أوقف التلوث وأزال اسبابه، وألزمه بتنظيف الوسط المائي على مسافة 2 كيلومتر وبأن يزرع على ضفتي النهر في المنطقة الموازية للمعمل 3000 غرسة من أشجار الصنوبر وألف نبتة من قصب السكر على طول 300 متر من المنطقة الممتدة من معملها وصولاً إلى نهر الليطاني. كما ألزم الحكم الشركة بالفحوصات الدورية كل أربعة أشهر تحت إشراف وزارة البيئة والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وتركيب عداد للمياه التي تخرج من محطة التكرير والداخلة إليها.

وألزم الحكم أن يدفع "ماستر شيبس" للمدعية المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مبلغاً وقدره خمسة عشر مليون ليرة كتعويض عن الضرر الذي أصابها.